تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬تواجه‭ ‬اختبار‭ ‬الثقة‭ ‬العالمي

سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬تواجه‭ ‬اختبار‭ ‬الثقة‭ ‬العالمي

على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬احتلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬موقع‭ ‬القلب‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬باعتبارها‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بصفتها‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للأصول‭ ‬الآمنة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الحكومات‭ ‬والبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬لحفظ‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬وإدارة‭ ‬السيولة‭.‬
وأصبحت‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لهذا‭ ‬النظام،‭ ‬إذ‭ ‬اعتُبرت‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأكثر‭ ‬أماناً‭ ‬والأكثر‭ ‬سيولة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وكانت‭ ‬الحكومات‭ ‬الأجنبية‭ ‬ومديرو‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬النقدية‭ ‬يتعاملون‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬الملاذ‭ ‬الأول‭ ‬عند‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بدأت‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬متزايدة‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬التاريخية‭ ‬ستبقى‭ ‬على‭ ‬حالها‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬الأميركي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الاقتراض،‭ ‬وتزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والسياسي‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭.‬
وباتت‭ ‬هذه‭ ‬التساؤلات‭ ‬أكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬‮«‬الاختناق‭ ‬المالي‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬وجود‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬اضطرابات‭ ‬واسعة‭ ‬إذا‭ ‬تعرضت‭ ‬لضغوط‭ ‬مفاجئة‭ ‬أو‭ ‬صدمات‭ ‬كبيرة‭.‬

علاقة‭ ‬معقدة
تمثل‭ ‬العلاقة‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التشابك‭. ‬فالصين‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الدائنين‭ ‬للحكومة‭ ‬الأميركية،‭ ‬حيث‭ ‬تمتلك‭ ‬مع‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬930‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭.‬
وعلى‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬جرى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الحيازات‭ ‬كأداة‭ ‬ضغط‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الخلافات‭ ‬التجارية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتايوان‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والتنافس‭ ‬الاستراتيجي‭.‬
لكن‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬المبسط‭. ‬فبينما‭ ‬تمتلك‭ ‬الصين‭ ‬نفوذاً‭ ‬نظرياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حجم‭ ‬استثماراتها،‭ ‬فإن‭ ‬استخدامها‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إلحاق‭ ‬أضرار‭ ‬كبيرة‭ ‬باقتصادها‭ ‬واحتياطياتها‭ ‬أيضاً‭.‬
فأي‭ ‬عمليات‭ ‬بيع‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬للسندات‭ ‬الأميركية‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬أسعارها‭ ‬إلى‭ ‬الانخفاض‭ ‬وترفع‭ ‬العوائد‭ ‬بشكل‭ ‬حاد،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬قيمة‭ ‬الأصول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الصين‭ ‬تحتفظ‭ ‬بها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اضطراب‭ ‬سوق‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬نفسه‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬ينظر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬إلى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬دائنين‭ ‬وأكبر‭ ‬مدين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬باعتبارها‭ ‬علاقة‭ ‬اعتماد‭ ‬متبادل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬أحادية‭ ‬الاتجاه‭.‬

تغير‭ ‬المشترين
ربما‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الدائنين‭ ‬الأجانب‭ ‬التقليديين،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التغير‭ ‬التدريجي‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬المستثمرين‭ ‬الذين‭ ‬يشترون‭ ‬الدين‭ ‬الأميركي‭.‬
فخلال‭ ‬العقود‭ ‬السابقة‭ ‬كانت‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬العالمية‭ ‬تمثل‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬القوى‭ ‬الداعمة‭ ‬لسوق‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تشتري‭ ‬السندات‭ ‬لأسباب‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬تتعلق‭ ‬بإدارة‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬النقدي‭.‬
أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فتشير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬شهية‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬لزيادة‭ ‬حيازاتها‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬الأميركي‭ ‬بالمعدلات‭ ‬السابقة‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬تشمل‭ ‬استدامة‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬الأميركي،‭ ‬وتكرار‭ ‬استخدام‭ ‬العقوبات‭ ‬المالية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الاستقطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬والضغوط‭ ‬التي‭ ‬تطال‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأميركية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أصبح‭ ‬جزء‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الإصدارات‭ ‬الجديدة‭ ‬يُستوعب‭ ‬بواسطة‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬خاصة‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬للتقلبات‭ ‬وأكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لتغيير‭ ‬مواقفها‭ ‬الاستثمارية‭ ‬بسرعة‭.‬
وهذا‭ ‬التحول‭ ‬يحمل‭ ‬آثاراً‭ ‬مهمة‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬السوق،‭ ‬لأن‭ ‬المستثمر‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬يختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬المستثمر‭ ‬الذي‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬العوائد‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬اليومية‭.‬

الذهب‭ ‬يتقدم
أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬التحولات‭ ‬الجارية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الصعود‭ ‬القوي‭ ‬للذهب‭ ‬داخل‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬العالمية‭. ‬فبعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬هيمنت‭ ‬خلالها‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬المحافظ‭ ‬الرسمية،‭ ‬بدأت‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬تتجه‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬نحو‭ ‬المعدن‭ ‬الأصفر‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬رغبة‭ ‬متنامية‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬عملة‭ ‬واحدة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الذهب‭ ‬يتمتع‭ ‬بميزة‭ ‬مهمة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بالتزامات‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬مالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬جاذبية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭.‬
وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬سجلت‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬العالمية‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬من‭ ‬مشتريات‭ ‬الذهب،‭ ‬بينما‭ ‬تباطأت‭ ‬وتيرة‭ ‬نمو‭ ‬حيازاتها‭ ‬من‭ ‬السندات‭ ‬الأميركية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمراحل‭ ‬السابقة‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدولار‭ ‬أو‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬فقدت‭ ‬مكانتها‭ ‬بالكامل،‭ ‬لكنه‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهيمنة‭ ‬المطلقة‭ ‬التي‭ ‬تمتعت‭ ‬بها‭ ‬لعقود‭ ‬بدأت‭ ‬تواجه‭ ‬منافسة‭ ‬تدريجية‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬بديلة‭.‬
هشاشة‭ ‬التمويل

تزداد‭ ‬المخاوف‭ ‬أيضاً‭ ‬بسبب‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬هيكل‭ ‬تمويل‭ ‬الدين‭ ‬الأميركي‭. ‬فمع‭ ‬ارتفاع‭ ‬احتياجات‭ ‬الاقتراض‭ ‬الحكومي،‭ ‬أصبحت‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬الدين‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬لتغطية‭ ‬احتياجاتها‭ ‬التمويلية‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬توفر‭ ‬مرونة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬فإنها‭ ‬تجعل‭ ‬الحكومة‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لمخاطر‭ ‬إعادة‭ ‬التمويل‭ ‬المستمرة‭. ‬فالسندات‭ ‬والأذونات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تجديد‭ ‬متكرر،‭ ‬ما‭ ‬يربط‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬المستقبلية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بتحركات‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬وظروف‭ ‬السوق‭.‬
وعندما‭ ‬تكون‭ ‬مستويات‭ ‬الدين‭ ‬مرتفعة‭ ‬للغاية،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬العوائد‭ ‬قد‭ ‬تترجم‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الدين،‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬ضغوطاً‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭.‬
ويحذر‭ ‬بعض‭ ‬الخبراء‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المزيج‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬الدين‭ ‬وتراجع‭ ‬المشترين‭ ‬التقليديين‭ ‬وزيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مصادر‭ ‬الهشاشة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الأميركي‭.‬

سلاح‭ ‬الدولار
في‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬النقاش،‭ ‬تبرز‭ ‬قضية‭ ‬استخدام‭ ‬النفوذ‭ ‬المالي‭ ‬الأميركي‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭. ‬فقد‭ ‬منحت‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قدرة‭ ‬استثنائية‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬مالية‭ ‬مؤثرة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬وشركات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬
لكن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬هذا‭ ‬النفوذ‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬فكلما‭ ‬زادت‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تشعر‭ ‬بأنها‭ ‬معرضة‭ ‬للعقوبات‭ ‬أو‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية،‭ ‬ازدادت‭ ‬حوافزها‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬تقلل‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الأميركي‭.‬
وقد‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬استخدام‭ ‬العملات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الثنائية،‭ ‬بينما‭ ‬اتجهت‭ ‬بنوك‭ ‬مركزية‭ ‬عديدة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬حيازاتها‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬وأصول‭ ‬أخرى‭ ‬خارج‭ ‬المنظومة‭ ‬التقليدية‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الدولار‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬لمكانة‭ ‬العملة‭ ‬الأميركية،‭ ‬فإنها‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تغير‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬اللاعبين‭ ‬الدوليين‭.‬

تحديات‭ ‬ديموغرافية
بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬المباشرة،‭ ‬تواجه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬أعمق‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬المستقبلية‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الدين‭ ‬العام‭.‬
فمع‭ ‬تقدم‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬وازدياد‭ ‬أعداد‭ ‬المتقاعدين،‭ ‬تتوقع‭ ‬الدراسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ارتفاع‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬على‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬العوامل‭ ‬الديموغرافية‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬التضخم‭ ‬منخفضاً‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬تعمل‭ ‬بالقوة‭ ‬نفسها‭.‬
فمعدلات‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬بلغت‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬بالفعل،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المكاسب‭ ‬الكبيرة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬نقل‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بالزخم‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬العقود‭ ‬السابقة‭.‬
ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الاحتواء‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬ترافقت‭ ‬مع‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬والدين‭ ‬العام‭.‬

معضلة‭ ‬الفيدرالي
أحد‭ ‬أكثر‭ ‬السيناريوهات‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬قلق‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬مواجهة‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬مستقبلاً‭ ‬لصراع‭ ‬بين‭ ‬هدفين‭ ‬أساسيين‭: ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭.‬
ففي‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية‭ ‬يمكن‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬التضخم‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬مستويات‭ ‬الدين‭ ‬مرتفعة‭ ‬للغاية،‭ ‬فإن‭ ‬تشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والأسواق‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬تخفيف‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬الأسواق‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط‭ ‬قد‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭ ‬للارتفاع‭. ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬معضلة‭ ‬معقدة‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬صناع‭ ‬السياسات‭ ‬أمام‭ ‬خيارات‭ ‬صعبة‭ ‬ومكلفة‭.‬
وبالنسبة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬نظراً‭ ‬لحجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والدور‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬

اختبار‭ ‬الثقة
في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬توقف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬سداد‭ ‬ديونها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬كمصدر‭ ‬شبه‭ ‬مطلق‭ ‬للأصول‭ ‬الآمنة‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬العالم‭.‬
فإذا‭ ‬استمرت‭ ‬الديون‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وتراجعت‭ ‬شهية‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وازداد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مستثمرين‭ ‬أكثر‭ ‬تقلباً،‭ ‬فقد‭ ‬تصبح‭ ‬سوق‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬للصدمات‭ ‬المستقبلية‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تمتلك‭ ‬أعمق‭ ‬وأكبر‭ ‬سوق‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬قد‭ ‬تشهد‭ ‬اختباراً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬لقدرة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الأميركي‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانته‭ ‬التاريخية‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات،‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬كيفية‭ ‬تمويل‭ ‬الدين‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬كيفية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬للنظام‭ ‬المالي‭ ‬الدولي‭ ‬طوال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭.‬

رجوع لأعلى