صدمة ثلاثية تعصف بالدول النامية
لم تكن الاقتصادات النامية، قبيل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، في وضع مثالي، لكنها كانت تسير في مسار تعافٍ تدريجي بعد سنوات من الصدمات المتتالية. فبعد جائحة كوفيد-19، ثم الحرب في أوكرانيا، ثم موجة التضخم العالمية ورفع أسعار الفائدة، أظهرت العديد من هذه الاقتصادات قدرة ملحوظة على الصمود، مستفيدة من إصلاحات مالية ونقدية وتحسن نسبي في تدفقات الاستثمار. غير أن هذا التوازن، الذي وصفته فايننشال تايمز بأنه “هش بطبيعته”، لم يكن مهيأً لتحمل صدمة جديدة بهذا الحجم، خاصة حين تأتي من منطقة تعد قلب إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
توازن هش
ترى فايننشال تايمز أن الحرب الحالية لا تمثل مجرد أزمة جيوسياسية، بل صدمة اقتصادية مركبة تنتقل عبر قنوات متعددة، وتضرب الدول النامية بشكل غير متناسب. فمع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، بدأت تداعيات الأزمة تتسع بسرعة، لتكشف عن هشاشة عميقة في بنية الاقتصاد الدولي، حيث تتحمل الدول الأضعف العبء الأكبر رغم أنها الأقل مساهمة في أسباب هذه الصدمات.
صدمة الطاقة
في قلب هذه الأزمة، تبرز صدمة الطاقة كأول وأخطر حلقات التأثير. فالدول النامية، خاصة المستوردة الصافية للنفط والغاز، تجد نفسها في مواجهة ارتفاع حاد في الأسعار وتنافس غير متكافئ مع الاقتصادات المتقدمة على الإمدادات المحدودة. وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذه الصدمة لا تقتصر على زيادة فاتورة الاستيراد، بل تمتد لتشمل ضغطاً مباشراً على العملات المحلية، حيث يتزايد الطلب على الدولار لتمويل الواردات، ما يؤدي إلى تراجع قيمة العملات وارتفاع تكلفة خدمة الديون الخارجية. وفي الوقت ذاته، ينتقل أثر ارتفاع الطاقة إلى الداخل، عبر زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما يغذي موجة تضخم واسعة تضرب القوة الشرائية للأسر، وتضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين دعم الأسعار أو تركها ترتفع.
ضغط العملات
ولا تتوقف تداعيات صدمة الطاقة عند هذا الحد، إذ تؤكد الصحيفة أن العديد من الدول النامية لم تتمكن من بناء بدائل حقيقية في مجال الطاقة المتجددة، ما يجعلها عالقة في دائرة الاعتماد على الوقود الأحفوري. ومع تراجع الإمدادات العالمية، تتحول هذه الدول إلى الحلقة الأضعف في سوق تتسم بندرة متزايدة، حيث تستطيع الدول الغنية تأمين احتياجاتها عبر عقود طويلة الأجل أو عبر تدخلات حكومية مكلفة، بينما تضطر الدول الفقيرة إلى التعامل مع تقلبات السوق بشكل مباشر.
أزمة الغذاء
أما الصدمة الثانية، فهي أكثر عمقاً على المستوى الإنساني، وتتعلق بالأمن الغذائي. فمضيق هرمز لا يمثل ممراً للطاقة فحسب، بل يشكل أيضاً مساراً حيوياً لنقل الحبوب والأسمدة، حيث يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية لهذه السلع. ويعني أي اضطراب في هذا المسار ارتفاع تكاليف الشحن، وتأخير الإمدادات، وظهور اختناقات في الأسواق المحلية للدول النامية. وتوضح فايننشال تايمز أن هذه الأزمة تأتي في وقت تعاني فيه العديد من هذه الدول أصلاً من آثار التغير المناخي، مثل الجفاف والفيضانات، ما يقلص قدرتها على الإنتاج الزراعي المحلي، ويزيد من اعتمادها على الواردات.
خطر الجوع
وفي هذا السياق، تصبح أزمة الغذاء أكثر من مجرد مسألة أسعار، إذ تتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي. وتشير التقديرات التي أبرزتها فايننشال تايمز إلى أن استمرار النزاع قد يدفع عشرات الملايين إلى دائرة الجوع الحاد، وهو ما يعكس حجم الخطر الإنساني الكامن. كما أن نقص الأسمدة، نتيجة تعطل الإمدادات، قد يؤثر على المواسم الزراعية المقبلة، ما يعني أن الأزمة ليست مؤقتة، بل تمتد آثارها إلى المستقبل، مع احتمالية انخفاض الإنتاج العالمي وارتفاع الأسعار لفترة طويلة.
اضطراب اجتماعي
وتاريخياً، ارتبطت أزمات الغذاء بموجات من الاضطرابات السياسية والاجتماعية، وهو ما يجعل هذه الصدمة أكثر تعقيداً، حيث لا تقتصر آثارها على الاقتصاد، بل تمتد إلى الاستقرار الداخلي للدول. وفي ظل ضعف شبكات الحماية الاجتماعية في العديد من الدول النامية، تصبح الحكومات أقل قدرة على امتصاص هذه الصدمات، ما يزيد من احتمالات الاحتجاجات والتوترات.
تحويلات متراجعة
الركيزة الثالثة في هذه الصدمة المركبة، كما توضح فايننشال تايمز، تتمثل في التحويلات المالية، التي تشكل أحد أهم مصادر الدخل الخارجي للعديد من الدول النامية. فملايين العمال في دول الخليج يرسلون سنوياً مليارات الدولارات إلى بلدانهم، ما يدعم الاستهلاك المحلي ويساهم في استقرار الميزانيات. غير أن الحرب تؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في هذه الدول، وإعادة توجيه الإنفاق نحو الداخل، ما ينعكس سلباً على قدرة العمال على إرسال الأموال.
نزيف صامت
هذا التراجع، رغم أنه قد يبدو تدريجياً، يحمل تأثيرات عميقة، إذ يؤدي إلى انخفاض الطلب المحلي، وزيادة الضغوط على العملات، وارتفاع معدلات الفقر. وتبرز دول مثل بنغلاديش ومصر والفلبين بين الأكثر عرضة لهذه الصدمة، نظراً لاعتمادها الكبير على التحويلات كمصدر للعملة الصعبة. وهنا تشير فايننشال تايمز إلى أن هذه القناة تمثل “نزيفاً صامتاً”، حيث تتراكم آثارها ببطء لكنها تترك تأثيراً واسعاً على الاقتصاد الكلي.
تباطؤ النمو
في ضوء هذه التطورات، قام صندوق النقد الدولي بخفض توقعاته لنمو الاقتصادات النامية، في حين أبقى على توقعاته للاقتصادات المتقدمة دون تغيير، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الطرفين. وتفسر فايننشال تايمز هذا التباين بأنه نتيجة مباشرة لانتقال المخاطر نحو الدول الأقل قدرة على التحمل، حيث تتفاعل الصدمات الثلاث معاً لتخلق ضغطاً غير مسبوق على هذه الاقتصادات.
أزمة ديون
ولا تقتصر المخاطر على النمو، بل تمتد إلى الاستقرار المالي، حيث تتفاقم أزمة الديون في العديد من الدول النامية. فمع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتراجع الإيرادات، وزيادة الإنفاق على الدعم، تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى الاقتراض بشروط أكثر صعوبة. وتشير البيانات إلى أن عدداً كبيراً من الدول، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء، بات إما في حالة أزمة ديون أو معرضاً لها بشكل كبير. وفي هذا السياق، تحذر فايننشال تايمز من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى موجة جديدة من التعثرات السيادية، ما يعيد إلى الأذهان أزمات الديون في العقود السابقة.
دعم متراجع
في المقابل، يبدو أن قدرة النظام الدولي على الاستجابة لهذه الأزمة محدودة. فالدول المتقدمة، التي كانت تلعب دوراً محورياً في تقديم الدعم خلال الأزمات السابقة، تواجه حالياً ضغوطاً داخلية كبيرة، من التضخم إلى أمن الطاقة، ما يدفعها إلى التركيز على احتياجاتها المحلية. وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذا التحول يعكس تراجعاً في مستوى التضامن الدولي، حيث أصبحت المنافسة على الموارد أكثر حدة، وتراجعت المساعدات الخارجية مقارنة بما كانت عليه في أزمات سابقة.
حلول ممكنة
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى دور أكبر من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، سواء من خلال توفير التمويل الطارئ أو تخفيف أعباء الديون. كما تطرح فكرة إنشاء ممرات آمنة لنقل الغذاء والأسمدة عبر المضيق كأحد الحلول الممكنة، على غرار المبادرات التي تم تطبيقها في البحر الأسود، إلا أن هذه الجهود لا تزال تواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة.
سيناريوهات محتملة
ومع استمرار الحرب، تتزايد المخاوف من تحول هذه الأزمة إلى حالة ممتدة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة، بينما يؤدي تباطؤ النمو إلى زيادة البطالة والفقر. وفي المقابل، فإن التوصل إلى وقف إطلاق نار سريع قد يحد من الأضرار، ويمنح الأسواق فرصة لاستعادة التوازن، إلا أن هذا السيناريو لا يزال غير مضمون.
خلل هيكلي في النظام الاقتصادي
في النهاية، تكشف هذه الأزمة، كما تؤكد فايننشال تايمز، عن خلل هيكلي في النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتحمل الدول الأقل قدرة العبء الأكبر من الصدمات. فالحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة العالم على إدارة الأزمات بشكل عادل ومتوازن. وفي غياب استجابة دولية فعالة، قد لا تكون النتائج مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل تحولات عميقة في خريطة الفقر والتنمية، تمتد آثارها لسنوات طويلة قادمة.