تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬تبالغ‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬الخوف‭ ‬أم‭ ‬تسبق‭ ‬الواقع؟

CFG33

في‭ ‬لحظات‭ ‬الأزمات،‭ ‬تتحرك‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬بوتيرة‭ ‬تتجاوز‭ ‬أحياناً‭ ‬قدرة‭ ‬البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬التفسير‭. ‬فعند‭ ‬أول‭ ‬إشارة‭ ‬لصدمة‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬جيوسياسية،‭ ‬تتجه‭ ‬الأسعار‭ ‬نحو‭ ‬الهبوط‭ ‬السريع،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬نتيجة‭ ‬تقييم‭ ‬دقيق‭ ‬للمعطيات‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يسبق‭ ‬هذا‭ ‬الهبوط‭ ‬صدور‭ ‬بيانات‭ ‬واضحة‭ ‬حول‭ ‬حجم‭ ‬التأثير‭ ‬الفعلي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬الأولي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تسعير‭ ‬‮«‬الأسوأ‮»‬‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬الواقع‭. ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬الأسواق‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬الحقائق‭ ‬الكاملة،‭ ‬بل‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬التوقعات‭ ‬والاحتمالات،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬أو‭ ‬مبالغًا‭ ‬فيها‭.‬

ذاكرة‭ ‬الأزمات

هذا‭ ‬السلوك‭ ‬ليس‭ ‬جديداً،‭ ‬بل‭ ‬تكرر‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬مفصلية،‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬إلى‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬في‭ ‬2020،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬الأسواق‭ ‬تراجعات‭ ‬حادة‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭. ‬ففي‭ ‬أزمة‭ ‬كورونا،‭ ‬فقدت‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلث‭ ‬قيمتها‭ ‬خلال‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة،‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أسرع‭ ‬موجات‭ ‬الهبوط‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬التعافي‭ ‬التدريجي‭. ‬وجاء‭ ‬هذا‭ ‬التعافي‭ ‬مدعوماً‭ ‬بحزم‭ ‬تحفيزية‭ ‬ضخمة‭ ‬وتدخلات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬الثقة‭ ‬تدريجياً‭ ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬الأولي‭ ‬كان‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيه‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الضرر‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭.‬

فجوة‭ ‬القيمة

وتشير‭ ‬الأدبيات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التراجعات‭ ‬الحادة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬تبررها‭ ‬الأساسيات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬متعددة‭ ‬أن‭ ‬الأسهم‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لانخفاضات‭ ‬قوية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أداء‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬التعافي‭ ‬اللاحقة‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬وجود‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬السعر‭ ‬السوقي‭ ‬والقيمة‭ ‬العادلة،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تسعير‭ ‬الأصول‭ ‬بأقل‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬البيع‭ ‬المكثف‭. ‬ومع‭ ‬عودة‭ ‬الاستقرار،‭ ‬تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬الانكماش‭ ‬تدريجيًا،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فرصًا‭ ‬استثمارية‭ ‬لأولئك‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬التقلبات‭.‬

صدمة‭ ‬سياسية

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬على‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬يظهر‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬الجيوسياسية‭. ‬فعند‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬أو‭ ‬اندلاع‭ ‬النزاعات،‭ ‬تتجه‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬سريعة‭ ‬وعنيفة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬حيث‭ ‬تسجل‭ ‬المؤشرات‭ ‬تراجعات‭ ‬ملحوظة‭ ‬خلال‭ ‬جلسات‭ ‬محدودة‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬وغياب‭ ‬التصعيد‭ ‬الكبير‭ ‬أو‭ ‬وضوح‭ ‬مسار‭ ‬الأحداث،‭ ‬تبدأ‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬توازنها‭ ‬تدريجياً،‭ ‬وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬ميل‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬قبل‭ ‬إعادة‭ ‬تقييمها‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءًا‭ ‬مع‭ ‬توافر‭ ‬المعلومات‭.‬

نفسية‭ ‬السوق

السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬قرارات‭ ‬المستثمرين‭. ‬فالتمويل‭ ‬السلوكي‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬المستثمر‭ ‬لا‭ ‬يتصرف‭ ‬دائمًا‭ ‬بعقلانية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬التوتر‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭. ‬ويُعد‭ ‬‮«‬كره‭ ‬الخسارة‮»‬‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬العوامل،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬المستثمر‭ ‬بألم‭ ‬الخسارة‭ ‬بشكل‭ ‬يفوق‭ ‬متعة‭ ‬تحقيق‭ ‬الأرباح،‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭ ‬لتقليل‭ ‬الضرر‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مبررة‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية‭.‬
عدوى‭ ‬الخوف

كما‭ ‬يلعب‭ ‬‮«‬سلوك‭ ‬القطيع‮»‬‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬التراجعات،‭ ‬إذ‭ ‬يميل‭ ‬المستثمرون‭ ‬إلى‭ ‬تقليد‭ ‬تحركات‭ ‬الآخرين،‭ ‬معتقدين‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬يمتلك‭ ‬معلومات‭ ‬لا‭ ‬يملكونها،‭ ‬ومع‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الهبوط،‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬جماعي‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر،‭ ‬وتخلق‭ ‬حلقة‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬الانخفاض‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬القرار‭ ‬فردياً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يصبح‭ ‬انعكاساً‭ ‬لحالة‭ ‬عامة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬الجماعي‭.‬

ضغط‭ ‬إعلامي

وتعزز‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التدفق‭ ‬اللحظي‭ ‬للأخبار‭ ‬والتغطيات‭ ‬المستمرة‭. ‬فالعناوين‭ ‬السلبية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬توقعات‭ ‬أو‭ ‬سيناريوهات‭ ‬محتملة،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬إضافي‭ ‬على‭ ‬المستثمرين،‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬تحديث‭ ‬أو‭ ‬خبر‭ ‬عاجل،‭ ‬تتزايد‭ ‬حالة‭ ‬الترقب‭ ‬والقلق،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬دفاعية،‭ ‬مثل‭ ‬التخارج‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬المراكز،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬تغييرات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

واقعية‭ ‬المخاطر

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬كل‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيه‭. ‬فالأزمات‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬مخاطر‭ ‬حقيقية،‭ ‬مثل‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تراجع‭ ‬السيولة،‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬التعثر،‭ ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬يكون‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الهبوط‭ ‬مبرراً‭ ‬ويعكس‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬عادلة‭ ‬للأصول‭ ‬وفق‭ ‬المعطيات‭ ‬الجديدة‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الهبوط‭ ‬المبرر‭ ‬والذعر‭ ‬المفرط‭ ‬يظل‭ ‬تحدياً‭ ‬أساسياً‭ ‬أمام‭ ‬المستثمرين‭.‬

ميزان‭ ‬القرار

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تتحرك‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬النفسي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬فهي‭ ‬تعكس‭ ‬المخاطر‭ ‬الحقيقية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تضخمها‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الخوف‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬الانضباط‭ ‬الاستثماري‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تُتخذ‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬التوتر‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تحدد‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الخسارة‭ ‬والفرصة‭. ‬فبين‭ ‬البيع‭ ‬بدافع‭ ‬الخوف‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بثقة‭ ‬مدروسة،‭ ‬تتشكل‭ ‬نتائج‭ ‬الاستثمار‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬وتظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬قدرة‭ ‬المستثمر‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬تقلبات‭ ‬السوق‭.‬

رجوع لأعلى