عندما تصطدم طموحات التدويل بقيود الاقتصاد
في مايو 1984، أصدرت وزارة المالية اليابانية إعلاناً بشأن «تدويل الين الياباني»، جاء فيه: «هناك اهتمام دولي متزايد بتدويل الين، بما يعكس المكانة المهمة لليابان في الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإن اضطلاع الين بدور العملة الدولية لم يعد خياراً فحسب، بل أصبح ضرورة»، وقد عكس هذا الإعلان درجة عالية من الثقة لدى المسؤولين والأوساط الأكاديمية في اليابان.
وفي هذا السياق، أشار كايزوكا كيمي، أستاذ الاقتصاد في جامعة طوكيو، في تقرير أعده عام 1987، إلى أن بعض الاقتصاديين كانوا يتوقعون أن يحل الين محل الدولار الأمريكي كعملة احتياطية رئيسية، على غرار ما حدث عندما حل الدولار محل الجنيه الإسترليني. غير أن التقديرات اليابانية أصبحت أكثر واقعية بحلول عام 1988، إذ تبين أن الين لا يمثل تهديدًا حقيقيًا لمكانة الدولار، نظراً لضيق نطاقه الاقتصادي نسبيًا وتأخر تطور الأسواق المالية المرتبطة به.
ورغم ذلك، ظلت وزارة المالية اليابانية ترى أن الين قادر، على الأقل، على ترسيخ موقعه كثاني أهم عملة دولية بعد الدولار الأميركي. وفي أبريل 1999، دعت الوزارة إلى تعزيز استخدام الين في المعاملات العابرة للحدود، وزيادة حضوره في الأصول التي يحتفظ بها غير المقيمين، إلى جانب رفع دوره في النظام النقدي الدولي، سواء في المعاملات التجارية أو الرأسمالية أو احتياطيات النقد الأجنبي.
وعقب اندلاع الأزمة المالية الآسيوية، سعت اليابان إلى توسيع نفوذها المالي إقليمياً، فطرحت فكرة إنشاء صندوق نقدي آسيوي بهدف لعب دور قيادي في القارة الآسيوية، إلا أن هذا المقترح اصطدم برفض الولايات المتحدة والصين وعدد من الدول الآسيوية الأخرى، ما أدى إلى تعثره.
وبعد عقود من هذه المساعي، يتضح أن اليابان دفعت ثمناً اقتصادياً باهظاً، خاصة عقب أزمة عام 1990 وما تلاها من فترة ركود طويلة، وفي المقابل، نجح الين في ترسيخ مكانته كإحدى العملات الدولية، لكنه بقي ضمن مجموعة من العملات المؤثرة، مثل اليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري والدولار الأسترالي، إلى جانب عملات أخرى كالوون الكوري ودولار هونغ كونغ، وهو ما يشير إلى أن الطموحات اليابانية آنذاك لم تكن واقعية بالكامل في ضوء بنية النظام النقدي الدولي.
وإذا ما قسنا دور الين بوظيفته كعملة احتياطية، أي كمخزن للقيمة، تتضح محدودية تأثيره عالمياً؛ إذ بلغت حصته نحو 4 % فقط من إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي في عام 2009، وهي نسبة أدنى من الجنيه الإسترليني، وبفارق كبير عن الدولار الأمريكي الذي يتجاوز 60 %، وكذلك عن اليورو الذي يدور حول 25 %.
ولا يقتصر هذا الضعف على جانب الاحتياطيات، بل يمتد إلى استخدام الين في التسويات التجارية والمالية، حيث ظل حضوره محدوداً، وفي أعقاب أزمة الاقتصاد الياباني مطلع التسعينيات، خلص المتخصصون إلى أن «تدويل الين» لم يعد يعني منافسة العملات الكبرى، بل تحول إلى مجرد استخدامه كـ«عملة وسيطة» لنقل المعاملات داخل الأسواق المالية الدولية.
ومن هذا المنطلق، ومع مقارنة الطموحات اليابانية الكبيرة بحجم التكاليف الاقتصادية التي تكبدتها البلاد، يمكن القول إن مشروع تدويل الين لم يحقق أهدافه المرجوة.
تسوية المبادلات التجارية
وتطوير الأسواق الخارجية
كان الهدف الأساسي من تدويل الين يتمثل في رفع معدلات استخدامه في المبادلات التجارية العابرة للحدود، ووفقاً لتعريف وزارة المالية اليابانية في تقريرها الصادر عام 1985، فإن التدويل يعني «زيادة استخدام الين في المعاملات الدولية»، ويمكن تلخيص هذا التوجه في محورين: تعزيز استخدام الين في تسويات التجارة الخارجية، وتطوير الأسواق المالية الخارجية لدعم دوره في حسابات رأس المال.
غير أن هذا التصور واجه عقبات عدة أدت إلى تعثره؛ إذ لعبت العوامل السياسية والعسكرية دوراً مؤثراً، إلى جانب تأخر تطور السوق المالي الداخلي. كما أن المؤسسات غير المالية اليابانية لم تمتلك القدرة الكافية على المنافسة الدولية، فضلاً عن محدودية الشركات متعددة الجنسيات ذات النفوذ العالمي.
ويُعد السبب الأعمق للفشل هو العجز عن ترسيخ استخدام الين في تسويات التجارة الدولية، إضافة إلى رفع القيود عن حساب رأس المال بشكل متسارع قبل استكمال الإصلاحات المالية الداخلية، ما أدى إلى توسع مفرط في الإقراض وأسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية عام 1990، وما تبعها من ضعف طويل الأمد في النمو.
المكانة المحدودة للين في تسويات التجارة الدولية
برزت أولى التحديات أمام تدويل الين في ثمانينيات القرن الماضي من خلال محدودية استخدامه في التجارة الخارجية، ورغم الجهود المبذولة لتعزيز التسويات بالين خصوصاً بعد أزمتي النفط فإن النتائج بقيت دون الطموحات.
ففي عام 1980، بلغ استخدام الين نحو 31 % في الصادرات و4 % فقط في الواردات، وهي نسب متدنية مقارنة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا. وحتى عام 1989، ارتفعت النسب إلى 37 % و15 % على التوالي، لكنها ظلت محدودة ولم تشهد تحسناً جوهرياً لاحقاً.
تفسيرات ظاهرية لا تعكس
جوهر المشكلة
تدور في الأدبيات الاقتصادية رؤيتان لتفسير هذا الضعف. يرى الأولى أن اعتماد اليابان على التصدير أضعف قدرتها التفاوضية، غير أن المؤشرات الاقتصادية تُظهر تقاربها مع الولايات المتحدة وانخفاضها مقارنة بألمانيا، ما يضعف هذا الطرح.
أما الرأي الثاني، فيربط المشكلة بطبيعة الهيكل التجاري الياباني، حيث تتركز الصادرات في السلع الوسيطة والأسواق المتقدمة، ما يعزز هيمنة العملات القوية ويحد من دور الين. ورغم أن هذا التفسير يبدو أكثر إقناعاً، فإنه لا يصل إلى جذور المشكلة.
السبب البنيوي
يكمن التفسير الأعمق في طبيعة الاقتصاد الياباني نفسه، الذي اتسم بما يُعرف بـ«الاقتصاد المزدوج». فمن جهة، تهيمن مجموعة محدودة جداً من الشركات الكبرى المدعومة اقتصادياً ومالياً وسياسياً، ومن جهة أخرى، تعاني الغالبية من الشركات الصغيرة والمتوسطة من قيود تحد من قدرتها على التوسع والمنافسة الدولية.
وقد أدى هذا الخلل البنيوي إلى إضعاف انتشار الين عالمياً، إذ ظلت قاعدة الشركات القادرة على فرض استخدامه محدودة، ما أعاق تحوله إلى عملة دولية مؤثرة.