صيف الأسواق يحمل مخاطر وتقلبات متزايدة
تدخل الأسواق المالية العالمية موسم الصيف وسط مؤشرات متزايدة على ارتفاع احتمالات التقلبات، في ظل تراجع السيولة الموسمية، وغموض مسار السياسة النقدية الأميركية، واستمرار التوترات الجيوسياسية، إلى جانب ترقب نتائج الشركات للربع الثاني، وهي عوامل يرى محللون أنها قد تجعل الأشهر المقبلة أكثر حساسية للمستثمرين.
وتتميز أشهر الصيف عادة بانخفاض أحجام التداول مع توجه العديد من كبار المستثمرين ومديري المحافظ إلى الإجازات، ما يقلل السيولة في الأسواق ويزيد من حدة تحركات الأسعار. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الأسهم والسندات والعملات أكثر عرضة لتقلبات كبيرة حتى في حال غياب أخبار جوهرية، نتيجة اتساع الفجوات بين أوامر البيع والشراء.
وتشير تجربة صيف 2024 إلى حجم المخاطر المحتملة، بعدما أدى صدور بيانات تضخم أميركية أقل من التوقعات إلى تحركات حادة شملت هبوط الدولار، وارتفاع الين الياباني، وتراجع أسهم التكنولوجيا، قبل أن تمتد الاضطرابات إلى الأسواق العالمية مع هبوط الأسهم اليابانية بنحو 12 % في جلسة واحدة.
ويرى بنك «باركليز» أن الأسواق تتجه إلى ما وصفه بـ«فترة صيفية محفوفة بالمخاطر»، في ظل وجود عوامل متعارضة تحت سطح المؤشرات الرئيسية، رغم الهدوء الظاهر الذي تشهده الأسواق حالياً.
غموض الفيدرالي
ويأتي مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مقدمة مصادر القلق لدى المستثمرين، مع أولى خطوات رئيسه الجديد كيفن وارش، الذي يتبنى نهجاً أكثر تحفظاً في التواصل مع الأسواق مقارنة بسلفه، ما حد من وضوح توقعات المستثمرين بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
ويقول محللون إن هذا الأسلوب قد يكون مناسباً من منظور استقلالية البنك المركزي، إلا أنه يزيد من حالة عدم اليقين في مرحلة تشهد ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد العالمي، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات في الشرق الأوسط.
وأدى هذا الغموض إلى زيادة حساسية الأسواق تجاه أي بيانات اقتصادية أو تصريحات رسمية، فيما تتوقع شركة «ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت» أن يصبح تفسير توجهات الاحتياطي الفيدرالي أكثر صعوبة خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد ينعكس في صورة تقلبات أكبر في الأسواق المالية.
الين تحت المراقبة
ويبرز الين الياباني كأحد أهم مصادر المخاطر المحتملة، بعدما تراجع إلى أضعف مستوياته أمام الدولار منذ أربعة عقود، متجاوزاً مستوى 162 يناً للدولار.
ويترقب المستثمرون احتمال تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة، وهو تدخل قد يتطلب بيع جزء من حيازاتها من السندات الأميركية، بما قد يترك آثاراً على أسواق الدين العالمية.
كما يثير ضعف الين مخاوف مرتبطة بصفقات «الكاري تريد»، التي تعتمد على الاقتراض بالين منخفض الفائدة للاستثمار في أصول ذات عائد أعلى. وأي ارتفاع مفاجئ في العملة اليابانية قد يدفع المستثمرين إلى إغلاق هذه المراكز بسرعة، ما يزيد من حدة التقلبات في الأسواق العالمية.
رهانات تتغير
وتشهد الأسواق أيضاً تراجعاً في عدد من القناعات الاستثمارية التي سيطرت على تعاملات بداية العام، بعدما فقدت بعض الأصول زخمها بصورة مفاجئة.
فعلى الرغم من التحذيرات المتكررة بشأن نقص الإمدادات، تراجعت أسعار النفط بصورة غير متوقعة، بينما سجل الذهب أسوأ أداء شهري له منذ عام 2008، بخسائر تجاوزت 11 %.
وفي الوقت نفسه، تعرضت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى لضغوط قوية، إذ تشير تقديرات بنك «باركليز» إلى أن شركات أبل ومايكروسوفت وإنفيديا وأمازون وميتا وألفابت فقدت مجتمعة نحو تريليوني دولار من قيمتها السوقية منذ أكتوبر الماضي، رغم استمرار الزخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن هذه التحركات تعكس إعادة تقييم واسعة للأصول، مع تراجع ثقة المستثمرين في بعض الرهانات التي هيمنت على الأسواق خلال العام الماضي.
نتائج الشركات
ويترقب المستثمرون أيضاً انطلاق موسم إعلان نتائج أعمال الشركات للربع الثاني، باعتباره أحد أهم الاختبارات للأسواق خلال الصيف.
وستحدد النتائج ما إذا كانت تقييمات الأسهم الحالية تعكس بالفعل قوة الأرباح، أم أن الأسواق سبقت الأداء الحقيقي للشركات، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا الذي قاد مكاسب البورصات العالمية خلال السنوات الأخيرة.
ويعتقد خبراء أن أي مفاجآت سلبية في النتائج قد تؤدي إلى موجة جديدة من إعادة تسعير الأسهم، بينما قد تمنح النتائج القوية دعماً للأسواق رغم الضغوط الاقتصادية.
تنويع المخاطر
في ظل هذا المشهد، يرى مديرو الأصول أن المرحلة الحالية تتطلب قدراً أكبر من الحذر وإدارة المخاطر، مع التركيز على تنويع المحافظ الاستثمارية وعدم الاعتماد على قطاع أو أصل واحد.
ويؤكد خبراء أن الجمع بين الغموض بشأن السياسة النقدية، والتوترات الجيوسياسية، وتراجع السيولة الموسمية، وارتفاع استخدام الرافعة المالية، يزيد احتمالات التقلبات المفاجئة في الأسواق خلال الأسابيع المقبلة.
وفي هذا السياق، ينصح فنسنت مورتييه، من شركة «أموندي»، بتوزيع الاستثمارات على أصول وأسواق متعددة لتقليل المخاطر، معتبراً أن التنويع يظل أفضل وسيلة لعبور فترة قد تشهد تغيرات سريعة في اتجاهات الأسواق. فمع تراجع اليقين الاقتصادي وتبدل القناعات الاستثمارية، يبدو أن صيف 2026 قد يكون اختباراً جديداً لقدرة المستثمرين على إدارة المخاطر بقدر ما هو اختبار لقدرة الأسواق على الحفاظ على استقرارها.