ضعف الدولار يدف الذهب لقمة جديدة
واصل الذهب موجته الصعودية القوية خلال تعاملات الاثنين، مسجلاً أعلى مستوياته في أكثر من ثلاثة أشهر، بعدما اجتمعت عدة عوامل لدعم المعدن النفيس، في مقدمتها ضعف الدولار والاضطرابات التي شهدتها سوق السندات الأميركية، إلى جانب تصاعد المخاطر الجيوسياسية وترقب المستثمرين بيانات مهمة قد ترسم مسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.9 % إلى 4643.63 دولار للأوقية بحلول الساعة 06:44 بتوقيت غرينتش، وهو أعلى مستوى للمعدن الأصفر منذ منتصف مايو، بعدما حقق مكاسب تجاوزت 5 % خلال الأسبوع الماضي. كما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.4 % إلى 4699.10 دولار، ما يعكس استمرار شهية المستثمرين للمعدن رغم الارتفاعات القوية الأخيرة.
دعم الدولار
جاء أحد أهم محركات صعود الذهب من سوق العملات، حيث حام الدولار قرب أدنى مستوياته في عدة أشهر، وسط اضطرابات أعقبت تعهد وزارة الخزانة الأميركية بزيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
ويصب انخفاض العملة الأميركية عادة في مصلحة الذهب، إذ يجعل المعدن المسعر بالدولار أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، وهو ما يمكن أن يعزز الطلب العالمي عليه. ومع استمرار الضغوط على الدولار، وجد الذهب دعماً إضافياً مكّنه من الحفاظ على جانب كبير من مكاسبه الأسبوعية والتقدم إلى قمة جديدة.
لكن أداء الدولار ليس العامل الوحيد الذي يراقبه المستثمرون، إذ تحولت الأنظار إلى سوق السندات الأميركية التي شهدت تطورات مهمة خلال الفترة الماضية. وأصبحت تحركات العوائد ومدى قدرة وزارة الخزانة على تهدئة أسواق الدين جزءاً رئيسياً من حسابات المستثمرين عند تقييم آفاق الذهب.
وفي الوقت نفسه، يترقب المتعاملون صدور مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي لشهر يوليو، وهو أحد مقاييس التضخم التي تحظى باهتمام كبير لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وقد تحدد البيانات ما إذا كانت الضغوط السعرية تسمح للبنك المركزي بتبني سياسة نقدية أكثر مرونة، أم أن التضخم سيبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
اختبار الفائدة
ويمثل خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش خلال ندوة جاكسون هول محطة أخرى مهمة للأسواق هذا الأسبوع، إذ يبحث المستثمرون عن أي إشارات جديدة بشأن اتجاه السياسة النقدية، خصوصاً في ظل التطورات الأخيرة في سوق السندات.
وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق لدى «كيه.سي.إم تريد»، إن المتعاملين سيترقبون أي تغير في اللهجة المتعلقة بالسياسة النقدية ومدى توافقها مع ما شهدته أسواق السندات أخيراً، معتبراً أن تبني لهجة متوازنة أو حذرة يمكن أن يبقي الباب مفتوحاً أمام الذهب لتحقيق المزيد من المكاسب.
وتكتسب توقعات الفائدة أهمية خاصة بالنسبة للمعدن الأصفر لأنه لا يمنح حائزه عائداً دورياً. ولذلك، فإن انخفاض أسعار الفائدة أو توقع الأسواق تراجعها يقلل جاذبية الأصول المدرة للعائد مثل السندات مقارنة بالذهب، بينما يمكن أن يؤدي تشدد السياسة النقدية إلى زيادة الضغوط عليه.
وبالتالي، قد تحدد بيانات التضخم وخطاب جاكسون هول ما إذا كانت موجة ارتفاع الذهب قادرة على الاستمرار بعد صعود تجاوز 5 % في أسبوع واحد. فأي إشارات إلى سياسة نقدية أقل تشدداً يمكن أن توفر دعماً إضافياً، بينما قد تؤدي مفاجأة تضخمية صعودية أو لهجة أكثر تشدداً إلى عمليات جني أرباح.
ويأتي ذلك بينما تتزامن مخاوف السياسة النقدية مع توترات متزايدة في أسواق الدين، وهو مزيج يدفع بعض المستثمرين إلى البحث عن أدوات تحوط، ما يعزز جاذبية الذهب في المحافظ الاستثمارية.
مخاطر جيوسياسية
إلى جانب العوامل النقدية والمالية، يتلقى الذهب دعماً من استمرار التوترات الجيوسياسية، خصوصاً مع استعداد الولايات المتحدة لتشديد العقوبات الاقتصادية على إيران.
وهددت واشنطن طهران بما وصفته بأنه «أكبر هجوم مالي على الإطلاق»، ضمن إجراءات تستهدف أيضاً شركاء إيران التجاريين. وتضيف هذه التطورات عنصراً جديداً من عدم اليقين للأسواق، في وقت تراجعت فيه أسعار النفط مع اتجاه المستثمرين إلى جني الأرباح قبيل الإعلان الأميركي المتوقع.
وتاريخياً، يستفيد الذهب من ارتفاع مستويات عدم اليقين السياسي والاقتصادي باعتباره أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون في فترات الاضطراب، وبالتالي فإن أي تصعيد إضافي يمكن أن يزيد الطلب على المعدن النفيس بالتوازي مع تأثير ضعف الدولار وتوقعات السياسة النقدية.
وامتدت المكاسب إلى المعادن النفيسة الأخرى، إذ ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 0.1 % إلى 69.03 دولار للأوقية، بينما صعد البلاتين 0.5 % إلى 1887.28 دولار، وزاد البلاديوم 0.3 % مسجلاً 1353.34 دولار.
الذهب ينتظر إشارات الأسبوع الحاسمة
يدخل الذهب بقية الأسبوع من موقع قوي بعدما تجاوزت مكاسبه 5 % الأسبوع الماضي وبلغ 4643.63 دولار، لكن قدرته على تسجيل قمم إضافية ستعتمد على اتجاه الدولار والعوائد الأميركية وبيانات التضخم ورسائل الاحتياطي الفيدرالي من جاكسون هول. وفي الوقت نفسه، تمنح التوترات مع إيران المعدن دعماً إضافياً كملاذ آمن. وإذا جاءت بيانات الأسعار مطمئنة وحافظ الفيدرالي على لهجة حذرة، فقد تستمر موجة الصعود، بينما سيعيد أي تحول متشدد في توقعات الفائدة اختبار قدرة الذهب على الاحتفاظ بمكاسبه الأخيرة.