ضعف الوظائف يعيد الذهب إلى واجهة المكاسب
بعد أربعة أسابيع متتالية من التراجع، نجح الذهب في استعادة بريقه مجدداً، مسجلاً أول مكاسب أسبوعية منذ نهاية مايو، في تحول لافت عكس تغيراً واضحاً في نظرة المستثمرين تجاه السياسة النقدية الأميركية. وجاءت هذه المكاسب عقب صدور بيانات التوظيف الأميركية التي جاءت أضعف من التوقعات، الأمر الذي دفع الأسواق إلى إعادة تقييم احتمالات استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة، وأعاد الزخم إلى المعدن النفيس باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات الضبابية الاقتصادية.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية بأكثر من 1 % خلال تعاملات الجمعة ليصل إلى 4179.42 دولاراً للأونصة، وهو أعلى مستوى يسجله منذ 23 يونيو الماضي، بينما صعدت العقود الأميركية الآجلة لتسليم أغسطس بنسبة 1.6 % إلى 4191.90 دولاراً للأونصة. وبذلك يتجه الذهب لتحقيق مكاسب أسبوعية تبلغ نحو 2.2 %، في أول أداء إيجابي له خلال خمسة أسابيع، بعدما تعرض لضغوط قوية بفعل توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة.
ولا تعكس هذه الارتفاعات مجرد استجابة آنية لبيانات اقتصادية، بل تشير إلى تغير تدريجي في مزاج الأسواق العالمية، حيث بدأ المستثمرون ينظرون إلى احتمال اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي، وهو ما انعكس مباشرة على حركة الذهب والدولار وأسواق السندات في آن واحد.
تحول واضح
خلال الأسابيع الماضية، تعرض الذهب لضغوط متواصلة نتيجة ارتفاع العوائد على السندات الأميركية وقوة الدولار، مع اقتناع الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي سيواصل رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم.
لكن بيانات سوق العمل الأخيرة قلبت هذه المعادلة، بعدما أظهرت أن الاقتصاد الأميركي بدأ يفقد جزءاً من زخمه، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على المزيد من التشديد النقدي.
وبمجرد ظهور هذه المؤشرات، عادت السيولة سريعاً إلى الذهب، باعتباره أحد أكثر الأصول استفادة من انخفاض توقعات أسعار الفائدة.
وظائف مخيبة
وجاءت بيانات الوظائف الأميركية أقل بكثير من تقديرات الأسواق، بعدما أضاف الاقتصاد الأميركي 57 ألف وظيفة فقط في القطاعات غير الزراعية خلال يونيو، مقابل توقعات كانت تشير إلى إضافة نحو 110 آلاف وظيفة.
ورغم انخفاض معدل البطالة إلى 4.2 %، فإن ضعف نمو الوظائف اعتبره المستثمرون إشارة واضحة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى التريث في مواصلة رفع أسعار الفائدة.
كما أظهرت بيانات وظائف القطاع الخاص تباطؤاً مماثلاً، ما عزز الاعتقاد بأن سوق العمل الأميركية بدأت تدخل مرحلة أكثر هدوءاً مقارنة بالأشهر الماضية.
ويرى اقتصاديون أن سوق العمل يمثل أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي عند اتخاذ قراراته المتعلقة بأسعار الفائدة، ولذلك جاءت ردود فعل الأسواق سريعة وقوية عقب صدور هذه البيانات.
رهانات جديدة
ومع صدور أرقام التوظيف، بدأت الأسواق بإعادة تسعير توقعاتها للسياسة النقدية الأميركية بصورة واسعة.
وأظهرت بيانات أداة FedWatch التابعة لمجموعة CME تراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر إلى نحو 54 %، بعدما كانت تقارب 66 % قبل صدور البيانات.
ويعكس هذا التراجع تغيراً واضحاً في قناعة المستثمرين، إذ أصبح كثير منهم يعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي قد يفضل الانتظار لمراقبة تطورات الاقتصاد قبل اتخاذ أي خطوات إضافية.
وقال كلفن وونغ، كبير محللي الأسواق لدى «أواندا»، إن الأسواق بدأت تستبعد جزءاً كبيراً من رهانات رفع أسعار الفائدة خلال ما تبقى من العام الجاري، وكذلك خلال الربع الأول من العام المقبل، وهو ما وفر دعماً مباشراً لأسعار الذهب.
وأضاف أن ضعف بيانات سوق العمل كان العامل الرئيسي وراء هذا التحول، مشيراً إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر اقتناعاً بأن دورة التشديد النقدي تقترب من نهايتها.
ضغط الدولار
ومن أبرز العوامل التي دعمت الذهب هذا الأسبوع، تراجع الدولار الأميركي أمام سلة العملات الرئيسية.
ويؤدي انخفاض الدولار عادة إلى زيادة جاذبية الذهب بالنسبة للمستثمرين خارج الولايات المتحدة، لأن المعدن يصبح أقل تكلفة عند شرائه بالعملات الأخرى، وهو ما يزيد الطلب العالمي عليه.
كما انعكس تراجع العملة الأميركية على حركة الصناديق الاستثمارية، التي عادت إلى زيادة مراكزها في الذهب بعد أسابيع من التخارج التدريجي.
ويرى محللون أن العلاقة العكسية بين الذهب والدولار عادت بقوة خلال الأيام الماضية، بعدما تحرك الأصلان في اتجاهين متعاكسين فور صدور البيانات الاقتصادية.
المعادن الأخرى
ولم تكن مكاسب الذهب استثناءً، إذ شهدت بقية المعادن النفيسة أداءً قوياً خلال تعاملات الأسبوع.
فقد ارتفعت الفضة بنسبة 2.9 % لتصل إلى 62.80 دولاراً للأونصة، مسجلة أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوع، فيمـا صعد البلاتين بنسبة 2.8 % إلى 1661.61 دولاراً للأونصة.
كما ارتفع البلاديوم بنسبة 1.1 % إلى 1281.42 دولاراً، لتتجه المعادن الثلاثة إلى إنهاء الأسبوع على مكاسب قوية، مدفوعة بالعوامل نفسها التي دعمت الذهب، وفي مقدمتها تراجع الدولار وانخفاض توقعات رفع أسعار الفائدة.
مكاسب مرشحة
أما بالنسبة لبقية المعادن النفيسة، فيتوقع محللون استمرار الأداء الإيجابي إذا استمرت العوامل الحالية، وفي مقدمتها ضعف الدولار وتراجع العوائد على السندات.
فالفضة قد تستفيد إلى جانب دورها كملاذ آمن من تحسن الطلب الصناعي، في حين يواصل البلاتين والبلاديوم الاستفادة من استخداماتهما في قطاعات الصناعة والسيارات، وهو ما يمنحهما عوامل دعم إضافية إلى جانب العوامل النقدية.
ويرى خبراء أن استمرار الأداء الجماعي للمعادن النفيسة يعكس تغيراً أوسع في توجهات المستثمرين، وليس مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار الذهب وحده.
مسار السياسة النقدية الأميركية لم يعد محسوماً
وتدخل الأسواق العالمية الأسبوع المقبل وهي أكثر اقتناعاً بأن مسار السياسة النقدية الأميركية لم يعد محسوماً كما كان قبل أيام قليلة. فقد أعادت بيانات التوظيف الضعيفة خلط أوراق المستثمرين، ودفعتهم إلى مراجعة توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة، الأمر الذي انعكس مباشرة على الذهب والدولار وعوائد السندات.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً أمام أي تغيير فعلي في سياسة الاحتياطي الفيدرالي، فإن الرسالة التي تلقاها المستثمرون هذا الأسبوع كانت واضحة؛ إذ لم تعد الأسواق تتعامل مع استمرار رفع أسعار الفائدة باعتباره السيناريو الوحيد، بل بدأت تمنح وزناً أكبر لاحتمال التريث إذا استمرت مؤشرات الاقتصاد الأميركي في فقدان الزخم.
وبين ترقب بيانات التضخم المقبلة، ومراقبة تصريحات مسؤولي الفيدرالي، يظل الذهب في موقع المستفيد الأول من أي تراجع إضافي في توقعات التشديد النقدي. وإذا استمرت المؤشرات الاقتصادية في دعم هذا الاتجاه، فقد تكون مكاسب الأسبوع الحالي بداية مرحلة جديدة يستعيد خلالها المعدن الأصفر جزءاً من بريقه، بعد أسابيع من الضغوط التي فرضتها السياسة النقدية الأكثر تشدداً في العالم.