ضعف الوظائف ينقذ وول ستريت من صدمة الفائدة
شهدت الأسهم الأميركية جلسة متباينة في ختام تعاملات الخميس، بعدما تباينت ردود فعل المستثمرين تجاه بيانات الوظائف الأميركية التي جاءت أضعف من المتوقع، وبينما استفاد مؤشر داو جونز من تراجع المخاوف المتعلقة باستمرار التشديد النقدي، تعرض مؤشر ناسداك لضغوط قوية نتيجة عمليات بيع استهدفت أسهم التكنولوجيا وشركات أشباه الموصلات، لتنتهي الجلسة بصورة تعكس حالة الحذر التي تسيطر على الأسواق قبل عطلة عيد الاستقلال الأميركية.
وجاءت تحركات الأسواق في وقت يواصل فيه المستثمرون إعادة تقييم توقعاتهم بشأن السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعدما أظهرت بيانات سوق العمل تباطؤاً أكبر من المتوقع، وهو ما عزز الرهانات على أن البنك المركزي الأميركي قد يتريث في اتخاذ خطوات جديدة لرفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وأنهى مؤشر داو جونز الصناعي الجلسة مرتفعاً بنحو 560 نقطة، أو ما يعادل 1.10%، ليغلق عند 52865 نقطة، محققاً بذلك مكاسبه الأسبوعية الرابعة على التوالي، وهي أطول سلسلة ارتفاعات منذ أكتوبر 2024. وفي المقابل، تراجع مؤشر ناسداك المجمع بنسبة 0.87% فاقداً أكثر من 226 نقطة ليغلق عند 25813 نقطة، بينما استقر مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بالقرب من مستويات الإغلاق السابقة متراجعاً بصورة طفيفة.
جلسة متباينة
عكست حركة المؤشرات الرئيسية اختلاف نظرة المستثمرين إلى القطاعات المختلفة داخل السوق الأميركية. ففي الوقت الذي اتجهت فيه السيولة نحو الأسهم الدفاعية والشركات الصناعية، تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط بيعية واضحة بعد موجة صعود قوية استمرت منذ بداية العام.
ويرى محللون أن الأسواق لم تستقبل بيانات الوظائف بصورة سلبية بالكامل، بل اعتبرتها في جانب منها مؤشراً إيجابياً لأنها تقلل احتمالات استمرار رفع أسعار الفائدة، إلا أن المستثمرين فضلوا في الوقت نفسه جني الأرباح من بعض الأسهم التي سجلت ارتفاعات قياسية خلال الأشهر الماضية.
وكان تقرير الوظائف غير الزراعية العامل الأبرز في تحركات الأسواق، بعدما أظهر إضافة الاقتصاد الأميركي 57 ألف وظيفة فقط خلال يونيو، وهو رقم جاء أقل بكثير من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى نحو 110 آلاف وظيفة.
ورغم أن معدل البطالة بلغ 4.2% وجاء قريباً من التوقعات، فإن تباطؤ وتيرة التوظيف عزز الاعتقاد بأن الاقتصاد الأميركي بدأ يفقد جزءاً من زخمه، وهو ما قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتريث قبل اتخاذ أي قرار جديد بشأن أسعار الفائدة.
ويؤكد اقتصاديون أن بيانات التوظيف تعد من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها البنك المركزي الأميركي عند رسم سياسته النقدية، ولذلك جاءت استجابة الأسواق سريعة بمجرد صدور التقرير.
رهانات الفائدة
أعادت البيانات الاقتصادية الأخيرة تشكيل توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام.
فبعد أن كانت الأسواق تتوقع استمرار التشديد النقدي، بدأت الرهانات تتجه نحو احتمال الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير إذا واصل الاقتصاد الأميركي إظهار مؤشرات تباطؤ خلال الأشهر المقبلة.
ويرى خبراء أن هذا التحول ساهم في دعم أسهم القطاعات التقليدية التي تستفيد من انخفاض تكلفة الاقتراض، في حين لم يكن تأثيره بنفس القوة على شركات التكنولوجيا التي كانت قد سجلت بالفعل مكاسب كبيرة خلال الفترة الماضية.
ضغط التكنولوجيا
كان قطاع التكنولوجيا الخاسر الأكبر خلال الجلسة، بعدما تعرضت أسهم شركات كبرى لعمليات بيع واسعة، انعكست بصورة مباشرة على أداء مؤشر ناسداك.
كما ساهمت عمليات إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية قبل عطلة الأسواق الأميركية في زيادة الضغوط على القطاع، مع انتقال جزء من السيولة نحو قطاعات أقل تقلباً.
الرقائق الإلكترونية
وتصدر قطاع أشباه الموصلات قائمة الخاسرين للجلسة الثانية على التوالي، بعدما تعرضت أسهم شركات الرقائق لموجة بيع قوية.
وقال بروس زارو، المدير الإداري في شركة جرانيت ويلث مانجمنت، إن ما يحدث يعكس بصورة كبيرة عمليات جني أرباح طبيعية بعد الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها أسهم القطاع خلال العام الحالي.
وأضاف أن نشاط صفقات الدمج والاستحواذ داخل صناعة الرقائق الإلكترونية ساهم أيضاً في زيادة التقلبات، مع قيام المستثمرين بإعادة تقييم الأسعار الحالية بعد المكاسب القوية التي تحققت في الأشهر الماضية.
تسلا تتراجع
وكان سهم تسلا من بين الأسهم التي تعرضت لضغوط، رغم إعلان الشركة تحقيق مبيعات فصلية تجاوزت توقعات الأسواق.
ويرى محللون أن تراجع السهم يعود إلى أن المستثمرين كانوا قد رفعوا سعره بصورة كبيرة خلال الأيام السابقة ترقباً لإعلان النتائج، وهو ما دفع كثيرين إلى البيع لجني الأرباح فور صدور البيانات.
كما يؤكد خبراء أن رد فعل السوق لا يرتبط دائماً بالأرقام المعلنة، وإنما بالفجوة بين توقعات المستثمرين والنتائج الفعلية، وهو ما يفسر تراجع السهم رغم قوة المبيعات.
تحول السيولة
وعكست جلسة الخميس تحولاً واضحاً في حركة الأموال داخل السوق الأميركية، إذ اتجه المستثمرون إلى تقليص مراكزهم في أسهم التكنولوجيا التي حققت مكاسب كبيرة خلال الأشهر الماضية، مقابل زيادة الاستثمارات في الأسهم الصناعية والقطاعات الدفاعية.
ويشير خبراء إلى أن هذا التحول لا يعني فقدان الثقة في شركات التكنولوجيا، بل يعكس رغبة المستثمرين في إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية مع تغير توقعات أسعار الفائدة وتراجع المخاطر المرتبطة بالتضخم.
كما ساهم اقتراب عطلة الأسواق الأميركية في زيادة عمليات إعادة التوازن داخل المحافظ الاستثمارية، وهو ما رفع أحجام التداول في بعض القطاعات.
أداء القطاعات
ورغم الضغوط التي تعرض لها قطاع التكنولوجيا، فإن عدداً من القطاعات الأخرى تمكن من تحقيق أداء إيجابي، وفي مقدمتها الأسهم الصناعية والمالية وبعض شركات الطاقة.
ويؤكد محللون أن اختلاف أداء القطاعات يعكس حالة انتقائية باتت تسيطر على المستثمرين، الذين أصبحوا يميزون بصورة أكبر بين الشركات المستفيدة من تباطؤ الفائدة وتلك التي ارتفعت أسعارها إلى مستويات تجعلها أكثر عرضة لعمليات جني الأرباح.
كما أن استقرار مؤشر ستاندرد آند بورز 500 رغم خسائر التكنولوجيا يعكس وجود توازن نسبي داخل السوق، إذ عوضت مكاسب قطاعات أخرى جزءاً من تراجع أسهم التقنية.
رسائل الفيدرالي
وتشير القراءة الأولية لتحركات الأسواق إلى أن المستثمرين باتوا يرون بيانات التوظيف الأخيرة عاملاً يدعم احتمال تريث مجلس الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعاته المقبلة.
ورغم ذلك، يؤكد اقتصاديون أن البنك المركزي الأميركي لن يبني قراراته على تقرير واحد فقط، بل سيواصل مراقبة بيانات التضخم والإنفاق الاستهلاكي وسوق العمل خلال الأشهر المقبلة قبل اتخاذ أي قرار جديد.
ويعني ذلك أن الأسواق ستظل شديدة الحساسية لأي بيانات اقتصادية جديدة، لأن كل تقرير قد يغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة.