ضغط بيعي كاسح يهز «تاسي»
أنهى مؤشر سوق الأسهم السعودية «تاسي» جلسة الاثنين على تراجع ملحوظ، في مشهد عكس حالة من الفتور الاستثماري والرغبة في تسييل المراكز المالية وسط ضغوط بيعية واسعة طالت غالبية الأسهم المدرجة. هذا التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء انعكاساً لحالة من الحذر والترقب سيطرت على تعاملات المستثمرين، بالتزامن مع استمرار التذبذب في أسواق النفط والأسواق العالمية التي تعاني من ضبابية المشهد الجيوسياسي والاقتصادي.
وسجل المؤشر العام انخفاضاً بنسبة 0.85 %، فاقداً 97.75 نقطة ليغلق عند مستوى 11,366.79 نقطة، وهو أدنى مستوى بلغه خلال جلسة التداول، مما يعطي إشارة فنية سلبية حول قوة الاتجاه الهابط اللحظي. وجاء هذا الأداء بعد افتتاح المؤشر عند 11,466.5 نقطة، وارتفاعه بشكل محدود جداً إلى أعلى مستوى عند 11,476.16 نقطة، قبل أن يبدأ مسار هبوطي تدريجي وحاد دفعه نحو الإغلاق في المنطقة الدنيا، في إشارة صريحة إلى غلبة كفة البائعين وسيطرتهم الكاملة على مجريات التداول خلال النصف الثاني من الجلسة.
تحليل الاتجاه العام
وحالة عدم اليقين
يعكس هذا المسار المتقلب حالة من عدم اليقين العميقة لدى المؤسسات والأفراد على حد سواء؛ حيث لم يتمكن السوق من الحفاظ على مكاسبه الصباحية الهشة، في ظل تزايد وتيرة البيع على الأسهم القيادية والمتوسطة. هذا السلوك يشير إلى أن المستثمرين يفضلون حالياً الاحتفاظ بالسيولة أو إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية، بانتظار محفزات قوية تدعم استمرار الاتجاه الصاعد، بعيداً عن التذبذبات اللحظية المرتبطة بأسعار الطاقة والمؤشرات العالمية التي فقدت بوصلتها مؤخراً.
وشهدت الجلسة اتساعاً مقلقاً في نطاق التراجع السعري، حيث انخفضت أسعار 226 شركة مدرجة، مقابل ارتفاع 33 شركة فقط، بينما استقرت 10 شركات دون تغيير، ويؤكد هذا التوزيع الإحصائي هيمنة الاتجاه التشاؤمي على مجريات التداول، مع ضعف واضح في الطلب الاستثماري القادر على امتصاص المعروض الضخم من الأسهم، وعلى الرغم من تراجع المؤشر، سجلت قيم التداول نحو 5.1 مليار ريال عبر تداول 258.03 مليون سهم، مما يعني أن السيولة لا تزال نشطة، ولكنها سيولة «خارجة» تبحث عن الأمان، وليس سيولة «داخلة» تبحث عن الفرص، وهو ما ضغط بعنف على مستويات الدعم الفنية.
الأداء القطاعي.. «السلع الكمالية» تغرد وحيدة خارج السرب
على مستوى القطاعات، اكتست شاشات التداول باللون الأحمر القاني، حيث ساد التراجع الشامل على الأداء القطاعي، مع استثناء وحيد لقطاع تجزئة وتوزيع السلع الكمالية الذي ارتفع بنسبة 0.6 %. هذا الارتفاع كان مدعوماً بعمليات شراء انتقائية ومركزة على بعض الأسهم التي تمتلك محفزات تشغيلية مرتبطة بنمو الإنفاق الاستهلاكي المحلي، مما جعلها ملاذاً آمناً مؤقتاً للمضاربين والمستثمرين.
في المقابل، برزت الضغوط في القطاعات الحيوية وفقاً للتسلسل التالي:
● قطاع الإعلام والترفيه: تصدر قائمة الخسائر بتراجع حـاد بلـغ 3.2 %، متأثراً بعمليات تسييل واسعة على أسهمه القيادية.
● قطاع المواد الأساسية: انخفض بنسبة 1.43 %، متأثراً بتذبذب أسعار البتروكيماويات عالمياً والمخاوف من تباطؤ الطلب الصناعي، وهو القطاع الذي يمتلك وزناً نوعياً مؤثراً في حركة «تاسي».
● قطاع الاتصالات والبنوك: تراجعا بنسب 1.02 % و0.89 % على التوالي، حيث خضعت أسهم البنوك لعمليات تصحيح طبيعية بعد المكاسب التي حققتها في الفترات السابقة، بينما تأثر قطاع الاتصالات بعمليات جني أرباح سريعة.
● قطاع الطاقة: كان الأقل تأثراً بتراجع طفيف بنسبة 0.01%، ويعود الفضل في هذا التماسك الاستراتيجي إلى استقرار سهم أرامكو السعودية، الذي لعب دور «صمام الأمان» وحال دون انزلاق المؤشر لمستويات أدنى من 11,300 نقطة.
خارطة الأسهم الفردية..
مكاسب ذكية وتراجعات حادة
رغم القتامة التي غلفت المؤشر، برزت نقاط مضيئة في أداء بعض الأسهم الفردية. تصدر سهم جرير للتسويق المشهد بارتفاعه 3.29% ليصل إلى 15.08 ريال، مسجلاً أعلى مستوى له خلال 52 أسبوعاً. هذا الاختراق السعري يعكس ثقة المستثمرين العالية في نموذج أعمال الشركة وقدرتها على توزيع أرباح مستدامة حتى في ظروف السوق المتقلبة.
كما تفاعل المتداولون إيجاباً مع سهم الشركة المتحدة الدولية القابضة (شري) الذي صعد بنسبة 3.11%، مدفوعاً بخبرين جوهريين: ترسية مشروع مع أمانة منطقة الرياض، وتوصية مجلس الإدارة بتوزيع أرباح نقدية عن عام 2025. وفي ذات السياق، صعد سهم رسن لتقنية المعلومات بنسبة 1.59 % تزامناً مع دعوة الجمعية العمومية، مما يعكس اهتمام المتداولين بالشركات التقنية ذات النمو السريع.
على الجانب الآخر، كانت الضغوط قاسية على سهم رعاية الطبية الذي تراجع بنسبة 4.61 %، وسهم الكـابـلات السعوديـة بنسبـة 4.51 %، فيما تضرر سهم رؤوم التجارية بتراجع 4.09 % بعد إفصاح الشركة عن توصية تحويل الاحتياطي الاختياري لتغطية الخسائر المتراكمة، وهو ما أعطى انطباعاً سلبياً للمستثمرين حول الوضع المالي للشركة.
ديناميكية السيولة
والأسهم القيادية
عند تحليل السيولة، نجد أن التركيز لا يزال منصباً على العمالقة. تصدر مصرف الراجحي قائمة القيم بسيولة تجاوزت 446 مليون ريال، ورغم تراجعه بنسبة 1.20 %، إلا أن هذا النشاط يؤكد مكانته كبوصلة للسوق. وجاءت أرامكو السعودية ثانية بسيولة 289 مليون ريال واستقرار سعري عند 27.2 ريال، وهو استقرار حاسم لمنع الانهيار الفني للمؤشر.
أما من حيث الكميات، فقد شهد سهم أمريكانا للمطاعم حركة مضاربية كثيفة بتداول 47.37 مليون سهم، بينما لفت سهم أنابيب السعودية الأنظار بارتفاعه 1.43 % وسيولة تجاوزت 101 مليون ريال، مدفوعاً بتفاؤل المستثمرين بقطاع الصناعات المرتبطة بمشاريع الطاقة والبنية التحتية العملاقة في المملكة.
السوق الموازي «نمو».. عدوى الحذر تمتد
لم يكن السوق الموازي بمنأى عن هذه الموجة البيعية؛ فقد أغلق مؤشر «نمو حد أعلى» على تراجع بنسبة 0.89 %، فاقداً 205 نقاط ليصل إلى مستوى 22,863.75 نقطة. هذا التناغم في الهبوط بين السوق الرئيسي والموازي يؤكد أن الضغوط ناتجة عن حالة نفسية عامة مسيطرة على المتعاملين،وليست مجرد تحركات فنية معزولة في قطاع معين. فالمستثمر في «نمو» يميل عادة للمخاطرة، ولكن في ظل غياب الرؤية الواضحة، يصبح الانسحاب أو الترقب هو الخيار السائد.
التحليل الفني والآفاق
المستقبلية لعام 2026
تشير القراءة الختامية لحركة السوق إلى أننا نمر بمرحلة «مخاض» وإعادة توازن استراتيجي. تراجع المؤشر دون مستوى 11,400 نقطة يضعه أمام اختبار حقيقي عند مستويات الدعم القادمة. السيولة حالياً تهاجر من الأسهم التي حققت مكاسب سريعة (جني أرباح) نحو الأسهم ذات المحفزات المباشرة أو القطاعات الدفاعية.
العوامل الحاسمة للجلسات المقبلة:
1 – نتائج الشركات السنوية: ستكون الميزانيات العمومية هي الحكم النهائي،حيث سيبحث المستثمرون عن النمو الحقيقي في الأرباح التشغيلية.
2 – أسعار النفط والبيانات العالمية: استمرار تقلبات «برنت» سيظل يلقي بظلاله على قطاع البتروكيماويات والطاقة.
3 – أسعار الفائدة: مع استقرار أو بدء تراجع الفائدة عالمياً، قد يبدأ قطاع البنوك في إعادة تقييم أصوله، مما سيؤثر عـلى حركـة المؤشر العام.