ضغوط الإمدادات تهبط بالنفط رغم التوافق
شهدت أسواق النفط العالمية بداية أسبوع ضاغطة بعدما تراجعت الأسعار بأكثر من 1 % عقب اتفاق تحالف «أوبك+» على رفع أهداف الإنتاج اعتباراً من أغسطس، في خطوة تعكس استمرار سياسة التحالف الرامية إلى استعادة الحصص الإنتاجية تدريجياً، لكنها جاءت في توقيت لا تزال فيه الأسواق تواجه وفرة في الإمدادات وضعفاً نسبياً في الطلب العالمي، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت إلى 71.10 دولاراً للبرميل، فيما هبط خام غرب تكساس الوسيط إلى 67.89 دولاراً، مع تزايد المخاوف من أن تؤدي زيادة الإنتاج إلى تعميق الفائض في السوق، خاصة مع عودة جزء كبير من الصادرات الخليجية إلى التدفق عبر مضيق هرمز بعد انحسار الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الماضية. كما ساهمت عمليات جني الأرباح وارتفاع توقعات المعروض في تعزيز الضغوط البيعية، في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات اقتصادية جديدة قد تحدد اتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة.
قرار الإنتاج
وجاء قرار «أوبك+» برفع أهداف الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من أغسطس، امتداداً لزيادات مماثلة أُقرت خلال شهري يونيو ويوليو، في إطار خطة تدريجية لإعادة كميات كانت خاضعة للتخفيضات الطوعية. ورغم أن الزيادة المعلنة تبدو محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك العالمي، فإنها حملت رسالة واضحة للأسواق بأن كبار المنتجين مستعدون لتعزيز الإمدادات متى ما سمحت ظروف السوق بذلك.
إلا أن أثر هذه الزيادة يبقى مرتبطاً بقدرة الدول المنتجة على ضخ الكميات المستهدفة فعلياً. فقد أدت التطورات الأمنية الأخيرة المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى تعطيل جزء من حركة صادرات النفط عبر مضيق هرمز خلال الفترة الماضية، وهو ما حد من قدرة بعض المنتجين الرئيسيين، مثل السعودية والكويت والعراق، على الوصول إلى مستويات الإنتاج المخطط لها، الأمر الذي جعل جزءاً من الزيادات السابقة يبقى نظرياً أكثر منه فعلياً. ويرى محللون أن قدرة التحالف على تنفيذ زيادات الإنتاج بالكامل ستظل مرتبطة باستقرار الأوضاع الجيوسياسية وسلاسة حركة النقل البحري، باعتبارها عاملاً أساسياً في وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية.
طلب عالمي
وفي المقابل، لا تبدو مؤشرات الطلب العالمي قادرة على استيعاب هذه الزيادات بسهولة، إذ لا تزال العديد من المصافي ومجمعات البتروكيماويات حول العالم تعمل بأقل من طاقتها الكاملة، بينما تواصل الدول المستهلكة اتباع سياسة حذرة في إدارة احتياطياتها الاستراتيجية.
ويرى خبراء في قطاع الطاقة أن معظم الدول المستوردة تفضل حالياً تأجيل عمليات شراء كميات كبيرة من الخام، انتظاراً لاحتمال انخفاض الأسعار بصورة أكبر خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يقلل من وتيرة الطلب الفوري ويزيد الضغوط على السوق. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة في عدد من الاقتصادات الكبرى، وتباطؤ النشاط الصناعي، أسهما في الحد من نمو استهلاك الطاقة، في وقت تفضل فيه الشركات تقليص المخزونات بدلاً من تكوين احتياطيات جديدة.
ويبرز الاقتصاد الصيني بوصفه أحد أهم العوامل المؤثرة في مسار الطلب العالمي على النفط خلال العام الجاري. فالصين، التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم، تواجه تباطؤاً في الطلب على المنتجات الصناعية، إلى جانب استمرار السحب من المخزونات النفطية الاستراتيجية، فضلاً عن التوسع المتسارع في استخدام السيارات الكهربائية ووسائل النقل منخفضة الانبعاثات، وهي عوامل تقلص تدريجياً معدلات استهلاك الوقود التقليدي.
منافسة الإمدادات
ومن جهة العرض، لا تقتصر الضغوط على إنتاج «أوبك+» وحده، بل تمتد إلى المنتجين خارج التحالف. فقد باعت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» نحو 16 مليون برميل من الخام الإماراتي بخصومات أكبر ضمن أحدث عطاءات البيع الفوري، في مؤشر على تصاعد المنافسة بين المنتجين لتسويق الإمدادات المتزايدة.
كما سجلت صادرات النفط من الموانئ الغربية الروسية مستويات قياسية خلال يونيو، مع توقعات باستمرار هذه الوتيرة خلال يوليو، بعدما دفعت الأضرار التي لحقت بعدد من المصافي الروسية نتيجة الهجمات الأوكرانية موسكو إلى تــوجيه كميات أكبر من الخام نحو الأسواق الخارجية بدلاً من تكريرها محلياً.
وتشير هذه التطورات إلى أن المنتجين باتوا يتنافسون بصورة أكبر على الأسواق الآسيوية والأوروبية، عبر تقديم خصومات سعرية وتحسين شروط التوريد، في ظل سعي كل دولة للحفاظ على حصتها السوقية، وهو ما يزيد من الضغوط على الأسعار ويجعل تعافيها أكثر صعوبة في المدى القريب.
فرص ارتفاع الأسعار
على المدى القريب
وتعني هذه التطورات أن السوق تواجه في الوقت الراهن زيادة في المعروض من أكثر من مصدر، سواء من دول «أوبك+» أو من روسيا والإمارات، وهو ما يزيد المنافسة على الحصص السوقية ويحد من فرص ارتفاع الأسعار على المدى القريب.
ويرى محللون أن استمرار هذا المشهد قد يبقي أسعار النفط ضمن نطاقات منخفضة نسبياً خلال الأشهر المقبلة، ما لم يظهر تحسن ملموس في الطلب العالمي أو تتعرض الإمدادات لأي اضطرابات جديدة. وفي المقابل، قد يسهم انخفاض الأسعار في تحفيز الاستهلاك تدريجياً، خاصة لدى الاقتصادات المستوردة التي تستفيد من انخفاض تكلفة الطاقة، الأمر الذي قد يعيد شيئاً من التوازن إلى السوق على المدى المتوسط.
كما تبقى التطورات الجيوسياسية عاملاً لا يمكن تجاهله، إذ إن أي اضطرابات جديدة في الممرات البحرية أو منشآت الإنتاج قد تغير المعادلة سريعاً وتدفع الأسعار إلى الارتفاع، بينما يؤدي استمرار الاستقرار الحالي إلى ترسيخ توقعات بوفرة الإمدادات واستمرار الضغوط السعرية.
وبين وفرة المعروض، وضعف الطلب، والتغيرات الجيوسياسية المستمرة، تدخل سوق النفط مرحلة جديدة تتسم بحساسية عالية تجاه أي تطورات اقتصادية أو سياسية. وبينما يواصل تحالف «أوبك+» تنفيذ سياسة إعادة الإمدادات تدريجياً، تبقى قدرة السوق على استيعاب هذه الكميات العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار خلال النصف الثاني من عام 2026، في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب مؤشرات الاقتصاد العالمي، ومستويات الاستهلاك، وتحركات كبار المنتجين، باعتبارها مفاتيح رسم خريطة سوق الطاقة في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت الأسعار ستستقر قرب مستوياتها الحالية أو تشهد موجة صعود جديدة مدفوعة بعوامل غير متوقعة.