طفرة الذكاء الاصطناعي تواجه اختبار الأسواق
رغم أن النصف الأول من عام 2026 انتهى على وقع مكاسب قوية في أسواق الأسهم العالمية، فإن الصورة التي تعكسها المؤشرات الرئيسة قد لا تروي القصة كاملة. فخلف الأداء الإيجابي الذي حققته البورصات، تتشكل تحولات استثمارية عميقة قد تعيد رسم خريطة الأسواق خلال السنوات المقبلة، مع تزايد التساؤلات حول مستقبل الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ومدى واقعية التقييمات التي وصلت إليها شركات التكنولوجيا الكبرى.
وخلال الأشهر الماضية، أثبتت الأسواق مرة أخرى قدرتها على تجاوز الأحداث الجيوسياسية بسرعة لافتة. فالتوترات العسكرية في الشرق الأوسط، والجدل السياسي حول عدد من الملفات الدولية، لم تنجح في إحداث اضطرابات طويلة الأمد داخل الأسواق المالية، التي واصلت تسجيل مستويات مرتفعة مدفوعة بأداء شركات التكنولوجيا العملاقة.
لكن هذا الهدوء الظاهر يخفي، وفق محللين، تغيرات أكثر أهمية من مجرد ارتفاع المؤشرات، إذ بدأت الأموال تتحرك بين القطاعات والأسواق بصورة تختلف عما شهدته السنوات الماضية، بينما تتزايد التحذيرات من أن الموجة الأولى للذكاء الاصطناعي ربما وصلت إلى مرحلة المبالغة في التقييمات.
تحولات خفية
يرى مراقبون أن الأسواق تمر حالياً بمرحلة إعادة تموضع استثماري، حيث بدأت الأموال تنتقل تدريجياً من بعض القطاعات التي قادت موجة الصعود السابقة إلى قطاعات جديدة يُعتقد أنها ستكون أكثر استفادة في المرحلة المقبلة.
ويشير محللون إلى أن هذه التحولات تشبه حركة الصفائح التكتونية، إذ تبدو المؤشرات مستقرة على السطح، بينما تتغير البنية الداخلية للأسواق بصورة تدريجية.
ويتمثل أحد أبرز هذه التحولات في تراجع الاعتماد المطلق على شركات التكنولوجيا العملاقة باعتبارها المحرك الوحيد للأسواق، مقابل صعود قطاعات جديدة ترتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل أشباه الموصلات، والحوسبة المتقدمة، ومراكز البيانات.
كما بدأ المستثمرون ينظرون بصورة أكبر إلى الشركات القادرة على تحقيق عوائد فعلية من استخدام الذكاء الاصطناعي، بدلاً من التركيز على الشركات التي تنفق مليارات الدولارات لتطويره فقط.
مخاوف الفقاعة
تتصاعد خلال الأشهر الأخيرة التحذيرات من أن موجة الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي قد تكون دفعت تقييمات عدد من الشركات إلى مستويات يصعب تبريرها بالأساسيات الاقتصادية.
ويرى عدد من المؤسسات المالية أن المستثمرين أصبحوا يراهنون بصورة مبالغ فيها على النمو المستقبلي للأرباح، وهو ما يرفع الأسعار إلى مستويات قد لا تعكس الأداء الحقيقي للشركات.
وتزداد هذه المخاوف مع استمرار ارتفاع مضاعفات الربحية في بعض شركات التكنولوجيا إلى مستويات تاريخية، رغم عدم تحقق الإيرادات المتوقعة حتى الآن.
ويؤكد مختصون أن الفقاعات الاستثمارية غالباً ما تبدأ عندما تتحول التوقعات المستقبلية إلى العامل الوحيد الذي يحدد الأسعار، بينما تتراجع أهمية النتائج المالية الفعلية.
ولهذا السبب، أصبحت تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي محور نقاش واسع داخل المؤسسات الاستثمارية والبنوك المركزية على حد سواء.
إشارات مقلقة
برزت خلال الأسابيع الماضية عدة مؤشرات دفعت الأسواق إلى إعادة النظر في مستويات التفاؤل الحالية.
ففي سوق السندات، أثارت الإصدارات الأخيرة لشركات التكنولوجيا الكبرى نقاشاً واسعاً بشأن استعداد المستثمرين لتمويل مشاريع ضخمة تعتمد على توقعات مستقبلية أكثر من اعتمادها على تدفقات نقدية قائمة.
كما أن بعض مديري الاستثمار وصفوا استعداد الأسواق لضخ مليارات الدولارات في مشاريع ترتبط بالذكاء الاصطناعي بأنه انتقال من مرحلة النمو الصحي إلى مرحلة المبالغة التي قد تحمل سمات الفقاعة.
وفي الوقت نفسه، بدأت مؤسسات دولية، من بينها بنك التسويات الدولية، التحذير من أن الحماس الكبير تجاه الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى مصدر جديد للمخاطر المالية إذا لم تتحقق توقعات الأرباح التي تبني عليها الأسواق تقييماتها الحالية.
ويرى اقتصاديون أن مثل هذه التحذيرات لا تعني بالضرورة قرب حدوث انهيار، لكنها تشير إلى ضرورة التعامل بحذر مع الارتفاعات السريعة التي تشهدها بعض الأسهم.
تبدل البوصلة
في المقابل، بدأت بوصلة الاستثمار تتحول تدريجياً نحو قطاعات وأسواق مختلفة.
فقد حققت أسهم شركات أشباه الموصلات أداءً قوياً خلال العام الحالي، مدفوعة بالطلب المتزايد على الرقائق الإلكترونية المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما برزت أسواق مثل كوريا الجنوبية بين أكبر المستفيدين من هذه الطفرة، بفضل الوزن الكبير لشركات تصنيع الرقائق داخل مؤشراتها الرئيسة.
وفي الوقت نفسه، سجلت الأسواق الناشئة أداءً تجاوز ضعف متوسط أداء الأسهم العالمية، بينما تفوقت الشركات الأميركية الصغيرة على بعض الشركات العملاقة، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا يراهنون على الشركات الأكثر مرونة والأسرع في تبني التقنيات الجديدة.
ويرى خبراء أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً تدريجياً من الاستثمار في مطوري الذكاء الاصطناعي إلى الاستثمار في الشركات التي تستخدمه لتحقيق مكاسب تشغيلية وإنتاجية فعلية.
تغيرات هيكلية كبيرة في طبيعة الأسواق
تشير معظم المؤشرات إلى أن دورة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي شهدتها الأعوام الماضية.
فبعد أن كان المستثمرون يركزون على الشركات التي تضخ أكبر الإنفاق في تطوير النماذج الذكية، أصبح الاهتمام يتجه نحو الشركات القادرة على تحويل هذه التكنولوجيا إلى أرباح مستدامة.
كما بدأت الأسواق تمنح وزناً أكبر للشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، سواء في مجالات الرقائق الإلكترونية، أو الحوسبة السحابية، أو مراكز البيانات، أو الطاقة.
يرى محللون أن هذه المرحلة قد تشهد إعادة توزيع واسعة لرؤوس الأموال، بحيث تنتقل الاستثمارات من الشركات التي قادت الموجة الأولى إلى شركات أخرى ستكون المستفيد الأكبر من مرحلة التطبيق التجاري الواسع للذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، يظل تراجع أسعار النفط وانخفاض احتمالات رفع أسعار الفائدة عاملين داعمين للأسواق، إذ إن ارتفاع تكلفة الأموال غالباً ما يكون العامل الأكثر قدرة على إنهاء الفقاعات الاستثمارية.
ورغم ذلك، فإن كثيراً من الخبراء يرون أن الاستقرار الذي تعكسه المؤشرات الرئيسة لا يعني غياب المخاطر، بل قد يخفي تغيرات هيكلية كبيرة في طبيعة الأسواق ومصادر العوائد المستقبلية. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة انهيار، بقدر ما ستكون مرحلة انتقال من موجة استثمارية إلى أخرى، حيث تتغير أسماء الرابحين، وتتبدل القطاعات القيادية، بينما يبقى الذكاء الاصطناعي محور الاهتمام، ولكن بقواعد استثمارية مختلفة عما عرفته الأسواق خلال السنوات الأخيرة.