عائد السندات يقفز.. هل يتدخل الفيدرالي
لم تعد موجة بيع السندات الأميركية مجرد تحرك مؤقت في الأسواق، بعدما دفعت عوائد الديون طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة وأثارت مخاوف بشأن قدرة السوق على استيعاب الاحتياجات التمويلية الضخمة للحكومة الأميركية، خصوصاً مع تجاوز الدين العام حاجز 40 تريليون دولار.
وبينما بدأت وزارة الخزانة التحرك لتهدئة السوق، تتجه الأنظار إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي لمعرفة ما إذا كان سيضطر إلى التدخل حال تفاقم الاضطرابات. لكن الفارق بين ارتفاع العوائد وحدوث أزمة حقيقية في السيولة يظل حاسماً في تحديد موقف البنك المركزي.
وأعلنت وزارة الخزانة الأسبوع الماضي مضاعفة سقف عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار لكل عملية، مقابل ملياري دولار سابقاً، بعدما بلغت الضغوط البيعية على هذه السندات خلال الشهر الجاري أعلى مستوياتها في عقدين.
وأحدث الإعلان تأثيراً سريعاً في البداية، إذ انخفضت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً، قبل أن تستأنف الصعود وتتداول قرب 5.234 %، في إشارة إلى أن مخاوف المستثمرين تتجاوز مسألة السيولة المؤقتة إلى القلق بشأن حجم الدين والتضخم ومستقبل الاقتراض الحكومي.
ضغط العوائد
يمثل ارتفاع العوائد طويلة الأجل تحدياً يتجاوز سوق السندات، إذ يؤدي إلى زيادة تكلفة التمويل على الحكومة والشركات والأسر، ويرفع معدلات الرهون العقارية وتكلفة الاقتراض والاستثمار، كما يمكن أن يضغط على تقييمات الأسهم.
ويرى كبير محللي الأسهم لدى «مورجان ستانلي» مايكل ويلسون أن أي قفزة جديدة في أسعار النفط يمكن أن تدفع عوائد السندات إلى مستويات أعلى وتزيد احتمالات تدخل الفيدرالي.
لكن ويلسون لا يتوقع تحرك البنك المركزي قبل حدوث مزيد من الاضطرابات، وهو ما يتفق مع الموقف الحذر لمسؤولي الفيدرالي حتى الآن.
ولم يقدم صناع السياسة النقدية إشارات إلى استعدادهم لدخول السوق، فيما أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس ألبرتو موسالم أن قرارات السياسة النقدية تحدد بصورة مستقلة عن إدارة الدين والسياسة المالية.
وهذا الفصل مهم، لأن تدخل الفيدرالي لمجرد خفض تكلفة تمويل الحكومة يمكن أن يثير تساؤلات بشأن استقلاليته، خصوصاً في وقت لا تزال فيه السيطرة على التضخم أولوية أساسية.
شرط السيولة
السؤال الأهم ليس إلى أي مستوى يمكن أن تصل العوائد، وإنما ما إذا كانت سوق سندات الخزانة ستظل تعمل بصورة طبيعية.
ويرى جينادي جولدبيرج من «تي دي سيكيوريتيز» أن الفيدرالي لن يتدخل إلا إذا استمرت عمليات البيع وتدهورت السيولة بصورة حادة. ففي هذه الحالة يمكن أن يبدأ البنك بضخ الأموال عبر عمليات إعادة الشراء «الريبو»، قبل الانتقال إلى شراء السندات طويلة الأجل إذا لم تكن الخطوة الأولى كافية.
ويمتلك الفيدرالي تجربة حديثة في هذا المجال. ففي مارس 2020، أدت الاضطرابات الحادة إلى تدخل واسع لدعم سوق سندات الخزانة، بدأ بضخ السيولة عبر «الريبو»، ثم توسع إلى مشتريات مباشرة من الديون الحكومية.
ووصلت مشتريات البنك الأسبوعية في أواخر مارس 2020 إلى نحو 350 مليار دولار، لكن الظروف الحالية مختلفة جذرياً؛ فالسوق آنذاك كانت تواجه خللاً شديداً في السيولة، بينما ترتبط الضغوط الحالية أساساً بمخاوف المستثمرين من الدين والتضخم.
لذلك، فإن وصول عائد سندات الثلاثين عاماً إلى 5.234 % لا يكفي وحده لإطلاق تدخل مشابه، ما دامت عمليات التداول مستمرة والسوق قادرة على أداء وظائفها.
مأزق وورش
هناك عقبة أخرى أمام أي تدخل واسع تتمثل في ميزانية الفيدرالي نفسه، التي تبلغ نحو 6.74 تريليون دولار، منها قرابة 4.54 تريليون دولار مستثمرة في سندات الخزانة.
وكان رئيس الفيدرالي كيفن وورش قد دعا مراراً إلى تقليص الميزانية العمومية، وهو توجه يصعب التوفيق بينه وبين العودة إلى شراء كميات كبيرة من السندات طويلة الأجل.
وتوقف بالفعل برنامج تقليص الميزانية في ديسمبر، وانتقل البنك إلى إدارة الاحتياطيات من خلال شراء أذون خزانة قصيرة الأجل، ما يعني أن شراء السندات طويلة الأجل سيشكل تحولاً مهماً في السياسة الحالية.
كما يمكن أن يؤدي تدخل واسع إلى خفض العوائد وتخفيف الأوضاع المالية، وهو ما قد يتعارض مع جهود البنك للسيطرة على التضخم إذا ظلت ضغوط الأسعار مرتفعة.
الفيدرالي ينتظر لحظة الخطر الحقيقي
رغم امتلاك الفيدرالي ترسانة من الأدوات لإنقاذ سوق السندات، فإن وصول عائد الثلاثين عاماً إلى 5.234 % لا يعني أن التدخل أصبح وشيكاً. فالخزانة بدأت بالفعل التحرك عبر مضاعفة عمليات إعادة الشراء، بينما ينتظر البنك المركزي ظهور الخطر الحقيقي: انهيار السيولة وتعطل السوق. وحتى يحدث ذلك، ستبقى العوائد المرتفعة مشكلة يتحملها المستثمرون، بينما يحافظ الفيدرالي على أولويته الأساسية المتمثلة في مواجهة التضخم ودعم استقرار الاقتصاد.