عندما تصبح قراءة عقول المستثمرين مفتاحاً لاتخاذ القرار المالي؟
لم تعد الأسواق المالية مجرد مساحة لتحليل الأرباح والقوائم المالية، بل أصبحت ساحة ضخمة تتنافس فيها ملايين العقول، حيث لا يعتمد النجاح فقط على معرفة قيمة الأصل، وإنما على القدرة على توقع ما سيفعله الآخرون.
تماماً كما يحدث في لعبة الدومينو، عندما لا يفكر اللاعب في القطعة التي يملكها فقط، بل يحاول قراءة تحركات منافسيه ومعرفة ما يخفونه، يعمل المستثمرون في الأسواق وفق منطق مشابه. فالقرار الاستثماري لا يتحدد فقط بالسؤال: هل السهم جيد؟ بل أيضاً: ماذا يعتقد الآخرون بشأن هذا السهم؟
ومن هنا ظهرت أهمية نظرية الألعاب، التي أصبحت إحدى الأدوات المستخدمة لفهم التفاعلات الاستراتيجية بين المستثمرين والشركات وحتى الحكومات، لأنها تدرس كيفية اتخاذ القرارات عندما تعتمد النتائج على تصرفات أطراف أخرى.
قراءة سلوك المستثمرين
تقوم نظرية الألعاب على فكرة أن نتيجة أي قرار لا تعتمد على الفعل نفسه فقط، بل على ردود أفعال الآخرين تجاهه.
وفي الأسواق المالية، قد يكتشف المستثمر أن شركة معينة قوية مالياً، لكن إذا كان أغلب المتداولين يتوقعون انخفاض السهم، فقد يتعرض السعر لضغوط مؤقتة رغم قوة الشركة الأساسية.
ولهذا لا يركز المستثمرون المحترفون على البيانات المالية فقط، بل يحاولون فهم توقعات السوق ومزاج المستثمرين واتجاهات الحشود.
وتعود الصياغة الحديثة لنظرية الألعاب إلى عام 1944، عندما نشر عالم الرياضيات جون فون نيومان والاقتصادي أوسكار مورغنسترن كتاب «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي»، الذي قدم إطاراً لتحليل القرارات الاستراتيجية بين اللاعبين.
ومع تطور الاقتصاد السلوكي، توسعت النظرية لتأخذ في الاعتبار أن المستثمرين لا يتصرفون دائماً بعقلانية كاملة، إذ تلعب المخاوف والطمع والثقة المفرطة دوراً مهماً في تحركات الأسواق.
الفقاعات والأزمات
تظهر قوة نظرية الألعاب بشكل واضح خلال الأزمات المالية، عندما تتحول قرارات الأفراد إلى موجات جماعية تؤثر على الأسواق بأكملها.
ومن أبرز الأمثلة عمليات سحب الودائع من البنوك، إذ قد يكون البنك قادراً على الوفاء بالتزاماته، لكن إذا اعتقد العملاء أن الآخرين سيسحبون أموالهم، فإن التصرف الأكثر منطقية لكل فرد يصبح سحب أمواله سريعاً، وهو ما قد يؤدي فعلياً إلى حدوث الأزمة.
وينطبق الأمر ذاته على أسواق الأسهم، حيث يمكن للخوف أو الطمع الجماعي أن يدفع الأسعار بعيداً عن قيمتها الحقيقية.
وكانت فقاعة شركات الإنترنت في نهاية التسعينيات مثالاً واضحاً على ذلك، إذ ارتفعت أسهم شركات كثيرة بسبب اعتقاد المستثمرين بأن الآخرين سيواصلون الشراء، قبل أن تنفجر الفقاعة لاحقاً.
كما ظهر تأثير السلوك الجماعي في أزمة سهم «جيم ستوب» عام 2021، عندما تجمع عدد كبير من المستثمرين الأفراد عبر منصات التواصل الاجتماعي لشراء السهم، ما أدى إلى ارتفاعات حادة وخسائر كبيرة للمستثمرين الذين راهنوا على انخفاضه.
رهانات التوقعات
لا تعتمد الأسواق دائماً على الواقع الحالي، بل كثيراً ما تتحرك بناءً على توقعات المستقبل وتوقعات المستثمرين لبعضهم البعض.
ويظهر ذلك في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث لا يراهن المستثمرون فقط على أداء الشركات الحالي، بل على توقعاتهم بشأن استمرار اهتمام السوق بهذه القطاعات.
فقد يرتفع سهم شركة ما ليس فقط بسبب نمو أرباحها، بل لأن المستثمرين يعتقدون أن الآخرين سيواصلون شراء السهم مستقبلاً.
وفي المقابل، قد تعلن شركة نتائج مالية قوية، لكن سهمها يتراجع إذا كانت التوقعات السابقة للمستثمرين أعلى من النتائج الفعلية.
وهنا يظهر الفرق بين المستثمر العادي والمستثمر الذي يفكر بطريقة استراتيجية، إذ لا يكتفي الأخير بتحليل الشركة، بل يحاول فهم الطريقة التي ينظر بها السوق إليها.
تفكير المستثمرين
يعتمد بعض المستثمرين الناجحين على مفهوم يسمى «التفكير من المستوى الثاني»، والذي يعني التفكير في كيفية تفكير الآخرين.
فبدلاً من السؤال: هل هذه الشركة جيدة؟ يسأل المستثمر: هل يعتقد الجميع أنها جيدة؟ وهل انعكس هذا التفاؤل بالفعل على سعر السهم؟
ويرتبط هذا المفهوم بالمستثمر هوارد ماركس، الذي يرى أن تحقيق النجاح لا يتطلب فقط أن تكون على صواب، بل أن تختلف عن الإجماع عندما يكون الإجماع مخطئاً.
لكن نظرية الألعاب لا تقدم ضماناً للفوز، فالأسواق مليئة بالأحداث غير المتوقعة والمعلومات المفاجئة التي قد تغير الاتجاهات بسرعة.
ومع ذلك، تمنح هذه النظرية المستثمر طريقة مختلفة للنظر إلى السوق، فبدلاً من التعامل معه كآلة تعتمد على الأرقام فقط، يصبح السوق منافسة بين توقعات وقرارات ملايين المشاركين.
وفي النهاية، كما فاز خالد في لعبة الدومينو لأنه قرأ طريقة تفكير منافسيه، فإن المستثمرين الأكثر نجاحاً غالباً لا يكتفون بقراءة الأرقام، بل يحاولون فهم العقول التي تقف خلف حركة الأسعار.