عوائد السندات فوق 5 %.. هل يودّع العالم حقبة «رخص كل شيء»؟
يبدو أن الاقتصاد العالمي يقف اليوم أمام نقطة تحول تاريخية قد تنهي واحدة من أطول الفترات الاقتصادية استقراراً منذ الحرب العالمية الثانية، وهي المرحلة التي اتسمت بانخفاض تكاليف التمويل وتراجع معدلات التضخم وتوافر السلع والخدمات بأسعار منخفضة نسبياً.
فالارتفاع المتكرر في عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل فوق مستوى 5 % أعاد إلى الواجهة تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت الأسواق دخلت بالفعل عصراً جديداً يختلف جذرياً عن البيئة الاقتصادية التي هيمنت على العقود الخمسة الماضية.
ولسنوات طويلة اعتاد المستثمرون والشركات والأسر على عالم يقوم على رأس المال الرخيص والطاقة المنخفضة التكلفة وسلاسل الإمداد العالمية واسعة النطاق، إلا أن هذه المعادلة بدأت تتعرض لاختبارات غير مسبوقة بفعل مجموعة من التحولات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية المتزامنة.
نقطة تحول تاريخية
يمثل تجاوز عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً مستوى 5% إشارة مهمة بالنسبة للأسواق العالمية، ليس فقط لأنه يعكس ارتفاع تكاليف الاقتراض، بل لأنه يعبر أيضاً عن تغير أعمق في نظرة المستثمرين إلى المستقبل الاقتصادي.
فالسندات طويلة الأجل تعد مرآة لتوقعات الأسواق بشأن التضخم والنمو والاستقرار المالي خلال العقود المقبلة، وعندما يطالب المستثمرون بعوائد أعلى فإن ذلك يعني أنهم يتوقعون بيئة أكثر تعقيداً ومخاطر أكبر من تلك التي سادت خلال العقود الماضية.
وقد اعتادت الأسواق منذ ثمانينيات القرن الماضي على اتجاه هبوطي طويل لعوائد السندات، حيث انخفضت من مستويات تجاوزت 15 % في بعض الفترات إلى ما يقارب 1 % خلال جائحة كورونا، وهو تحول وفر دعماً هائلاً للنمو الاقتصادي وأسواق الأسهم والعقارات.
أما اليوم، فإن العودة إلى مستويات تفوق 5 % تعكس احتمال دخول الاقتصاد العالمي مرحلة مختلفة تتسم بارتفاع كلفة الأموال وتراجع وفرة السيولة الرخيصة.
نهاية رأس المال الرخيص
أحد أبرز سمات المرحلة السابقة كان توافر التمويل بأسعار منخفضة للغاية. فقد استفادت الحكومات والشركات والأفراد لعقود من انخفاض أسعار الفائدة وتراجع تكاليف الاقتراض، ما سمح بتمويل الاستثمارات والمشروعات والتوسع الاقتصادي بوتيرة متسارعة.
لكن هذا النموذج يواجه اليوم تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع مستويات الدين العالمي، واتساع العجوزات المالية، وتراجع شهية المستثمرين تجاه بعض أدوات الدين الحكومية.
ويعني ذلك أن الحصول على التمويل في المستقبل قد يصبح أكثر تكلفة، سواء بالنسبة للحكومات أو الشركات أو المستهلكين، وهو ما قد ينعكس على معدلات الاستثمار والنمو الاقتصادي.
العولمة تتراجع
من العوامل الأساسية التي ساعدت في إبقاء الأسعار منخفضة خلال العقود الماضية توسع العولمة ونقل الإنتاج إلى الدول الأقل تكلفة.
فالشركات الغربية استفادت لعقود من العمالة الرخيصة وسلاسل التوريد الممتدة عبر آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، ما أدى إلى خفض تكلفة الإنتاج وتحسين هوامش الأرباح.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً واضحاً في هذا الاتجاه، حيث بدأت العديد من الدول في إعادة النظر في اعتمادها الكبير على سلاسل الإمداد الخارجية.
وتسعى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ودول أخرى إلى إعادة جزء من الصناعات الاستراتيجية إلى الداخل، سواء لأسباب أمنية أو اقتصادية أو جيوسياسية.
ورغم أن هذه الخطوة قد تعزز المرونة الاقتصادية على المدى الطويل، فإنها تعني أيضاً ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار العديد من السلع والخدمات خلال المرحلة الانتقالية.
الطاقة لم تعد رخيصة
تلعب الطاقة دوراً محورياً في هذه التحولات. فالحروب والصراعات الجيوسياسية والتوترات المرتبطة بإمدادات النفط والغاز جعلت أسواق الطاقة أكثر تقلباً وأقل استقراراً مقارنة بالفترات السابقة.
كما أن التحول العالمي نحو مصادر الطاقة النظيفة يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا والشبكات الكهربائية، وهي تكاليف يتحملها الاقتصاد تدريجياً.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن العالم قد يشهد خلال السنوات المقبلة مرحلة تكون فيها الطاقة أكثر تكلفة من المتوسطات التاريخية التي سادت خلال العقود الماضية.
تحولات نقدية عالمية
تشهد المنظومة المالية الدولية أيضاً تغيرات متسارعة مرتبطة بالدور العالمي للدولار.
فبعض الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الصين، تسعى إلى زيادة استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري وتسوية جزء أكبر من تجارة الطاقة بعملات غير الدولار.
ورغم أن الدولار لا يزال يحتفظ بمكانته المهيمنة، فإن هذه التحركات قد تؤثر تدريجياً في تدفقات رؤوس الأموال العالمية وفي أنماط الاستثمار طويلة الأجل.
كما أن المنافسة المتزايدة في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة قد تؤدي إلى انتقال جزء من الاستثمارات العالمية نحو مناطق وأسواق جديدة.
العمالة بين قوتين
أما على صعيد سوق العمل، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً. فمن جهة، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً في الأجور نتيجة نقص العمالة وتزايد الإضرابات العمالية وتحسن القدرة التفاوضية لبعض الفئات المهنية.
كما ساهمت القيود المفروضة على الهجرة في عدد من الدول في تشديد أوضاع سوق العمل ودعم نمو الأجور.
لكن في المقابل، يفرض الذكاء الاصطناعي والأتمتة ضغوطاً معاكسة قد تحد من نمو الأجور مستقبلاً أو تقلص الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية.
وهذا التناقض يجعل من الصعب التنبؤ بالمسار النهائي لتكاليف العمالة خلال السنوات المقبلة.
معركة الإنتاجية
السؤال الأهم حالياً لا يتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية، بل بكيفية توزيع فوائد هذه الزيادة.
فإذا أدت التكنولوجيا الجديدة إلى خلق وظائف جديدة وتحسين إنتاجية مختلف القطاعات ورفع الدخول الحقيقية للأفراد، فقد يسهم ذلك في تخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز النمو.
أما إذا تركزت المكاسب في عدد محدود من الشركات الكبرى مع فقدان أعداد كبيرة من الوظائف، فقد تضطر الحكومات إلى زيادة الإنفاق الاجتماعي والدعم المالي.
وفي هذه الحالة قد ترتفع مستويات الدين العام بصورة أكبر، ما يضيف ضغوطاً جديدة على التضخم وأسواق السندات.
مستقبل الدين الأميركي
يعد الدين الحكومي الأميركي أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
فارتفاع تكاليف الاقتراض يعني زيادة الإنفاق على خدمة الدين، وهو ما قد يضغط على الموازنات العامة ويحد من القدرة على تمويل أولويات أخرى.
وتشير السيناريوهات الاقتصادية المختلفة إلى أن مستقبل الدين الأميركي سيتأثر بشكل كبير بمدى نجاح الاقتصاد في الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي وتحقيق معدلات نمو أعلى.
ففي السيناريو المتفائل قد تؤدي مكاسب الإنتاجية إلى تعزيز الإيرادات وتقليص الضغوط المالية، بينما قد يؤدي السيناريو المتشائم إلى ارتفاع الدين بوتيرة أسرع نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي وتباطؤ النمو.
عالم اقتصادي جديد
ما يتضح بصورة متزايدة هو أن العديد من الافتراضات التي حكمت الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية لم تعد مضمونة كما كانت في السابق.
فالعالم الذي اعتاد على الفائدة المنخفضة والطاقة الرخيصة والعمالة منخفضة التكلفة والعولمة الواسعة النطاق يواجه اليوم مجموعة من التحولات الهيكلية العميقة.
ومع استمرار الحروب والتوترات الجيوسياسية وتغير أنماط التجارة العالمية وصعود الذكاء الاصطناعي، تبدو الأسواق أمام مرحلة جديدة تتسم بتكاليف أعلى ومعدلات تضخم أكثر تقلباً ومخاطر أكبر على المدى الطويل.
ولهذا السبب يرى عدد متزايد من الاقتصاديين أن التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط في إدارة التضخم أو أسعار الفائدة، بل في التكيف مع نهاية نموذج اقتصادي استمر قرابة نصف قرن، والانتقال إلى عالم مختلف لم تتضح ملامحه بالكامل بعد، لكنه يبدو أقل اعتماداً على «رخص كل شيء» وأكثر ارتباطاً بندرة الموارد وارتفاع تكاليف التمويل والطاقة والعمل.