عوائد الـ5 % تعمق خسائر وول ستريت
استمرت موجة البيع في وول ستريت، الثلاثاء، مع اجتماع ثلاثة ضغوط رئيسية على شهية المستثمرين، تمثلت في ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، وتصاعد المخاوف بشأن مسار الدين والعجز، وقفزة أسعار النفط التي أعادت مخاطر التضخم إلى صدارة حسابات الأسواق قبل ساعات من قرار حاسم لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وواصلت المؤشرات الثلاثة الرئيسية للأسهم الأميركية خسائر الاثنين، بعدما طغت موجة العزوف عن المخاطرة على معظم قطاعات السوق، بينما انفرد قطاع الطاقة بالمكاسب مستفيداً من ارتفاع أسعار الخام مع اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط واستهداف بنية تحتية للطاقة في السعودية.
ضغوط متزامنة
وتجد الأسهم الأميركية نفسها أمام بيئة استثمارية أكثر تعقيداً، إذ تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حاجز 5 %، بالتزامن مع صعود أسعار الطاقة وترقب رفع جديد للفائدة، ما يقلص جاذبية الأسهم مقارنة بالسندات ويرفع في الوقت نفسه تكلفة التمويل على الشركات والمستهلكين.
وقال بيتر توز، رئيس «تشيس إنفستمنت كاونسل»، إن ارتفاع أسعار الوقود، وخصوصاً الديزل، إلى جانب توقعات رفع أسعار الفائدة والمخاوف المتعلقة باحتمال تباطؤ منظومة الذكاء الاصطناعي، تقلل دوافع المستثمرين للدخول بقوة إلى السوق قبل اتضاح الصورة.
وتزامنت موجة البيع مع وصول اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي يستمر يومين إلى مرحلته الحاسمة، وسط توقعات قوية بأن يرفع البنك المركزي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، في خطوة ستكون الأولى من نوعها منذ يوليو 2023، بعد عودة الضغوط التضخمية للارتفاع واستمرار قوة سوق العمل.
رهان الفائدة
وتغيرت توقعات السياسة النقدية الأميركية بصورة حادة خلال فترة قصيرة. فبعدما كانت الأسواق تتعامل قبل أسابيع مع سيناريو تثبيت الفائدة، أدت بيانات التضخم الأخيرة وارتفاع أسعار الطاقة إلى إعادة تسعير المسار المتوقع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي»، كانت الأسواق تسعر في نهاية جلسة الثلاثاء احتمالاً يبلغ 94.5 % لرفع الفائدة الأربعاء، مقارنة بـ33.1 % فقط قبل شهر، ما يعكس حجم التحول في توقعات المستثمرين مع عودة التضخم إلى واجهة المخاطر الاقتصادية.
وتشير هذه التحولات إلى أن المستثمرين لا يترقبون قرار الفائدة وحده، وإنما يبحثون أيضاً عن أي مؤشرات تحدد ما إذا كانت الزيادة المحتملة مجرد خطوة منفردة، أم بداية دورة تشديد جديدة. ويكتسب هذا السؤال أهمية مضاعفة للأسهم، لأن استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول يعني ارتفاع معدلات الخصم المستخدمة في تقييم الشركات وزيادة تكلفة الاقتراض.
صدمة النفط
وجاءت القفزة في أسعار الخام لتزيد تعقيد المشهد أمام مجلس الاحتياطي والأسواق. فقد ارتفع الخام الأميركي بنحو 25 % خلال أسبوعين، بينما صعدت عقود خام غرب تكساس الوسيط الأقرب استحقاقاً 4.4 % في تسوية الثلاثاء، وزاد خام برنت 2.9 %، فيما سجلت العقود الآجلة للديزل مستوى قياسياً مرتفعاً عند التسوية.
وترتبط القفزة الأخيرة بتصاعد المخاوف بشأن الإمدادات من الشرق الأوسط، خصوصاً بعد اضطرابات طالت البنية التحتية السعودية، إضافة إلى تعطل إمدادات أخرى في المنطقة. ودفعت هذه التطورات أسعار بعض شحنات النفط الفعلية في أوروبا إلى تجاوز 130 دولاراً للبرميل، مع بحث المشترين عن بدائل للإمدادات الشرق أوسطية.
ويخشى المستثمرون من أن تنتقل الزيادة في تكاليف الخام والديزل إلى أسعار النقل والسلع والخدمات، لتتحول صدمة الطاقة من ارتفاع قطاعي إلى تضخم أوسع نطاقاً، وهو ما قد يجبر مجلس الاحتياطي على إبقاء سياسته النقدية متشددة فترة أطول مما كانت الأسواق تتوقع سابقاً.
عوائد مرتفعة
وفي سوق السندات، شكل تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 % نقطة ضغط إضافية على الأسهم، بعدما وصل العائد خلال الثلاثاء إلى أعلى مستوياته منذ 2007، وسط موجة بيع عالمية للسندات ومخاوف مرتبطة بالتضخم والسياسة النقدية والمسار المالي الأميركي.
وكان العائد القياسي قد اخترق مستوى 5 % بالفعل الاثنين، مدفوعاً بتوقعات بقاء الفائدة مرتفعة، وزيادة إصدارات الديون، بما فيها ديون الشركات التي تمول إنفاقاً قياسياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب القلق بشأن اتساع العجز وارتفاع الدين الأميركي.
ويمثل مستوى 5 % تحدياً مباشراً للأسهم، لأن المستثمر يستطيع الحصول على عائد مرتفع نسبياً من سندات حكومية، ما يزيد المنافسة على رؤوس الأموال. كما تنتقل العوائد المرتفعة إلى الاقتصاد عبر زيادة تكاليف الرهن العقاري وقروض السيارات والائتمان الاستهلاكي وتمويل الشركات والبلديات.
خسائر المؤشرات
وفي نهاية التعاملات، هبط مؤشر داو جونز الصناعي 328.09 نقطة، أو 0.63 %، ليغلق عند 52093.11 نقطة، بينما فقد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 نحو 34.25 نقطة، أو 0.45 %، لينهي الجلسة عند 7585.73 نقطة.
كما تراجع مؤشر ناسداك المجمع 204.84 نقاط، بما يعادل 0.78 %، إلى 25981.57 نقطة، في ظل استمرار الضغوط على قطاعات النمو والتكنولوجيا التي تعد أكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة والعوائد طويلة الأجل.
وكان قطاع السلع الاستهلاكية الكمالية أكبر الخاسرين بالنسبة المئوية بين القطاعات الرئيسية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، بينما خالف قطاع الطاقة الاتجاه العام وارتفع 2.3 %، مستفيداً بصورة مباشرة من صعود أسعار الخام.
قلق التكنولوجيا
وتواجه أسهم التكنولوجيا ضغوطاً مزدوجة، إذ تؤدي زيادة العوائد إلى خفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية للشركات مرتفعة النمو، بينما تتزايد المخاوف في الوقت نفسه بشأن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وقدرة الشركات على تحويل الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية ومراكز البيانات إلى أرباح مستدامة.
كما يزيد ارتفاع الفائدة تكلفة تمويل الشركات التي راهنت بمبالغ كبيرة على طفرة الذكاء الاصطناعي. وتزامن ذلك مع تنامي المخاوف المتعلقة بالتكنولوجيا ومعارضة إنشاء مراكز البيانات، وهي عوامل ضغطت على قطاع أشباه الموصلات الذي كان من أبرز محركات صعود السوق خلال العام. ومع ذلك، أنهى مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنحو 0.4 %.
وتظهر هذه التطورات أن السوق لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره محركاً صعودياً بلا قيود، بل بدأت تضع في حساباتها تكلفة رأس المال والديون والاستثمارات الضخمة المطلوبة لاستمرار التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية التقنية.
تحركات الشركات
وعلى مستوى الأسهم الفردية، هوت أسهم «ديف آند باسترز» بنحو 19 % بعدما جاءت إيرادات الشركة في الربع الثاني دون توقعات السوق، في مثال على الحساسية المتزايدة تجاه النتائج المالية في بيئة تتراجع فيها شهية المخاطرة.
وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت أسهم شركة برمجيات الرعاية الصحية «وايستار» 7.1 % بعدما ذكرت «رويترز» أن الشركة تدرس مجموعة من الخيارات الاستراتيجية، من بينها احتمال بيعها.
وتكشف التحركات الحادة في الأسهم الفردية أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية، إذ لا تمنع الضغوط العامة بعض الشركات من تحقيق مكاسب قوية عند ظهور محفزات خاصة، لكنها في الوقت نفسه تجعل السوق أكثر قسوة تجاه النتائج المخيبة للتوقعات.
ضغوط العملات
وامتدت حالة العزوف عن المخاطرة إلى سوق الأصول الرقمية، حيث تفاقمت خسائر بتكوين بالتزامن مع عدم إحراز مجلس الشيوخ الأميركي تقدماً في تشريع شامل للعملات المشفرة، وهو ما شكل ضربة جديدة لشركات القطاع في ظل بيئة مالية تتجه إلى مزيد من التشدد.
وأغـلـقـت أسهـم «كـوينبيس» منخفضـة 10.1 %، بينما هبطت «ستراتيجي» 5.4 %، ما أظهر حساسية الأصول الرقمية وشركاتها المدرجة لأي مزيج من ارتفاع العوائد وتشديد السيولة وعدم اليقين التنظيمي.
وعكست مؤشرات اتساع السوق قوة موجة البيع، إذ فاق عدد الأسهم المتراجعة نظيرتها الصاعدة بنسبة 2.56 إلى واحد في بورصة نيويورك، وبنسبة 2.33 إلى واحد في ناسداك، فيما بلغ حجم التداول في البورصات الأميركية 15.85 مليار سهم، متجاوزاً متوسط الجلسات العشرين السابقة البالغ 15.14 مليار سهم.