عودة التأميم.. عندما تتقدم الدولة على السوق
لم يعد التأميم مفهوماً مرتبطاً بالاقتصادات المغلقة أو السياسات الاشتراكية، بل عاد بقوة إلى أجندة عدد من أكبر الاقتصادات الرأسمالية في العالم. فبعد عقود من الخصخصة وتقليص دور الدولة، دفعت الأزمات العالمية الحكومات إلى إعادة النظر في حدود تدخلها، بعدما كشفت جائحة كورونا، وأزمة الطاقة الأوروبية، والتوترات الجيوسياسية، هشاشة الاعتماد الكامل على الأسواق العالمية في توفير السلع والصناعات الحيوية.
وجسد القرار البريطاني الأخير بتأميم شركة «بريتيش ستيل» هذا التحول بوضوح، بعدما انتقلت ملكية الشركة من مجموعة «جينغيي» الصينية إلى الحكومة البريطانية. ورغم اعتراض بكين واتهامها لندن بالإضرار بحرية الاستثمار، فإن الحكومة البريطانية أكدت أن القرار جاء لحماية صناعة الصلب الوطنية والحفاظ على آلاف الوظائف، ومنع فقدان آخر منشآت إنتاج الصلب الأولي في البلاد، باعتبارها جزءاً من الأمن الصناعي والدفاعي.
ولا ينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها حالة استثنائية، بل تعبيراً عن تغير أوسع في فلسفة إدارة الاقتصاد، حيث أصبحت الحكومات أكثر استعداداً للتدخل عندما يتعلق الأمر بالقطاعات التي تمس الأمن الاقتصادي أو استمرارية سلاسل الإمداد.
بريطانيا تغير قواعد اللعبة
يكشف ملف «بريتيش ستيل» عن التحول الذي تشهده الاقتصادات المتقدمة في التعامل مع الصناعات الاستراتيجية. فبدلاً من ترك السوق يحدد مصير الشركات، فضلت الحكومة البريطانية تحمل تكاليف مالية كبيرة لضمان استمرار إنتاج الصلب محلياً، بعدما رأت أن الاعتماد الكامل على الاستيراد يشكل مخاطرة استراتيجية، خاصة في ظل الاضطرابات الدولية.
ويعكس القرار اتجاهاً متنامياً يعتبر بعض الصناعات أصولاً وطنية لا يمكن تقييمها بمعايير الربحية فقط، بل بقدرتها على حماية الأمن الصناعي، وتوفير احتياجات البنية التحتية، ودعم الصناعات الدفاعية عند الأزمات.
كما أن هذه الخطوة بعثت برسالة واضحة إلى المستثمرين مفادها أن الحكومات قد تتدخل بصورة مباشرة عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية أصبحت مهددة، حتى لو أدى ذلك إلى إعادة رسم العلاقة التقليدية بين الدولة والقطاع الخاص.
الأمن الاقتصادي أولاً
خلال السنوات الأخيرة توسع مفهوم الأمن الاقتصادي ليشمل حماية الصناعات الحيوية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، بعدما أثبتت الأزمات أن الكفاءة الاقتصادية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار.
فقد كشفت جائحة كورونا صعوبة الحصول على منتجات أساسية في أوقات الطوارئ، بينما أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية حجم الاعتماد الأوروبي على مصادر خارجية للطاقة والمواد الخام، وهو ما دفع الحكومات إلى إعادة تقييم أولوياتها.
وتشير منظمات دولية إلى أن الدول كثفت استخدام السياسات الصناعية، ووسعت الرقابة على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة، كما ارتفع عدد الإجراءات المرتبطة بالأمن الاقتصادي بصورة ملحوظة مقارنة بما كان عليه قبل سنوات قليلة.
ولذلك لم يعد تدخل الحكومات يُنظر إليه باعتباره خروجاً عن اقتصاد السوق، بل وسيلة لحماية القطاعات التي يصعب تعويضها إذا تعرضت للتعطل أو الانتقال إلى الخارج.
الطاقة والصناعة في الواجهة
لم تكن بريطانيا وحدها في هذا الاتجاه، فقد استحوذت فرنسا بالكامل على شركة الكهرباء الوطنية لتعزيز سيطرتها على قطاع الطاقة النووية وضمان تنفيذ خططها الاستراتيجية، بينما أممت ألمانيا شركة «يونيبر» بعد أزمة الغاز الروسي، معتبرة أن انهيارها سيهدد أمن الطاقة في أكبر اقتصاد أوروبي.
وفي الولايات المتحدة، تدخلت الحكومة خلال الأزمة المالية العالمية لإنقاذ شركات كبرى ومؤسسات مالية اعتبرتها «أكبر من أن تفشل»، قبل أن تعيد بيع معظم حصصها لاحقاً. ورغم اختلاف الظروف، فإن هذه التجارب رسخت مبدأ استعداد الدولة للتدخل عندما ترى أن انهيار شركة معينة قد ينعكس على الاقتصاد بأكمله.
كما اتخذ التدخل الحكومي أشكالاً أخرى، مثل دعم الصناعات المتقدمة، وعلى رأسها الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات، في ظل احتدام المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
التأميم الانتقائي
لا يرى خبراء الاقتصاد أن العالم يشهد عودة إلى التأميم الشامل كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، بل إلى ما يمكن وصفه بـ«التأميم الانتقائي»، الذي يقتصر على القطاعات المرتبطة بالأمن الاقتصادي، مثل الطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، والنقل، والبنية التحتية.
وفي المقابل، لا يحظى هذا النهج بإجماع اقتصادي، إذ يرى مؤيدوه أنه يمنح الحكومات القدرة على حماية الصناعات الحيوية خلال الأزمات، بينما يحذر منتقدوه من أن استمرار الملكية الحكومية لفترات طويلة قد يقلل الكفاءة التشغيلية، ويزيد الأعباء على المالية العامة، ويضعف المنافسة.
ويؤكد البنك الدولي أن نجاح الشركات المملوكة للدولة لا يتوقف على طبيعة الملكية بقدر ما يعتمد على جودة الحوكمة، ووضوح الأهداف التجارية، والحد من التدخلات السياسية في الإدارة.
وبينما تتزايد المنافسة الجيوسياسية وتتسابق الدول لحماية صناعاتها الحيوية، يبدو أن دور الحكومات في الاقتصاد يتجه إلى الاتساع مجدداً، ولكن بصورة أكثر انتقائية. فبدلاً من التأميم الشامل، أصبحت الدول تتدخل فقط عندما تعتبر أن الأمن الاقتصادي يتقدم على منطق السوق، وهو توجه مرشح للاستمرار مع تصاعد المنافسة الصناعية والتكنولوجية بين القوى الكبرى.