تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فهم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬والإنفاق

فهم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬والإنفاق

لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬تطرأ‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬وبنى‭ ‬الأسعار‭ ‬والأجور‭ ‬وأساليب‭ ‬التنظيم‭ ‬الصناعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عامل‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات‭ ‬تنشأ‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعل‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المؤثرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والمؤسسية‭. ‬فحالات‭ ‬النمو‭ ‬أو‭ ‬التباطؤ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ليست‭ ‬أحداثاً‭ ‬منفصلة،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬محصلة‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التطورات‭ ‬المتداخلة‭ ‬التي‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬واتجاهاته‭ ‬المستقبلية‭.‬
ويتمتع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭ ‬بقدرة‭ ‬مستمرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬وفق‭ ‬نمط‭ ‬جامد‭ ‬أو‭ ‬آلية‭ ‬ثابتة‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بصورة‭ ‬متكررة،‭ ‬بل‭ ‬يعد‭ ‬منظومة‭ ‬ديناميكية‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬والمتغيرات‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬وتستمد‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬حيويتها‭ ‬من‭ ‬ارتباطها‭ ‬المباشر‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬والظروف‭ ‬البيئية‭ ‬والمتغيرات‭ ‬الدولية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تطور‭ ‬دائم‭ ‬وسعي‭ ‬متواصل‭ ‬لتعزيز‭ ‬النمو‭ ‬وتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬الراهنة‭ ‬واستحقاقات‭ ‬المستقبل‭.‬
وتكشف‭ ‬دراسة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأساسية،‭ ‬مثل‭ ‬الدخل‭ ‬والإنفاق،‭ ‬والإنتاج‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬والعمل‭ ‬والدخل،‭ ‬والاستثمار‭ ‬والادخار،‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬حركة‭ ‬دائرية‭ ‬متشابكة‭ ‬تتفاوت‭ ‬في‭ ‬مدتها‭ ‬الزمنية‭ ‬وتتداخل‭ ‬عناصرها‭ ‬بصورة‭ ‬معقدة‭. ‬وتزداد‭ ‬درجة‭ ‬تعقيد‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعل‭ ‬هذه‭ ‬الدورات‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬يتقاطع‭ ‬بعضها‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬وتتغير‭ ‬باستمرار‭ ‬تبعاً‭ ‬للظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة‭.‬

التحولات‭ ‬الاقتصادية

وتتسم‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الدورات‭ ‬بالاستمرارية‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة،‭ ‬فيما‭ ‬تتزامن‭ ‬دورات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الحدوث‭ ‬والتأثير‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تمثل‭ ‬دورة‭ ‬الدخل‭ ‬والإنفاق‭ ‬سلسلة‭ ‬متتابعة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬لكنها‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كعملية‭ ‬متزامنة‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي،‭ ‬يتساوى‭ ‬إجمالي‭ ‬الدخل‭ ‬مع‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنفاق،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬أحدهما‭ ‬يحدد‭ ‬الآخر‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬إنفاق‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬دخل‭ ‬لفئة‭ ‬أخرى‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭.‬
وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬فبينما‭ ‬تبدو‭ ‬العملية‭ ‬متتابعة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬فإنها‭ ‬تتحقق‭ ‬اجتماعياً‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الخدمات‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬سواء‭ ‬الصحية‭ ‬أو‭ ‬التعليمية‭ ‬أو‭ ‬الترفيهية،‭ ‬يتم‭ ‬إنتاجها‭ ‬واستهلاكها‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬قيمتها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬والإنفاق‭ ‬القوميين‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬ذاتها،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬الترابط‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
تتخذ‭ ‬الحركات‭ ‬الدائرية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة،‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬دوائر‭ ‬مغلقة‭ ‬أو‭ ‬مسارات‭ ‬مستقرة‭ ‬نسبياً،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تموجات‭ ‬تتفاوت‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬واتساعها‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬العمليات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الثابتة‭ ‬وتلك‭ ‬المتحركة؛‭ ‬فالعمليات‭ ‬الثابتة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬ضمن‭ ‬مسارات‭ ‬محددة،‭ ‬بينما‭ ‬تعكس‭ ‬دورات‭ ‬الأعمال‭ ‬والتقلبات‭ ‬الموسمية‭ ‬نماذج‭ ‬متغيرة‭ ‬تتأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬عديدة‭ ‬وتتحرك‭ ‬وفق‭ ‬إيقاعات‭ ‬مختلفة‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تبدو‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬شبكة‭ ‬متداخلة‭ ‬من‭ ‬الحركات‭ ‬المتزامنة‭ ‬التي‭ ‬تشترك‭ ‬فيها‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭.‬
وتمنح‭ ‬نظرية‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لدراسة‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬الدائرية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬إطاراً‭ ‬يوضح‭ ‬كيفية‭ ‬توظيف‭ ‬الثروة‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬مستمرة‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬وإعادة‭ ‬الإنتاج‭. ‬فالدخل‭ ‬المتولد‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والعمل‭ ‬يعود‭ ‬مجدداً‭ ‬ليُستخدم‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج‭ ‬نفسها،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتوسعه‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬القومي‭ ‬يُعاد‭ ‬توجيهه‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬تنمية‭ ‬القدرات‭ ‬البشرية،‭ ‬مثل‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتحسين‭ ‬مستويات‭ ‬الرفاه‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
ولا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬بوصفه‭ ‬استهلاكاً‭ ‬للثروة‭ ‬أو‭ ‬استنزافاً‭ ‬لها،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬استثماراً‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬يحول‭ ‬الموارد‭ ‬المادية‭ ‬إلى‭ ‬طاقات‭ ‬إنتاجية‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬تعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬الأفراد‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬المسارات‭ ‬الأساسية‭ ‬لزيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭.‬
ولا‭ ‬تزال‭ ‬دراسة‭ ‬الحركات‭ ‬الدائرية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬مجالاً‭ ‬غنياً‭ ‬بالمعارف‭ ‬والفرص‭ ‬البحثية،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تفسير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المعقدة‭ ‬وفهم‭ ‬الروابط‭ ‬الخفية‭ ‬بين‭ ‬عناصر‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المختلفة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إزالة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أوجه‭ ‬الغموض‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بالحياة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

الدورات‭ ‬الاقتصادية

لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬خصائصها‭ ‬الفنية‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬الترفيهية‭ ‬يحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬كبير‭ ‬لدى‭ ‬أنصار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر،‭ ‬إذ‭ ‬اعتُبر‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لتدخل‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬التقييمات‭ ‬الفنية‭ ‬أو‭ ‬الأخلاقية‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬كانت‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬تُقاس‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬وفق‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬العائد‭ ‬المالي‭ ‬والأرباح،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬آثارها‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬رفاه‭ ‬المجتمع‭.‬
وانصب‭ ‬اهتمام‭ ‬المدارس‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬الأحجام‭ ‬الكمية‭ ‬للمؤشرات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬مثل‭ ‬الاستثمار‭ ‬والادخار‭ ‬والإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭ ‬والصادرات‭ ‬والواردات‭ ‬ومستويات‭ ‬العمالة‭ ‬والأرباح،‭ ‬مع‭ ‬تركيز‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬قيمتها‭ ‬المالية‭. ‬أما‭ ‬التغيرات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بطبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬وخصائصها‭ ‬النوعية‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الأوسع،‭ ‬فلم‭ ‬تحظ‭ ‬بالاهتمام‭ ‬ذاته‭.‬
ومع‭ ‬اتساع‭ ‬دور‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بدأت‭ ‬الخصائص‭ ‬النوعية‭ ‬للسلع‭ ‬والخدمات‭ ‬والأنشطة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬مشروع‭ ‬وآخر‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الربحية‭ ‬أو‭ ‬العائد‭ ‬المتوقع،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يرتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بمدى‭ ‬مساهمة‭ ‬النشاط‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ودعم‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬وتوفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬وتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬التنمية‭.‬

التمييز‭ ‬النوعي

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬محدودة‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬منخفضة‭ ‬الدخل،‭ ‬حيث‭ ‬تفرض‭ ‬التحديات‭ ‬التنموية‭ ‬ضرورة‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وفق‭ ‬أولويات‭ ‬دقيقة‭ ‬تضمن‭ ‬أفضل‭ ‬استخدام‭ ‬ممكن‭ ‬للإمكانات‭ ‬المتاحة‭. ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬تصبح‭ ‬عملية‭ ‬الاختيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالأهداف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتنموية‭ ‬منها‭ ‬بالاعتبارات‭ ‬الربحية‭ ‬البحتة‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬قد‭ ‬تتساوى‭ ‬استثمارات‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والعائد‭ ‬المتوقع،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭. ‬فالاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬أو‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬النقل‭ ‬قد‭ ‬يحقق‭ ‬نتائج‭ ‬تنموية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الكمالية‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬الأنشطة‭ ‬الأخرى،‭ ‬رغم‭ ‬تشابه‭ ‬معدلات‭ ‬الربح‭ ‬أو‭ ‬الكفاءة‭ ‬الحدية‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬على‭ ‬التشغيل‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬قد‭ ‬تتباين‭ ‬على‭ ‬المديين‭ ‬القصير‭ ‬والطويل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الخصائص‭ ‬النوعية‭ ‬للأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬جدواها‭ ‬الحقيقية‭.‬
يتحدد‭ ‬أثر‭ ‬الواردات‭ ‬في‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭ ‬الحقيقي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬وفق‭ ‬طبيعة‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬المستوردة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ارتباطه‭ ‬بعوامل‭ ‬أخرى‭. ‬فنتائج‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الاستيراد‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬مكونات‭ ‬الواردات‭ ‬نفسها،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬سلعاً‭ ‬استهلاكية‭ ‬كمالية،‭ ‬أو‭ ‬احتياجات‭ ‬أساسية،‭ ‬أو‭ ‬آلات‭ ‬ومعدات‭ ‬إنتاجية،‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬متنوعة،‭ ‬إذ‭ ‬ينعكس‭ ‬كل‭ ‬نوع‭ ‬منها‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬على‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ومستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والدخل‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يدرك‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديث‭ ‬أن‭ ‬توجيه‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لتحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المنشودة،‭ ‬وأن‭ ‬التخطيط‭ ‬المالي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬الإدارة‭ ‬الفنية‭ ‬للموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬والبشرية‭. ‬فالتخطيط‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الطبيعية‭ ‬والفنية‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬التخطيط‭ ‬المالي،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يتفوق‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬لأن‭ ‬نجاح‭ ‬المشروعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يرتبط‭ ‬بمدى‭ ‬توافر‭ ‬المقومات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬اللازمة‭ ‬لها‭ ‬وقدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬استثمارها‭ ‬بكفاءة‭.‬
ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬تخصيص‭ ‬التمويل‭ ‬أو‭ ‬منح‭ ‬القروض‭ ‬وضمان‭ ‬الجدوى‭ ‬الربحية‭ ‬للمشروعات‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬سوى‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭. ‬أما‭ ‬الجوانب‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الكوادر‭ ‬البشرية‭ ‬المؤهلة،‭ ‬وتوفير‭ ‬المعدات‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتخصصة،‭ ‬وتطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للنقل‭ ‬والخدمات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إزالة‭ ‬المعوقات‭ ‬الفنية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬المشروعات‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬ركزت‭ ‬المدارس‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬عند‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬فكانت‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬تخفيف‭ ‬الأعباء‭ ‬الضريبية‭ ‬وخفض‭ ‬معدلات‭ ‬الفائدة‭ ‬وتحسين‭ ‬الأسعار‭ ‬وفتح‭ ‬الأسواق‭ ‬أمام‭ ‬المنتجين‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يتبنى‭ ‬الفكر‭ ‬التخطيطي‭ ‬رؤية‭ ‬أشمل،‭ ‬إذ‭ ‬يمنح‭ ‬اهتماماً‭ ‬كبيراً‭ ‬للعوامل‭ ‬الفنية‭ ‬والهيكلية،‭ ‬مثل‭ ‬تطوير‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وتحسين‭ ‬استغلال‭ ‬الأراضي‭ ‬والموارد،‭ ‬وتحديث‭ ‬أنظمة‭ ‬الملكية‭ ‬والإدارة‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الكفاءة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويحقق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

التخطيط‭ ‬الاقتصادي

تمثل‭ ‬نظرية‭ ‬التكلفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬نقاط‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التقليدي‭ ‬والحديث،‭ ‬كما‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يستند‭ ‬إليها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬القرارات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بقياس‭ ‬التكاليف‭ ‬المالية‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬يتحملها‭ ‬المستثمر‭ ‬أو‭ ‬المشروع،‭ ‬تسعى‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬إلى‭ ‬تقدير‭ ‬الأعباء‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره‭ ‬نتيجة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ويحاول‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفهوم‭ ‬التكلفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الآثار‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬للأنشطة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬إيجابية‭ ‬أو‭ ‬سلبية،‭ ‬بهدف‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تقدير‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬للجدوى‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمشروعات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬دراسة‭ ‬التكلفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أداة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاختيار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لأنها‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬البدائل‭ ‬المختلفة‭ ‬وفقاً‭ ‬لمردودها‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الربحية‭ ‬الخاصة‭ ‬فقط‭.‬
ورغم‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬بفضل‭ ‬إسهامات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الاقتصاديين،‭ ‬فإن‭ ‬قياس‭ ‬التكلفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬منهجية‭ ‬وفنية‭ ‬معقدة‭. ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يصعب‭ ‬حصرها‭ ‬أو‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬كمية‭ ‬دقيقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬ميادين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬التطوير‭ ‬والبحث‭.‬

رجوع لأعلى