فوريست لي.. قطاع التكنولوجيا يمر بمرحلة تحول جذري
يُعد فوريست لي رجل أعمال ومليارديراً سنغافورياً من أصول صينية، وُلد في مدينة تيانجين الصينية عام 1977، ويُعتبر من أبرز الشخصيات الاقتصادية في قطاع التكنولوجيا بجنوب شرق آسيا.
وهو مؤسس مجموعة «سي ليمتد» (Sea Limited)، إحدى أبرز مجموعات التكنولوجيا والإنترنت في المنطقة، التي نجح في تحويلها من شركة ناشئة متخصصة في الألعاب الإلكترونية إلى مجموعة تكنولوجية متكاملة تضم ثلاثة قطاعات رئيسية، هي الألعاب والتجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية.
حصل لي على بكالوريوس الهندسة من جامعة شانغهاي جياو تونغ، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة، حيث نال درجة الماجستير في إدارة الأعمال من كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال بجامعة ستانفورد.
واختار اسمه الإنجليزي «فوريست» استلهاماً من الفيلم الشهير «فورست غامب»، بعدما واجه بعض أساتذته الأجانب صعوبة في نطق اسمه الصيني «شياودونغ». وبعد تخرجه من جامعة ستانفورد، انتقل إلى سنغافورة، حيث استقر فيها وحصل لاحقاً على جنسيتها.
أسس لي شركته عام 2009 تحت اسم «غارينا»، قبل أن تتوسع أعمالها وتتحول إلى مجموعة «سي ليمتد»، التي تدير ثلاث منصات رئيسية:
● غارينا: منصة للألعاب الإلكترونية، اشتهرت عالمياً بلعبة «فري فاير».
● شوبي: منصة للتجارة الإلكترونية، تُعد من أبرز منصات التسوق الرقمي في جنوب شرق آسيا وتايوان.
● سي موني (SeaMoney)، المعروفة حالياً باسم موني (Monee): ذراع المجموعة المتخصصة في التكنولوجيا المالية، وتقدم خدمات الدفع الرقمي والحلول المالية.
وقاد لي المجموعة إلى الإدراج في بورصة نيويورك، مستفيداً من النمو المتسارع في الاقتصاد الرقمي والانتشار الواسع لمنصاتها. وأسهم هذا التوسع في صعوده إلى قوائم أغنى الشخصيات في سنغافورة، فيما تتغير ثروته تبعاً لأداء أسهم شركاته والتقلبات في الأسواق المالية.
كما حظي بتقدير في الأوساط الاقتصادية السنغافورية، ونال لقب «رجل أعمال العام في سنغافورة»، تقديراً لمسيرته في بناء مجموعة تكنولوجية أسهمت في تغيير مشهد الألعاب الإلكترونية والتجارة الرقمية في المنطقة.
وفي هذا الحوار، يسلط فوريست لي الضوء على التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التكنولوجيا عالمياً، وما تحمله تجربته من دلالات بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، والتوسع في الأعمال الرقمية، ومنافسة الشركات العالمية، إلى جانب رؤيته للاستثمار الرياضي وتطوير كرة القدم السنغافورية.
● فوريست لي، يراك كثيرون رمزاً للنجاح السريع في جنوب شرق آسيا من خلال مجموعة «سي ليمتد» (Sea Limited)، لكن بداياتك في سنغافورة كانت مختلفة تماماً. هل يمكن أن تخبرنا عن تلك المرحلة؟
- استقبلتني سنغافورة عندما لم أكن أملك شيئاً. فقد جئت إلى هنا من دون مدخرات تُذكر، بل كنت مثقلاً بديون دراسية بلغت 100 ألف دولار. في البداية، كنت أستأجر مع زوجتي غرفة واحدة فقط في شقة حكومية مشتركة (HDB) في منطقة براديل. وعلى الرغم من ذلك، فتح المجتمع السنغافوري أبوابه أمامي واحتضنني قبل فترة طويلة من تحقيق أي نجاح، ولذلك سأظل ممتناً دائماً لهذا البلد.
● انطلقتم من شركة صغيرة متخصصة في الألعاب الإلكترونية لتصبحوا من أصحاب أكبر الشركات المدرجة في سنغافورة، وتديرون منصات عملاقة مثل «غارينا» (Garena) و«شوبي» (Shopee). كيف تحقق هذا التحول الكبير؟
- بدأت الرحلة عام 2009، عندما أسست مجموعة «سي» (Sea)، التي كانت تُعرف سابقاً باسم «غارينا». انطلقت الفكرة ببساطة من شغفي بالألعاب الإلكترونية ورغبتي في توفير بيئة تتيح إبراز مواهب اللاعبين. وقادنا هذا الشغف إلى تطوير لعبة «فري فاير» (Free Fire)، التي أصبحت لاحقاً اللعبة الأكبر عالمياً من حيث عدد اللاعبين النشطين يومياً.
أما إطلاق منصة «شوبي» للتجارة الإلكترونية عام 2015، فجاء انطلاقاً من إيماننا بضرورة توفير سوق رقمية متكاملة تخدم العائلات والشركات الصغيرة في جنوب شرق آسيا. ركزنا على معالجة المشكلات الحقيقية التي يواجهها الناس، ثم دمجنا خدمات الدفع الرقمي ضمن أعمالنا من خلال «سي موني» (SeaMoney).
يكمن السر دائماً في فهم طبيعة الاقتصاد المحلي، والبناء انطلاقاً من القاعدة وصولاً إلى التوسع.
● تحتفل مجموعة «سي ليمتد» بمرور تسع سنوات على إدراجها في بورصة نيويورك. كيف تقيّم هذه الرحلة السريعة التي نقلت الشركة من مشروع ناشئ في قطاع الألعاب الإلكترونية إلى مجموعة تكنولوجية عملاقة؟
- عندما بدأنا أعمالنا في قطاع الألعاب من خلال «غارينا» عام 2009، كنا أحياناً نوصل بطاقات الدفع المسبق إلى المستخدمين بأنفسنا. أما اليوم، فقد نمت إيراداتنا الفصلية بأكثر من 80 ضعفاً، لتصل إلى 7.8 مليار دولار.
لقد مررنا بتقلبات حادة في الأسواق، ولا سيما بعد الطفرة الكبيرة التي أعقبها تصحيح قوي. لكنني أقول دائماً لفرق العمل لدينا ولرواد الأعمال: «لا تستسلموا أبداً». لم تمر عليّ لحظة شعرت فيها، في أعماق قلبي، بأنني أريد التخلي عن هذا الحلم.
رهانات المستقبل
● أعلنت مؤخراً عن خطوة فاجأت الأسواق، تمثلت في إطلاق منصة «سي كلاود» (Sea Cloud) للدخول إلى قطاع الحوسبة السحابية للمؤسسات. ما الفلسفة التي تقف وراء هذه الخطوة؟
- عملنا على بناء بنيتنا التحتية السحابية الخاصة على مدار عقد كامل لتشغيل منصتي «شوبي» و«غارينا»، وحققنا من خلالها مستويات من الكفاءة والموثوقية والتكلفة لا يمكن الحصول عليها من أي مزود آخر. والآن، أعدنا بناء هذه المنصة لتصبح منصة سحابية تركز بالدرجة الأولى على الذكاء الاصطناعي، وتحمل اسم «سي كلاود».
هدفنا هو نقل الأفكار المبتكرة من مرحلة التخطيط على السبورة البيضاء إلى خطوط الإنتاج الفعلية بسرعة فائقة، ومنافسة كبرى الشركات العالمية في هذا المجال.
● يتحدث الجميع اليوم عن ثورة الذكاء الاصطناعي. كيف ترى تأثيرها على شركتكم؟ وهل يمكن أن تقودكم إلى الانضمام إلى نادي الشركات التي تبلغ قيمتها السوقية تريليون دولار؟
- نعم، أؤمن تماماً بأن التحول التكنولوجي نحو الذكاء الاصطناعي يمهد الطريق أمام شركتنا للوصول مستقبلاً إلى قيمة سوقية تبلغ تريليون دولار. ويشبه الذكاء الاصطناعي في تأثيره التحولات التي أحدثها ظهور الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية، فهو أداة تتيح للشركات الصغيرة ورواد الأعمال الوصول إلى جمهور أوسع وتقديم خدمات أسرع.
لكن تحقيق هذا الهدف لن يكون سهلاً، بل يتطلب منا انضباطاً صارماً، واتخاذ القرارات الصحيحة، والاستعداد لمنافسة شرسة. ونحن نستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً على نطاق واسع في تحسين خدمة العملاء، وتشغيل الروبوتات الذكية، وتطوير الألعاب الإلكترونية.
● تتردد أنباء عن نيتكم طرح ذراع التكنولوجيا المالية «موني» (Monee) للاكتتاب العام. ما الأسباب وراء هذا التوجه؟
- وصلت منصة «موني»، المتخصصة في الخدمات المالية الرقمية والمحافظ الإلكترونية، إلى مرحلة من النضج أصبحت معها قادرة على الوقوف على قدميها والانطلاق في مسارها الخاص. وسيمنحها الاكتتاب العام الموارد المالية والمساحة اللازمتين للتحرك بوتيرة أسرع والوصول إلى آفاق أبعد مما يمكنها تحقيقه اليوم بوصفها جزءاً من المجموعة.
وتغطي خدماتنا المالية حالياً أسواقاً واسعة، من سنغافورة وإندونيسيا إلى البرازيل وغيرها، مع محفظة ائتمانية ضخمة.
التوسع والابتكار
● بصفتك أحد أنجح رواد الأعمال في آسيا، ما النصيحة الذهبية التي تقدمها للشركات الناشئة في ظل المشهد التكنولوجي المعقد حالياً؟
- هناك ركائز أساسية تعلمتها من تجاربي، وأحرص على مشاركتها دائماً في لقاءاتي مع مجتمع الأعمال:
● التفكير من الأسفل إلى الأعلى: ابدأ بفهم التفاصيل الصغيرة على أرض الواقع.
● فهم الاقتصاد المحلي: إن معالجة المشكلات المحلية المعقدة التي يواجهها العملاء، مثل صعوبات سلاسل التوريد، هي ما يمنحك ميزة تنافسية حقيقية في مواجهة الشركات العالمية الكبرى.
● التقرب من المستهلكين: استمع جيداً إلى عملائك، ووظّف التكنولوجيا لإسعادهم وتلبية احتياجاتهم، وليس فقط لخفض التكاليف.
● التمسك بالرؤية والعزيمة: ثق بنفسك، واعلم أن الطريق مليء بالصعود والهبوط، لكن الاستمرارية هي مفتاح النجاح.
● ما خططكم المستقبلية لتوسيع أعمال المجموعة؟
- نتحرك بخطى ثابتة ومتواصلة. وكما ذكرت سابقاً، أعلنا مؤخراً عن خطط لإطلاق أعمال جديدة في مجال الحوسبة السحابية، بالإضافة إلى الاستعداد لطرح ذراع المجموعة المتخصصة في الخدمات المالية للاكتتاب العام، وذلك تماشياً مع الطفرة التكنولوجية والتطور المتسارع في مجـال الذكـاء الاصطنــاعي بالمنطقة.
لكن طموحنا أكبر من ذلك؛ فنحن نعمل باستمرار على تطوير قدراتنا وتعزيز أعمالنا، بهدف توسيع حضور شركتنا لتشمل كل بلد في العالم، ومنافسة كبرى الشركات العالمية في هذا المجال.
● هناك مخاوف حقيقية لدى الشبـاب من فقدان وظائفهم بسبب الأتمتة. كيف تـرى هذا التهديد؟
- لن يستبدل الذكاء الاصطناعي البشر بقدر ما سيؤدي إلى استبدال الأشخاص الذين لا يستخدمونه بأولئك الذين يجيدون توظيفه.
ستختفي بعض الوظائف الروتينية، لكن في المقابل ستنشأ ملايين الوظائف الجديدة في قطاعات مثل هندسة الأوامر، وإدارة البيانات، والأخلاقيات التقنية.
نصيحتي هي أن تتعلم كيف توظف الآلة لخدمتك، وألا تكون مجرد مستهلك للتكنولوجيا.
التكنولوجيا المتغيرة
● نشهد صراعاً خفياً، وأحياناً علنياً، بين الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى حول قضايا الاحتكار والخصوصية. كيف يؤثر ذلك في بيئة الأعمال؟
- فوريست لي: التشريعات ضرورية لحماية الخصوصية، لكن القوانين الصارمة جداً قد تخنق الابتكار. وسيكون المستقبل للشركات التي تتبنى مفهوم «الابتكار المسؤول»، وتتعاون مع الحكومات لوضع أطر تنظيمية مرنة، لا سيما في مجالات حماية البيانات الشخصية.
● هل ستظل وادي السيليكون عاصمة التكنولوجيا في العالم، أم أن خريطة التكنولوجيا العالمية تشهد تغيراً؟
- تتغير الخريطة بالفعل، وتتجه نحو تعدد الأقطاب. ونشهد صعوداً لافتاً لمراكز الابتكار في الشرق الأوسط، ولا سيما في السعودية والإمارات، بفضل الدعم الحكومي الكبير، إلى جانب الازدهار المستمر في جنوب شرق آسيا والهند. وستظل وادي السيليكون مركزاً مهماً، لكنها لم تعد الخيار الوحيد أمام المبتدئين والمستثمرين.
● كيـف ترى مستقبـل قطـاع التكنولوجيا عالمياً؟
- يمر قطاع التكنولوجيا عالمياً بمرحلة تحول جذري تقودها ثورة الذكاء الاصطناعي الفائق والأنظمة الذاتية المستقلة. ولم يعد المستقبل مقتصراً على تحسين البرمجيات، بل يتجه نحو تحقيق تكامل كامل بين العالمين الرقمي والمادي، عبر مجالات البنية التحتية والرعاية الصحية والصناعة.
الطموح والإنجاز
● إلى جانب التكنولوجيا، فاجأت الجميع بدخولك القوي إلى عالم الرياضة وتوليك رئاسة الاتحاد السنغافوري لكرة القدم. ما الذي يدفعك إلى الاستثمار في كرة القدم المحلية؟
- ألهمتني تجربتي على مدار السنوات الماضية في إدارة نادي «ليون سيتي سيلورز»، ورسخت إيماني بأن سنغافورة تمتلك إمكانات هائلة لتحقيق النجاح الرياضي واستعادة أمجادها الكروية. وعندما توليت رئاسة الاتحاد، وضعت مع زملائي هدفاً واضحاً يتمثل في إعادة البهجة والفخر إلى الشارع الرياضي السنغافوري، وتحقيق ما يراه البعض مستحيلاً من خلال العمل الإيجابي المشترك.
● أحدثت ضجة كبيرة مؤخراً بعد التأهل التاريخي للمنتخب السنغافوري إلى كأس آسيا، وتخصيص مكافأة ضخمة للاعبين. هل تؤكد صحة هذه الأنباء؟
- نعم، بكل تأكيد. حقق «أسود» سنغافورة إنجازاً تاريخياً بتأهلهم عن جدارة إلى كأس آسيا للمرة الأولى. وأؤكد أنني دفعت المكافأة البالغة مليوني دولار سنغافوري بالكامل من أموالي الخاصة، دعماً شخصياً للاعبين. فعندما يقدم لاعب كرة القدم التضحيات ويسهم في خدمة بلده، ويعيد الفخر والسرور إلى شعبه، فإنه يستحق التقدير والمكافأة السخية.
● ما نصيحتك الأهم لرواد الأعمال الشباب والجيل القادم؟
- فوريست لي: عندما يتخرج الشباب وينضمون إلينا، أقول لهم دائماً: تذكروا أنكم «تنضمون إلى شركة ناشئة»، وليس إلى «شركة ضخمة»، بغض النظر عن حجم المؤسسة الحالي. فهذه العقلية تحافظ على روح الابتكار المستمر والتطور. أما نصيحتي الأهم لكل رائد أعمال، فهي أن يثق بنفسه، وأن يبحث عن المشكلات الحقيقية لإيجاد حلول لها، وألا يستسلم أبداً.