مديرو المحافظ يخسرون السباق.. والمليارات تعود إليهم
تواجه صناعة إدارة المحافظ الاستثمارية تحولاً جذرياً يهدد نموذج أعمالها التقليدي، بعدما أتاحت التطبيقات المالية والصناديق المتداولة للمستثمرين امتلاك مئات الأسهم بتكاليف منخفضة ودون الحاجة إلى مدير محترف. لكن المفارقة أن هذه الصناعة، التي تتزايد الشكوك بشأن قدرتها على تحقيق عوائد تتفوق على السوق، نجحت في اجتذاب مئات المليارات من الدولارات، ما يطرح تساؤلاً اقتصادياً حول القيمة التي لا يزال المستثمرون مستعدين لدفع المال مقابل الحصول عليها.
ويعكس هذا التحول تغيراً في طبيعة المنافسة داخل قطاع إدارة الأصول؛ فلم تعد الخبرة وحدها مبرراً كافياً للرسوم المرتفعة، خصوصاً مع انتشار الصناديق التي تتبع المؤشرات الرئيسية وتمنح المستثمر أداءً قريباً من السوق. وفي المقابل، تتجه المؤسسات الاستثمارية إلى تقديم خدمات أكثر تخصصاً تشمل إدارة المخاطر وتوفير الدخل وتنويع المحافظ، بدلاً من الاكتفاء بوعد التفوق على المؤشرات.
تفوق المؤشرات
تكشف البيانات حجم التحدي الذي يواجه مديري الاستثمار النشط، إذ أظهر تقرير «إس آند بي جلوبال» أن 79 % من صناديق الأسهم الأميركية الكبيرة المدارة بنشاط فشلت في التفوق على مؤشرها المرجعي خلال عام 2025.
وتعني هذه النتيجة أن غالبية المستثمرين الذين دفعوا رسوماً للحصول على قرارات استثمارية احترافية لم يحققوا الأداء الذي كان بإمكانهم محاكاته عبر صندوق يتتبع السوق بتكلفة أقل.
ولا تقتصر المشكلة على عام واحد؛ فقد أظهرت بيانات «مورنينج ستار» أن 13 % فقط من الصناديق النشطة للأسهم الأميركية الكبيرة استطاعت الاستمرار والتفوق على نظيراتها السلبية خلال العقد المنتهي في يونيو 2026.
وتبرز أهمية هذه الأرقام عند احتساب أثر الرسوم على المدى الطويل، إذ يمكن للفروق الصغيرة في التكاليف السنوية أن تتراكم وتؤثر في الثروة النهائية للمستثمر.
لكن الاستثمار السلبي ليس خالياً تماماً من القرارات البشرية؛ فاختيار الشركات المدرجة في مؤشر «إس آند بي 500» يخضع لمعايير ولجنة متخصصة. وبذلك لا تختفي الإدارة البشرية، وإنما تنتقل جزئياً من اختيار الأسهم إلى تصميم المؤشرات وتحديد قواعدها.
جيل رقمي
تزداد الضغوط على مديري المحافظ مع دخول أجيال جديدة إلى الأسواق المالية، بعدما أصبحت التطبيقات والمنصات الرقمية مصدراً رئيسياً للمعلومات وتنفيذ الصفقات. وكشف استطلاع أميركي أجرته «بيترمنت» أن 60 % من مستثمري جيل زد يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار المالية، في مؤشر إلى تغير قنوات الوصول إلى المعلومات الاستثمارية.
لكن الاعتماد على التكنولوجيا لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الخبرة البشرية؛ فقد أظهرت دراسة لمعهد «CFA»، شملت أكثر من 2400 مستثمر ميسور في ست دول، أن المستثمرين الشباب يفضلون الجمع بين الأدوات الرقمية والمشورة المتخصصة.
وتصدر المستشارون البشر مصادر المشورة الأكثر موثوقية لدى المشاركين، ما يشير إلى أن سهولة الوصول إلى المعلومات لا تلغي الحاجة إلى تفسيرها واتخاذ قرارات مناسبة.
وتزداد أهمية المستشار المالي خلال فترات اضطراب الأسواق، عندما يصبح التحكم في المخاطر وتوزيع الأصول وتجنب القرارات العاطفية أكثر تأثيراً من مجرد اختيار الأسهم.
عودة المليارات
رغم ضعف أداء معظم الصناديق النشطة للأسهم الكبيرة، اجتذبت الصناديق المتداولة المدارة بنشاط في الولايات المتحدة نحو 475 مليار دولار خلال عام 2025، وفق بيانات «مورنينج ستار».
ومثلت هذه التدفقات قرابة ثلث الأموال الجديدة الداخلة إلى الصناديق المتداولة، بالتزامن مع إطلاق نحو ألف صندوق نشط جديد، في تطور يعكس استمرار الطلب على الإدارة المتخصصة.
ولا تعني هذه التدفقات أن المستثمرين عادوا إلى دفع الرسوم مقابل محاولة التفوق على مؤشرات الأسهم وحدها؛ فبعض المنتجات الجديدة يستهدف توفير دخل دوري، بينما يركز بعضها الآخر على الحد من الخسائر أو تنفيذ استراتيجيات استثمارية محددة.
وتشير البيانات أيضاً إلى اختلاف فرص الإدارة النشطة بين فئات الأصول؛ إذ بلغت نسبة نجاح صناديق السندات النشطة في التفوق على نظيراتها السلبية 45 % خلال العقد المنتهي في يونيو 2026، وهي أعلى بكثير من النسبة المسجلة لصناديق الأسهم الأميركية الكبيرة.
ويعني ذلك أن تقييم الإدارة النشطة يجب أن يرتبط بطبيعة السوق والخدمة المقدمة، وليس بحكم موحد على جميع الصناديق.
الخبرة تبحث عن قيمة جديدة
تكشف التحولات الأخيرة أن مستقبل مديري المحافظ لن يتحدد بقدرتهم على مقاومة التكنولوجيا، وإنما بمدى نجاحهم في إعادة تعريف الخدمات التي يقدمونها للمستثمرين.
فالصناديق منخفضة التكلفة جعلت امتلاك السوق أمراً متاحاً بسهولة، لكنها لم تلغ الحاجة إلى إدارة المخاطر والتخطيط المالي واختيار الاستراتيجيات الملائمة للأهداف المختلفة.
وبينما تواصل المؤشرات الضغط على رسوم الإدارة التقليدية، تمنح المنتجات المتخصصة المؤسسات الاستثمارية فرصة لتطوير مصادر دخل جديدة.
وهكذا، لا يبدو أن مدير المحفظة يواجه الاختفاء بقدر ما يواجه اختباراً اقتصادياً أكثر صرامة؛ إذ لم يعد المستثمر مستعداً لدفع مقابل الخبرة وحدها، بل يريد نتائج وخدمات واضحة تبرر تكلفتها وتضيف قيمة لا يستطيع الحصول عليها بضغطة واحدة.