قفزة تتجاوز 3 % للأسعار تعيد خام برنت فوق 94 دولاراً
شهدت أسواق النفط العالمية بداية قوية لتداولات الأسبوع بعدما قفزت الأسعار بأكثر من 3 % مدفوعة بتصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية واحتمالات تعطل حركة الشحن عبر أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز. وجاءت هذه الارتفاعات بعد تبادل القصف بين إيران والولايات المتحدة، بالتزامن مع توسيع إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية في مواجهة حزب الله، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مخاطر اتساع نطاق الصراع الإقليمي وتأثيراته المحتملة على أسواق الطاقة العالمية.
وتعكس التحركات الأخيرة للأسعار حالة القلق المتنامية لدى المتعاملين في السوق، إذ باتت المخاطر الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً في اتجاهات التداول خلال المرحلة الحالية، متقدمة على المؤشرات الاقتصادية التقليدية المرتبطة بالنمو والطلب. فمع كل تطور عسكري جديد في المنطقة ترتفع احتمالات تعطل الإمدادات أو تأخر الشحنات أو زيادة تكاليف النقل والتأمين، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار العالمية.
علاوة المخاطر
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 2.93 دولار أو ما يعادل 3.2 % لتصل إلى 94.05 دولاراً للبرميل، فيما صعدت العقود الآجلة للخام الأميركي بمقدار 3.36 دولار أو 3.9 % إلى 90.72 دولاراً للبرميل. ويأتي هذا الارتفاع بعد فترة من الضغوط التي شهدتها الأسواق خلال مايو الماضي، عندما تراجع خـام برنت بنحـو 19 % بينما خسر خام غرب تكساس الوسيط نحو 17 %.
ويشير هذا التحول السريع في اتجاه الأسعار إلى عودة ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وهي القيمة الإضافية التي يضيفها المستثمرون إلى أسعار النفط عندما ترتفع احتمالات تعطل الإمدادات نتيجة الحروب أو الأزمات السياسية. وغالباً ما تتضخم هذه العلاوة عندما تكون الأحداث مرتبطة بمنطقة الخليج العربي التي تضم أكبر احتياطات النفط التقليدي في العالم وتنتج نسبة كبيرة من الإمدادات العالمية.
وتتسم الأسواق حالياً بحساسية مفرطة تجاه أي تطورات مرتبطة بإيران أو بمضيق هرمز أو بالدول الخليجية المنتجة للنفط، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه هذه المنطقة في تأمين احتياجات الاقتصاد العالمي من الطاقة.
مضيق هرمز
أحد أبرز العوامل التي دفعت الأسعار إلى الارتفاع يتمثل في المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز، الذي يعد الشريان الرئيسي لتدفقات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية. ويمر عبر المضيق يومياً ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، ما يجعله من أكثر الممرات البحرية أهمية وحساسية في العالم.
وتزايدت التحذيرات في الآونة الأخيرة من احتمال تعرض الملاحة في المضيق لمخاطر إضافية، سواء من خلال الألغام البحرية أو العمليات العسكرية أو القيود المفروضة على حركة السفن. ويخشى المتعاملون أن يؤدي أي اضطراب واسع النطاق إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين بشكل كبير، فضلاً عن تأخير وصول الشحنات إلى الأسواق المستهلكة في آسيا وأوروبا.
ويؤكد محللون أن مجرد الحديث عن مخاطر محتملة في المضيق يكفي لدفع الأسعار إلى الارتفاع، حتى في حال عدم وقوع تعطيل فعلي للإمدادات، وذلك بسبب الطبيعة الاستباقية للأسواق المالية التي تسعر المخاطر المستقبلية قبل حدوثها.
كما أن أي إغلاق جزئي أو مؤقت للمضيق قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية، إذ ستضطر الدول المنتجة والمستهلكة إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة وأطول زمناً، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية للنفط ومشتقاته.
اضطراب الإمدادات
تزامن ارتفاع الأسعار مع استمرار الحديث عن تراجع شحنات المنتجين الخليجيين عبر مضيق هرمز إلى مستويات محدودة للغاية نتيجة تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية. وأدى ذلك إلى اضطرابات واسعة في السوق العالمية، وسط تقديرات بإغلاق إنتاج يقدر بملايين البراميل يومياً خلال فترات متقطعة. ومنذ اندلاع الصراع في أواخر فبراير ارتفع خام برنت بأكثر من 25 % مقارنة بمستوياته السابقة، وهو ما يعكس حجم المخاوف المرتبطة بقدرة المنتجين على الحفاظ على تدفقات مستقرة للأسواق العالمية.
ويشير خبراء الطاقة إلى أن المخاطر الحالية لا تتعلق فقط بالكميات المنتجة، بل تشمل أيضاً القدرة على إيصال النفط إلى الأسواق النهائية. فحتى إذا استمرت الدول المنتجة في ضخ الخام بالمعدلات المعتادة، فإن تعطل خطوط النقل أو الموانئ أو الممرات البحرية قد يؤدي إلى اختناقات كبيرة في سلسلة الإمداد العالمية.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في ظل محدودية الطاقة الفائضة المتاحة لدى بعض المنتجين، ما يقلص قدرة السوق على تعويض أي نقص مفاجئ في الإمدادات إذا استمرت التوترات لفترة طويلة.
الطلب الصيني
في المقابل، لا تزال الأسواق تواجه تحديات مرتبطة بالطلب العالمي، خصوصاً من جانب الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. فقد أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة تباطؤ نشاط الصناعات التحويلية الصينية، ما أثار مخاوف جديدة بشأن قوة التعافي الاقتصادي في ثاني أكبر اقتصاد عالمي.
ويمثل تباطؤ الصين عاملاً ضاغطاً على أسعار النفط لأنه ينعكس مباشرة على مستويات الاستهلاك الصناعي والنقل والشحن والبتروكيماويات. كما أن أي ضعف في النمو الصيني يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله نظراً للدور المركزي الذي تلعبه بكين في التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد الدولية.
وتتجه واردات الصين النفطية إلى تسجيل أحد أضعف مستوياتها منذ فترة الجائحة، بحسب تقديرات مؤسسات استشارية متخصصة في أسواق الطاقة. ويعكس ذلك تراجعاً ملموساً في استهلاك الوقود والمواد الخام المرتبطة بالنشاط الصناعي.
ويخشى محللون من أن يكون جزء من هذا التراجع هيكلياً وليس مؤقتاً، خصوصاً مع استمرار التحول نحو الطاقة النظيفة وتباطؤ قطاع العقارات وتراجع وتيرة النمو الاقتصادي مقارنة بالعقود السابقة.
تدمير الطلب
من الظواهر اللافتة التي بدأت تظهر في السوق العالمية ما يعرف اقتصادياً بـ«تدمير الطلب»، وهي الحالة التي تؤدي فيها الأسعار المرتفعة إلى تقليص الاستهلاك الفعلي للنفط والمنتجات البترولية.
فكلما ارتفعت أسعار الوقود زادت الضغوط على المستهلكين والشركات، ما يدفع بعضهم إلى تقليل الاستخدام أو البحث عن بدائل أقل تكلفة. وقد بدأت هذه الظاهرة بالظهور بشكل واضح في قطاع الطيران وبعض الصناعات البتروكيماوية التي تعتمد على النفط ومشتقاته كمادة أولية.
ويعتقد عدد من المحللين أن الطلب العالمي ربما تراجع بوتيرة أسرع مما كانت تتوقعه المؤسسات المالية الكبرى، خاصة في الأسواق الآسيوية والأوروبية التي تأثرت بارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وفي حال استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، فإن ذلك قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على الاستهلاك العالمي، ما يحد تدريجياً من قدرة النفط على مواصلة الصعود حتى في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية.
سيناريوهات السوق
تبدو سوق النفط حالياً أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال الأشهر المقبلة. السيناريو الأول يتمثل في استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط واتساع نطاقه، ما قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاعات السعرية وربما تجاوز مستويات المئة دولار للبرميل إذا تعرضت الإمدادات لمزيد من الاضطرابات.
أما السيناريو الثاني فيقوم على نجاح الجهود الدبلوماسية في تهدئة التوترات بين الأطراف المختلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية وعودة الأسعار إلى مستويات أكثر استقراراً بالقرب من التوقعات الأساسية للمؤسسات المالية الدولية.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في استمرار التوترات دون حدوث تعطيل واسع للإمدادات، بالتزامن مع تراجع الطلب العالمي، وهو سيناريو قد يبقي الأسعار ضمن نطاقات متقلبة تتأرجح بين تأثيرات العرض والطلب دون اتجاه واضح.
وفي جميع الأحوال، تبدو أسواق الطاقة مقبلة على مرحلة من التقلبات المرتفعة وعدم اليقين، حيث تتداخل الحسابات الجيوسياسية مع المؤشرات الاقتصادية بصورة غير مسبوقة. وبينما يراقب المستثمرون تطورات الصراع في الشرق الأوسط ساعة بساعة، تبقى الأنظار موجهة أيضاً إلى الصين والاقتصاد العالمي لتحديد ما إذا كانت قوة الطلب ستتمكن من الصمود أمام موجة الارتفاعات السعرية الحالية، أم أن مخاوف التباطؤ الاقتصادي ستفرض نفسها في نهاية المطاف على اتجاهات السوق.