تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قفزة‭ ‬تتجاوز‭ ‬3‭ % ‬للأسعار‭ ‬تعيد‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬فوق‭ ‬94‭ ‬دولاراً‭ ‬

قفزة‭ ‬تتجاوز‭ ‬3‭ % ‬للأسعار‭ ‬تعيد‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬فوق‭ ‬94‭ ‬دولاراً‭ ‬

شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬بداية‭ ‬قوية‭ ‬لتداولات‭ ‬الأسبوع‭ ‬بعدما‭ ‬قفزت‭ ‬الأسعار‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬3‭ % ‬مدفوعة‭ ‬بتصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭ ‬واحتمالات‭ ‬تعطل‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬عبر‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬لنقل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭. ‬وجاءت‭ ‬هذه‭ ‬الارتفاعات‭ ‬بعد‭ ‬تبادل‭ ‬القصف‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬توسيع‭ ‬إسرائيل‭ ‬عملياتها‭ ‬العسكرية‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬اللبنانية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬مخاطر‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬وتأثيراته‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭.‬
وتعكس‭ ‬التحركات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للأسعار‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬المتنامية‭ ‬لدى‭ ‬المتعاملين‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬التداول‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية،‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنمو‭ ‬والطلب‭. ‬فمع‭ ‬كل‭ ‬تطور‭ ‬عسكري‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ترتفع‭ ‬احتمالات‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬أو‭ ‬تأخر‭ ‬الشحنات‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية‭.‬

علاوة‭ ‬المخاطر
ارتفعت‭ ‬العقود‭ ‬الآجلة‭ ‬لخام‭ ‬برنت‭ ‬بنحو‭ ‬2‭.‬93‭ ‬دولار‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬3‭.‬2‭ %‬‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬94‭.‬05‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬فيما‭ ‬صعدت‭ ‬العقود‭ ‬الآجلة‭ ‬للخام‭ ‬الأميركي‭ ‬بمقدار‭ ‬3‭.‬36‭ ‬دولار‭ ‬أو‭ ‬3‭.‬9‭ % ‬إلى‭ ‬90‭.‬72‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭. ‬ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬مايو‭ ‬الماضي،‭ ‬عندما‭ ‬تراجع‭ ‬خـام‭ ‬برنت‭ ‬بنحـو‭ ‬19‭ % ‬بينما‭ ‬خسر‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬نحو‭ ‬17‭ %.‬
ويشير‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬عودة‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬القيمة‭ ‬الإضافية‭ ‬التي‭ ‬يضيفها‭ ‬المستثمرون‭ ‬إلى‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬احتمالات‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬نتيجة‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬الأزمات‭ ‬السياسية‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تتضخم‭ ‬هذه‭ ‬العلاوة‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الأحداث‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطات‭ ‬النفط‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وتنتج‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬
وتتسم‭ ‬الأسواق‭ ‬حالياً‭ ‬بحساسية‭ ‬مفرطة‭ ‬تجاه‭ ‬أي‭ ‬تطورات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬أو‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬بالدول‭ ‬الخليجية‭ ‬المنتجة‭ ‬للنفط،‭ ‬نظراً‭ ‬للدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬احتياجات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭.‬

مضيق‭ ‬هرمز
أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬المخاوف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬الشريان‭ ‬الرئيسي‭ ‬لتدفقات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬ويمر‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬يومياً‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬خُمس‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬النفط،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬أهمية‭ ‬وحساسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬
وتزايدت‭ ‬التحذيرات‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬تعرض‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬لمخاطر‭ ‬إضافية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬أو‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭. ‬ويخشى‭ ‬المتعاملون‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تأخير‭ ‬وصول‭ ‬الشحنات‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬المستهلكة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭.‬
ويؤكد‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مخاطر‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬يكفي‭ ‬لدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬وقوع‭ ‬تعطيل‭ ‬فعلي‭ ‬للإمدادات،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الطبيعة‭ ‬الاستباقية‭ ‬للأسواق‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تسعر‭ ‬المخاطر‭ ‬المستقبلية‭ ‬قبل‭ ‬حدوثها‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬إغلاق‭ ‬جزئي‭ ‬أو‭ ‬مؤقت‭ ‬للمضيق‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬ستضطر‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬والمستهلكة‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وأطول‭ ‬زمناً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬النهائية‭ ‬للنفط‭ ‬ومشتقاته‭.‬

اضطراب‭ ‬الإمدادات
تزامن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬شحنات‭ ‬المنتجين‭ ‬الخليجيين‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬محدودة‭ ‬للغاية‭ ‬نتيجة‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬والتوترات‭ ‬الإقليمية‭. ‬وأدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية،‭ ‬وسط‭ ‬تقديرات‭ ‬بإغلاق‭ ‬إنتاج‭ ‬يقدر‭ ‬بملايين‭ ‬البراميل‭ ‬يومياً‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬متقطعة‭. ‬ومنذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬فبراير‭ ‬ارتفع‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬25‭ % ‬مقارنة‭ ‬بمستوياته‭ ‬السابقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬المخاوف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بقدرة‭ ‬المنتجين‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬مستقرة‭ ‬للأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
ويشير‭ ‬خبراء‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بالكميات‭ ‬المنتجة،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إيصال‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬النهائية‭. ‬فحتى‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬في‭ ‬ضخ‭ ‬الخام‭ ‬بالمعدلات‭ ‬المعتادة،‭ ‬فإن‭ ‬تعطل‭ ‬خطوط‭ ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬الموانئ‭ ‬أو‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اختناقات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭.‬
وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محدودية‭ ‬الطاقة‭ ‬الفائضة‭ ‬المتاحة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المنتجين،‭ ‬ما‭ ‬يقلص‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬مفاجئ‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬التوترات‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭.‬

الطلب‭ ‬الصيني
في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأسواق‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للنفط‭ ‬الخام‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأخيرة‭ ‬تباطؤ‭ ‬نشاط‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬الصينية،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬مخاوف‭ ‬جديدة‭ ‬بشأن‭ ‬قوة‭ ‬التعافي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬عالمي‭.‬
ويمثل‭ ‬تباطؤ‭ ‬الصين‭ ‬عاملاً‭ ‬ضاغطاً‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬لأنه‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الصناعي‭ ‬والنقل‭ ‬والشحن‭ ‬والبتروكيماويات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬الصيني‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيره‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭ ‬نظراً‭ ‬للدور‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الدولية‭.‬
وتتجه‭ ‬واردات‭ ‬الصين‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬أحد‭ ‬أضعف‭ ‬مستوياتها‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬الجائحة،‭ ‬بحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬مؤسسات‭ ‬استشارية‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬تراجعاً‭ ‬ملموساً‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬الوقود‭ ‬والمواد‭ ‬الخام‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنشاط‭ ‬الصناعي‭.‬
ويخشى‭ ‬محللون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬هيكلياً‭ ‬وليس‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وتباطؤ‭ ‬قطاع‭ ‬العقارات‭ ‬وتراجع‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعقود‭ ‬السابقة‭.‬

تدمير‭ ‬الطلب
من‭ ‬الظواهر‭ ‬اللافتة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬اقتصادياً‭ ‬بـ«تدمير‭ ‬الطلب‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬فيها‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الفعلي‭ ‬للنفط‭ ‬والمنتجات‭ ‬البترولية‭.‬
فكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬زادت‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬المستهلكين‭ ‬والشركات،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬الاستخدام‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭. ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بالظهور‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران‭ ‬وبعض‭ ‬الصناعات‭ ‬البتروكيماوية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬ومشتقاته‭ ‬كمادة‭ ‬أولية‭.‬
ويعتقد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬ربما‭ ‬تراجع‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬تتوقعه‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬والأوروبية‭ ‬التي‭ ‬تأثرت‭ ‬بارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الطاقة‭ ‬وتباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفي‭ ‬حال‭ ‬استمرت‭ ‬الأسعار‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي،‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬النفط‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الصعود‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭.‬

سيناريوهات‭ ‬السوق
تبدو‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬حالياً‭ ‬أمام‭ ‬ثلاثة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬رئيسية‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة‭. ‬السيناريو‭ ‬الأول‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬واتساع‭ ‬نطاقه،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الارتفاعات‭ ‬السعرية‭ ‬وربما‭ ‬تجاوز‭ ‬مستويات‭ ‬المئة‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭ ‬إذا‭ ‬تعرضت‭ ‬الإمدادات‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭.‬
أما‭ ‬السيناريو‭ ‬الثاني‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬نجاح‭ ‬الجهود‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬التوترات‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وعودة‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬التوقعات‭ ‬الأساسية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭.‬
في‭ ‬حين‭ ‬يتمثل‭ ‬السيناريو‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬التوترات‭ ‬دون‭ ‬حدوث‭ ‬تعطيل‭ ‬واسع‭ ‬للإمدادات،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬وهو‭ ‬سيناريو‭ ‬قد‭ ‬يبقي‭ ‬الأسعار‭ ‬ضمن‭ ‬نطاقات‭ ‬متقلبة‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬تأثيرات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬دون‭ ‬اتجاه‭ ‬واضح‭.‬
وفي‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬تبدو‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬مقبلة‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬المرتفعة‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الحسابات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬مع‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬وبينما‭ ‬يراقب‭ ‬المستثمرون‭ ‬تطورات‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ساعة‭ ‬بساعة،‭ ‬تبقى‭ ‬الأنظار‭ ‬موجهة‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬لتحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬قوة‭ ‬الطلب‭ ‬ستتمكن‭ ‬من‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬موجة‭ ‬الارتفاعات‭ ‬السعرية‭ ‬الحالية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬مخاوف‭ ‬التباطؤ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ستفرض‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬على‭ ‬اتجاهات‭ ‬السوق‭.‬

رجوع لأعلى