تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬والنفوذ‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي

qq.33

تفرض‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الائتمان‭ ‬واقعاً‭ ‬يمنح‭ ‬الدول‭ ‬المُصدِّرة‭ ‬للعملات‭ ‬الاحتياطية‭ ‬الرئيسية‭ ‬قدرة‭ ‬استثنائية‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬مدخرات‭ ‬بقية‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استمرارها‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكّل‭ ‬أحد‭ ‬المصادر‭ ‬الجوهرية‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بعائد‭ ‬سكّ‭ ‬العملة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الامتياز‭ ‬المالي،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أداء‭ ‬وظيفة‭ ‬شبه‭ ‬عالمية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الطلب‭ ‬الكلي‭ ‬الدولي،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والنمو‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إسقاطه‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬الصينية‭ ‬بالشكل‭ ‬نفسه،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للصين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غير‭ ‬مهيأة‭ ‬للاضطلاع‭ ‬الكامل‭ ‬بهذا‭ ‬الدور‭ ‬العالمي،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬الاستفادة‭ ‬الكاملة‭ ‬من‭ ‬مزايا‭ ‬امتلاك‭ ‬عملة‭ ‬احتياطية‭ ‬رئيسية‭. ‬وعند‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬تتضح‭ ‬الفجوة‭ ‬البنيوية‭ ‬بوضوح،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬والاستيراد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬لاعباً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬إذ‭ ‬يستحوذ‭ ‬على‭ ‬حصة‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬الحكومة‭ ‬مقارنة‭ ‬ببقية‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تمكنت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬تفوق‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬الصادرات،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬حجم‭ ‬الواردات‭ ‬الأميركية‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فجوة‭ ‬تجارية‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬القنوات‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬المدخرات‭ ‬العالمية‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يعكس‭ ‬النموذج‭ ‬الصيني‭ ‬اتجاهاً‭ ‬معاكساً،‭ ‬حيث‭ ‬تفوق‭ ‬الصادرات‭ ‬الواردات‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬خروج‭ ‬المدخرات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬دخولها،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬والمالي‭ ‬العالمي‭.‬
وتظهر‭ ‬الصين‭ ‬اليوم‭ ‬كقوة‭ ‬ادخارية‭ ‬واستثمارية‭ ‬كبرى‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬اقتصادها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬عملة‭ ‬احتياطية‭ ‬ذات‭ ‬قبول‭ ‬دولي‭ ‬واسع‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الفائض‭ ‬الادخاري‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬مالي‭ ‬عالمي‭ ‬فعّال‭. ‬ورغم‭ ‬مساهمتها‭ ‬الملحوظة‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬فإن‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يظل‭ ‬مرهوناً‭ ‬بإعادة‭ ‬توازن‭ ‬هيكلها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬درجة‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬

اتساع‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬
وبنيتها‭ ‬التنظيمية

ولا‭ ‬تقوم‭ ‬مكانة‭ ‬العملة‭ ‬الاحتياطية‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أو‭ ‬قوة‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بمدى‭ ‬تطور‭ ‬البنية‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬هذه‭ ‬العملة‭. ‬إذ‭ ‬يفترض‭ ‬في‭ ‬العملة‭ ‬الاحتياطية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬وأن‭ ‬تؤدي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬وظيفة‭ ‬خدمية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الدولي،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬العمل‭ ‬كأداة‭ ‬موثوقة‭ ‬لحفظ‭ ‬القيمة‭. ‬وتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يتطلب‭ ‬وجود‭ ‬أسواق‭ ‬رأسمالية‭ ‬عميقة‭ ‬وواسعة‭ ‬النطاق‭ ‬ومتعددة‭ ‬المستويات،‭ ‬تتسم‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬والمرونة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬وخارجها‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬وظيفة‭ ‬حفظ‭ ‬القيمة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مستقرة‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستلزم‭ ‬تطوير‭ ‬أسواق‭ ‬مشتقات‭ ‬مالية‭ ‬متقدمة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬أدوات‭ ‬متنوعة‭ ‬للتحوط‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬قوة‭ ‬العملة‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬البنية‭ ‬المؤسسية‭ ‬للأسواق‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تدعمها‭.‬
وعند‭ ‬تحليل‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬تظهر‭ ‬صورة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التوسع‭ ‬الكمي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والقيود‭ ‬الهيكلية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬البورصة‭ ‬الصينية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬توسعاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية،‭ ‬حتى‭ ‬تجاوزت‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬معينة‭ ‬أسواقاً‭ ‬أوروبية‭ ‬كبرى،‭ ‬ثم‭ ‬تخطت‭ ‬السوق‭ ‬اليابانية‭ ‬لتصبح‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬عالمياً‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬الحجم‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬عمقاً‭ ‬مالياً‭ ‬مماثلاً،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حجم‭ ‬السوق‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬محدوداً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عند‭ ‬مقارنته‭ ‬بالسوق‭ ‬الأميركية‭ ‬الأكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬وتكاملاً‭.‬
ويعود‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬اعتماد‭ ‬سياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المراحل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬القيود‭ ‬التنظيمية‭ ‬والإدارية‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬على‭ ‬ديناميكية‭ ‬السوق‭. ‬فقد‭ ‬ساهمت‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأسهم‭ ‬ضعيف‭ ‬الجاذبية‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬كما‭ ‬حدّت‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬شركات‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬السوق،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التنوع‭ ‬والعمق‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬عدد‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نظيره‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬بل‭ ‬وأقل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬ناشئة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬بطء‭ ‬عملية‭ ‬بناء‭ ‬سوق‭ ‬مالية‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬المؤسسات‭.‬
ولا‭ ‬يختلف‭ ‬وضع‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬تأخر‭ ‬أكبر‭ ‬نسبياً‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬التدريجي‭ ‬في‭ ‬حجمه‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬فإن‭ ‬حصته‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عمق‭ ‬هذا‭ ‬السوق،‭ ‬عند‭ ‬قياسه‭ ‬بنسبة‭ ‬قيمته‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬يظل‭ ‬دون‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي،‭ ‬وأقل‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬تطوره‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬تشير‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين،‭ ‬رغم‭ ‬ثقلها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬أعمق‭ ‬لبنيتها‭ ‬المالية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أرادت‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬عملتها‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي‭.‬

سوق‭ ‬المشتقات‭ ‬ودورها‭ ‬
في‭ ‬ترسيخ‭ ‬المكانة‭ ‬النقدية

ولا‭ ‬تكتمل‭ ‬منظومة‭ ‬العملة‭ ‬الاحتياطية‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬سوق‭ ‬متقدمة‭ ‬للمشتقات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬التقليدية،‭ ‬إذ‭ ‬تمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬الأداة‭ ‬الأساسية‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭. ‬فالمشتقات‭ ‬المالية‭ ‬تتيح‭ ‬آليات‭ ‬متقدمة‭ ‬للتحوط‭ ‬وتوزيع‭ ‬المخاطر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬عنصراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الدولي‭.‬
ويُعد‭ ‬حجم‭ ‬وتنوع‭ ‬المشتقات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بكل‭ ‬عملة‭ ‬مؤشراً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حصة‭ ‬المشتقات‭ ‬المقومة‭ ‬باليوان‭ ‬محدودة‭ ‬نسبياً،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬إجمالي‭ ‬المشتقات‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مشتقات‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬درجة‭ ‬منخفضة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬مقارنة‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬أسواق‭ ‬مشتقات‭ ‬واسعة‭ ‬وعميقة‭.‬

هيكل‭ ‬الأصول‭ ‬والخصوم‮…‬‭ ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬المالية‭ ‬الدولية

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تقييم‭ ‬القوة‭ ‬المالية‭ ‬لأي‭ ‬اقتصاد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أسواقه‭ ‬الداخلية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬موقعه‭ ‬ضمن‭ ‬هيكل‭ ‬الأصول‭ ‬والخصوم‭ ‬الدولية،‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬بدوره‭ ‬حجم‭ ‬اندماج‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬إذ‭ ‬تمثل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الدولية‭ ‬الصافية‭ ‬مؤشراً‭ ‬شاملاً‭ ‬يوضح‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬خارجية‭ ‬وما‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬التزامات،‭ ‬كما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬كفاءة‭ ‬توظيف‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭.‬
ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬دور‭ ‬الوسيط‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المودِع‭ ‬أو‭ ‬المتلقي‭ ‬الصافي‭ ‬لرؤوس‭ ‬الأموال‭. ‬وعند‭ ‬مقارنة‭ ‬الصين‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تتضح‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تقارب‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصادين‭ ‬نسبياً،‭ ‬فإن‭ ‬حجم‭ ‬الأصول‭ ‬والخصوم‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الصينية‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬نظيره‭ ‬الأميركي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬درجة‭ ‬اندماج‭ ‬أضعف‭ ‬في‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تحقق‭ ‬فائضاً‭ ‬في‭ ‬صافي‭ ‬أصولها‭ ‬الخارجية،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الفائض‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬قوة‭ ‬مالية‭ ‬نشطة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بتراكم‭ ‬احتياطيات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬التي‭ ‬تتأثر‭ ‬قيمتها‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬وبالتقلبات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬تتعلق‭ ‬بكفاءة‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الأصول‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬عوائد‭ ‬مستدامة‭.‬
وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬الدور‭ ‬الدولي‭ ‬للعملة‭ ‬الصينية‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بحجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬البنيوية‭ ‬تشمل‭ ‬تطوير‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬وتعميق‭ ‬سوق‭ ‬المشتقات،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬إدارة‭ ‬الأصول‭ ‬والخصوم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬الانفتاح‭ ‬المالي‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬تحول‭ ‬اليوان‭ ‬إلى‭ ‬عملة‭ ‬احتياطية‭ ‬عالمية‭ ‬يظل‭ ‬مرهوناً‭ ‬بإصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة‭ ‬تتجاوز‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التقليدي‭.‬

رجوع لأعلى