تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كبار‭ ‬الرؤساء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬يكتشفون‭ ‬متأخرين‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬تصنعه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬من‭ ‬الأخطاء

كبار‭ ‬الرؤساء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬يكتشفون‭ ‬متأخرين‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬تصنعه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬من‭ ‬الأخطاء

في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬قيادة‭ ‬مثالية‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬أو‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬يتمنى‭ ‬أصحابها‭ ‬لو‭ ‬أنهم‭ ‬تعاملوا‭ ‬معها‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭. ‬فحتى‭ ‬أكثر‭ ‬الرؤساء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬نجاحاً،‭ ‬ممن‭ ‬قادوا‭ ‬شركات‭ ‬عملاقة‭ ‬وحققوا‭ ‬نمواً‭ ‬استثنائياً،‭ ‬يحملون‭ ‬معهم‭ ‬لحظات‭ ‬مهنية‭ ‬صعبة‭ ‬شكلت‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬إدارتهم‭ ‬وقيادتهم‭ ‬للمؤسسات‭. ‬وتؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬القائد‭ ‬العادي‭ ‬والقائد‭ ‬المؤثر‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تجنب‭ ‬الخطأ،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬والاستفادة‭ ‬منه‭ ‬لبناء‭ ‬رؤية‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬ومرونة‭.‬

حضور‭ ‬ذهني
أولى‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬يندم‭ ‬عليها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الحضور‭ ‬الذهني‭ ‬الكامل‭. ‬فالرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬والحياة‭ ‬الشخصية؛‭ ‬فعندما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬عائلته،‭ ‬وعندما‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬تبقى‭ ‬الاجتماعات‭ ‬والقرارات‭ ‬والأرقام‭ ‬تلاحقه‭ ‬ذهنياً‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭ ‬يكتشف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬المهني‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬الطويلة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بجودة‭ ‬التركيز‭ ‬والحضور‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها‭. ‬ولهذا‭ ‬أصبح‭ ‬مفهوم‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والعمل‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬القيادة‭ ‬الحديثة،‭ ‬لأن‭ ‬القائد‭ ‬المرهق‭ ‬ذهنياً‭ ‬يفقد‭ ‬تدريجياً‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬متزنة‭ ‬وإدارة‭ ‬فريقه‭ ‬بكفاءة‭.‬
ومن‭ ‬أبرز‭ ‬مصادر‭ ‬الندم‭ ‬أيضاً،‭ ‬انشغال‭ ‬القادة‭ ‬المفرط‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬التشغيلية‭ ‬اليومية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬المديرين‭ ‬التنفيذيين‭ ‬يقضون‭ ‬وقتاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬الملفات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والتدخل‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬التنفيذية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬بعيدين‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الأهم‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يقوموا‭ ‬به،‭ ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬مستقبل‭ ‬الشركة‭ ‬واستكشاف‭ ‬فرص‭ ‬النمو‭ ‬الجديدة،‭ ‬ومع‭ ‬تراكم‭ ‬الخبرات،‭ ‬يدرك‭ ‬القادة‭ ‬الناجحون‭ ‬أن‭ ‬التفويض‭ ‬ليس‭ ‬تخلياً‭ ‬عن‭ ‬المسؤولية،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬ضرورية‭ ‬تمنحهم‭ ‬مساحة‭ ‬للتفكير‭ ‬والتخطيط‭ ‬وصناعة‭ ‬الرؤية‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تفتقد‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لفقدان‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المتغيرة‭ ‬بسرعة‭.‬

قرارات‭ ‬الموظفين
كما‭ ‬يندم‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الرؤساء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬على‭ ‬التأخر‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالموظفين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بأشخاص‭ ‬لا‭ ‬ينسجمون‭ ‬مع‭ ‬ثقافة‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يحققون‭ ‬متطلبات‭ ‬الأداء‭ ‬المطلوبة‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التردد‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬سلبية‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الموظفين‭ ‬وتنعكس‭ ‬على‭ ‬إنتاجية‭ ‬الشركة‭ ‬واستقرارها‭ ‬الداخلي‭. ‬ولهذا‭ ‬يتعلم‭ ‬القادة‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬أن‭ ‬القرارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأفراد‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تؤجل‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬المؤشرات‭ ‬واضحة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬القرارات‭ ‬صعبة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مريحة‭. ‬فالحفاظ‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬المؤسسة‭ ‬وثقة‭ ‬فرق‭ ‬العمل‭ ‬يتطلب‭ ‬أحياناً‭ ‬حسمًا‭ ‬سريعاً‭ ‬وشجاعة‭ ‬إدارية‭ ‬عالية‭.‬
عقلية‭ ‬جماعية
ومن‭ ‬الأخطاء‭ ‬الشائعة‭ ‬كذلك،‭ ‬اعتقاد‭ ‬بعض‭ ‬القادة‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬تعني‭ ‬امتلاك‭ ‬جميع‭ ‬الإجابات‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬بصورة‭ ‬منفردة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬العملية‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬القرارات‭ ‬المعزولة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للأخطاء،‭ ‬لأنها‭ ‬تحرم‭ ‬القائد‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬مخاطر‭ ‬أو‭ ‬فرصاً‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬ولهذا‭ ‬يحرص‭ ‬القادة‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحاً‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الآراء‭ ‬المتنوعة،‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬قناعاتهم‭ ‬الشخصية‭. ‬فالتواصل‭ ‬مع‭ ‬فرق‭ ‬العمل‭ ‬والعملاء‭ ‬والخبراء‭ ‬يمنح‭ ‬الشركات‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬واحتياجات‭ ‬المستهلكين‭.‬

جرأة‭ ‬محسوبة
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يعترف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الرؤساء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬بأن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يندمون‭ ‬عليه‭ ‬ليس‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬اتخذوها،‭ ‬بل‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يجرؤوا‭ ‬على‭ ‬خوضها‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الفشل‭. ‬فالقيادة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬تتطلب‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الجرأة‭ ‬المحسوبة،‭ ‬لأن‭ ‬التردد‭ ‬أحياناً‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬نفسه‭. ‬ولهذا‭ ‬يعتمد‭ ‬القادة‭ ‬الناجحون‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬دقيق‭ ‬للمخاطر،‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬خطط‭ ‬بديلة‭ ‬واستعدادات‭ ‬مسبقة،‭ ‬ثم‭ ‬يتحركون‭ ‬بثقة‭ ‬نحو‭ ‬الفرص‭ ‬الجديدة‭. ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬التجربة‭ ‬النتائج‭ ‬المطلوبة،‭ ‬فإنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬مهم‭ ‬للتعلم‭ ‬والتطوير‭ ‬وصناعة‭ ‬قرارات‭ ‬أفضل‭ ‬مستقبلاً‭.‬

القيم‭ ‬المؤسسية
ومن‭ ‬الدروس‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬يتعلمها‭ ‬كبار‭ ‬القادة‭ ‬أيضاً،‭ ‬خطورة‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الأساسية‭ ‬للمؤسسة‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الأزمات‭ ‬أو‭ ‬المنافسة‭. ‬فبعض‭ ‬الشركات‭ ‬قد‭ ‬تلجأ‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الصعبة‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬تحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬سريعة‭ ‬لكنها‭ ‬تضعف‭ ‬ثقافة‭ ‬المؤسسة‭ ‬وثقة‭ ‬العملاء‭ ‬والموظفين‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬لذلك‭ ‬يحرص‭ ‬القادة‭ ‬المؤثرون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تنسجم‭ ‬قراراتهم‭ ‬دائماً‭ ‬مع‭ ‬رسالة‭ ‬الشركة‭ ‬ومبادئها‭ ‬الأساسية،‭ ‬لأن‭ ‬الثبات‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬يمنح‭ ‬المؤسسات‭ ‬هويتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬ويعزز‭ ‬استدامتها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬

الاعتراف‭ ‬بالخطأ
أما‭ ‬أكثر‭ ‬أنواع‭ ‬الندم‭ ‬تأثيراً،‭ ‬فيرتبط‭ ‬بمحاولة‭ ‬تبرير‭ ‬الأخطاء‭ ‬أو‭ ‬إخفائها‭. ‬فالقادة‭ ‬الحقيقيون‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالخطأ‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬بشفافية‭ ‬يعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يضعفها‭. ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يكتفون‭ ‬بالاعتذار‭ ‬عند‭ ‬الإخفاق،‭ ‬بل‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬الأسباب‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمشكلة‭ ‬وتصحيح‭ ‬المسار‭ ‬بسرعة،‭ ‬مع‭ ‬تحويل‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬درس‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬المؤسسة‭ ‬بأكملها‭. ‬وهذه‭ ‬الثقافة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬المستمر‭ ‬والشفافية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬مؤسسات‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الأزمات‭ ‬وتحقيق‭ ‬النجاح‭ ‬المستدام‭.‬
وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬تؤكد‭ ‬تجارب‭ ‬كبار‭ ‬القادة‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬ليست‭ ‬رحلة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأخطاء،‭ ‬بل‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التعلم‭ ‬والتطوير‭ ‬المستمر‭. ‬فالقائد‭ ‬الناجح‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬يتجنب‭ ‬الفشل‭ ‬تماماً،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يحول‭ ‬الندم‭ ‬إلى‭ ‬خبرة،‭ ‬والتحديات‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬لبناء‭ ‬قرارات‭ ‬أكثر‭ ‬حكمة‭ ‬وفاعلية‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬المؤسسة‭ ‬واستمراريتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬والتأثير‭.‬

رجوع لأعلى