كيف أصبحت TSMC القلب النابض لصناعة الرقائق؟
قبل نحو أربعة عقود، كان الاعتقاد السائد في صناعة أشباه الموصلات أن الشركة الناجحة هي التي تصمم رقائقها وتصنعها داخل مصانعها الخاصة، وأن الاعتماد على طرف ثالث لإنتاج الرقائق يمثل نموذجاً محفوفاً بالمخاطر ولا يملك مقومات الاستمرار. لكن شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC) قلبت هذه القناعة رأساً على عقب، لتصبح اليوم أكبر شركة مستقلة لتصنيع الرقائق في العالم، والشريك الإنتاجي لأبرز شركات التكنولوجيا، مثل آبل وإنفيديا وإيه إم دي وكوالكوم.
وبحلول عام 2025، حققت الشركة إيرادات قياسية بلغت 122.5 مليار دولار، بنمو تجاوز 36 % مقارنة بالعام السابق، كما استحوذت على نحو 69.9 % من سوق خدمات تصنيع الرقائق عالمياً، متقدمة بفارق كبير على أقرب منافسيها. ويعكس هذا النجاح تحول نموذج «التصنيع للغير» من فكرة شكك فيها كثيرون إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد الرقمي العالمي.
بداية مختلفة
تعود جذور هذه القصة إلى عام 1987، عندما أسس المهندس موريس تشانغ الشركة بدعم من الحكومة التايوانية وشركة فيليبس الهولندية، بعد مسيرة طويلة داخل شركة «تكساس إنسترومنتس»، حيث أدرك أن صناعة الرقائق تتجه نحو مرحلة تصبح فيها تكلفة بناء المصانع المتقدمة مرتفعة إلى درجة يصعب على معظم الشركات تحملها.
ورأى تشانغ أن المستقبل سيكون من نصيب الشركات التي تركز على الابتكار والتصميم، بينما تتولى جهة مستقلة عملية التصنيع. وكانت هذه الفكرة غير مألوفة آنذاك، إذ اعتادت الشركات الكبرى الجمع بين التصميم والإنتاج داخل المؤسسة نفسها. ورغم التشكيك الواسع، نجحت الشركة في كسب ثقة عملائها تدريجياً، وكان من أبرز المحطات اجتيازها أكثر من 200 اختبار أمني وتشغيلي وضعتها شركة إنتل في أواخر الثمانينيات قبل اعتمادها شريكاً في التصنيع، وهي خطوة شكلت نقطة تحول في تاريخ الشركة والصناعة بأكملها.
سر النجاح
لم يكن سر تفوق TSMC في امتلاك مصانع متطورة فقط، بل في التزامها منذ تأسيسها بمبدأ الحياد الكامل، إذ اتخذت قراراً استراتيجياً بعدم تصميم أو بيع أي رقائق تحمل علامتها التجارية، حتى لا تتحول إلى منافس لعملائها.
وأتاح هذا النهج لشركات التكنولوجيا مشاركة أكثر تصاميمها وتقنياتها حساسية مع الشركة بثقة، لأنها كانت تعلم أن هذه المعرفة لن تستخدم لإطلاق منتجات منافسة.
وبفضل هذا النموذج، ازدهرت شركات التصميم المعروفة بـ«عديمة المصانع» مثل إنفيديا وكوالكوم وإيه إم دي وميدياتك، التي ركزت على تطوير الشرائح الإلكترونية، بينما تولت TSMC تصنيعها بأحدث التقنيات.
وبحلول عام 2025، كانت الشركة تخدم 534 عميلاً، وأنتجت أكثر من 12,680 منتجاً باستخدام 305 تقنيات تصنيع مختلفة، وهو ما يعكس حجم التنوع والمرونة التي وصلت إليها عملياتها.
الذكاء الاصطناعي
شهدت الشركة قفزة جديدة مع الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ ارتفع الطلب بصورة غير مسبوقة على المعالجات المتطورة، خاصة تلك التي تعتمد عليها شركة إنفيديا في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وأصبحت مصانع TSMC تعمل بطاقات إنتاجية مرتفعة لتصنيع الرقائق بتقنية 3 نانومتر، بالتزامن مع الاستعداد للإنتاج التجاري لتقنية 2 نانومتر، التي تمثل الجيل الأحدث في صناعة أشباه الموصلات.
وأكدت الإدارة التنفيذية للشركة أن الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي لا يزال يتجاوز القدرة الإنتاجية الحالية، ما دفعها إلى تسريع خطط التوسع داخل تايوان، إضافة إلى إنشاء مصانع جديدة في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.
وانعكس هذا الزخم على نتائجها المالية، إذ ارتفعت إيرادات النصف الأول من العام الحالي بنحو 35.6 % إلى 74 مليار دولار، بينما قفز صافي الأرباح بنسبة 66 % ليبلغ 39.5 مليار دولار، في واحدة من أقوى فترات النمو بتاريخ الشركة.
سباق عالمي
في الوقت نفسه، أصبحت صناعة الرقائق محوراً رئيسياً للتنافس الاقتصادي والجيوسياسي، مع تسابق الدول والشركات الكبرى على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية.
وتستثمر TSMC نحو 165 مليار دولار في مجمعها الصناعي بولاية أريزونا الأميركية، الذي يضم ستة مصانع متقدمة ومرافق للتغليف ومركزاً للأبحاث، بينما تنفذ سامسونج مشروعاً تزيد استثماراته على 37 مليار دولار في ولاية تكساس، وتستثمر إنتل أكثر من 28 مليار دولار لإنشاء مصانع جديدة في ولاية أوهايو.
ورغم هذه المنافسة الضخمة، لا تزال الشركة تحتفظ بفارق واسع عن منافسيها، مستفيدة من خبرتها التقنية الطويلة، وقدرتها على الإنتاج بكميات ضخمة، وثقة العملاء الذين يعتمدون عليها في تصنيع أكثر الرقائق تطوراً في العالم.
وبذلك، أصبحت الشركة التي بدأت عام 1987 بفكرة بدت لكثيرين مغامرة غير محسوبة، نموذجاً يعاد تدريسه في عالم الأعمال، بعدما أثبتت أن الابتكار لا يقتصر على تطوير المنتجات، بل قد يبدأ أحياناً بإعادة ابتكار نموذج العمل نفسه. واليوم، ومع ازدياد الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، تبدو TSMC في موقع يجعلها أحد أهم اللاعبين في الاقتصاد العالمي، ليس فقط لأنها تصنع الرقائق، بل لأنها أسهمت في إعادة تشكيل صناعة كاملة أصبحت العمود الفقري للعالم الرقمي الحديث.