تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬المستخدمين‭ ‬إلى‭ ‬مناجم‭ ‬أرباح؟

كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬المستخدمين‭ ‬إلى‭ ‬مناجم‭ ‬أرباح؟

في‭ ‬عالم‭ ‬يبدو‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مجانيًا‭ ‬على‭ ‬الإنترنت،‭ ‬هناك‭ ‬ثمن‭ ‬يُدفع‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭. ‬فكل‭ ‬تمريرة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬الهاتف،‭ ‬وكل‭ ‬إعجاب‭ ‬أو‭ ‬تعليق‭ ‬أو‭ ‬مشاهدة،‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تدر‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الكبرى‭. ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬تقف‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬المحتوى‭ ‬بقدر‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬‮«‬انتباه‭ ‬المستخدمين‮»‬‭ ‬للمعلنين‭.‬

هيمنة‭ ‬رقمية
تحولت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عملاقة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬المستخدمين‭ ‬وإبقائهم‭ ‬أطول‭ ‬فترة‭ ‬ممكنة‭ ‬داخل‭ ‬التطبيقات‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شركة‭ ‬ميتا‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬الحصة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬العالمي‭ ‬عبر‭ ‬منصة‭ ‬فيسبوكبنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬68‭.‬56‭ %‬،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬7‭.‬11‭ % ‬عبر‭ ‬إنستغرام،‭ ‬فيما‭ ‬تستحوذ‭ ‬منصة‭ ‬إكس‭ ‬على‭ ‬حوالي‭ ‬8‭.‬9‭ % ‬من‭ ‬السوق‭. ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬حجم‭ ‬الانتشار،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المستخدمين‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬رقمية‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬عالية‭ ‬للمعلنين‭.‬

اقتصاد‭ ‬الانتباه
الفكرة‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬يمكن‭ ‬اختصارها‭ ‬بعبارة‭ ‬شهيرة‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تدفع‭ ‬مقابل‭ ‬الخدمة،‭ ‬فأنت‭ ‬المنتج‮»‬‭. ‬فالمنصات‭ ‬لا‭ ‬تبيع‭ ‬المحتوى‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬تبيع‭ ‬الوقت‭ ‬والانتباه‭ ‬والبيانات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسلوك‭ ‬المستخدمين‭. ‬وكلما‭ ‬قضى‭ ‬المستخدم‭ ‬وقتًا‭ ‬أطول‭ ‬في‭ ‬التصفح،‭ ‬ازدادت‭ ‬فرص‭ ‬ظهور‭ ‬الإعلانات‭ ‬أمامه،‭ ‬وارتفعت‭ ‬احتمالات‭ ‬تفاعله‭ ‬معها‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬نموذج‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الإعلانات،‭ ‬فإن‭ ‬الفارق‭ ‬الأساسي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬دقة‭ ‬الاستهداف‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬بث‭ ‬إعلان‭ ‬لجمهور‭ ‬واسع،‭ ‬تستطيع‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬اليوم‭ ‬تحديد‭ ‬المستخدم‭ ‬المناسب‭ ‬للإعلان‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬اهتماماته‭ ‬وسلوكياته‭ ‬وموقعه‭ ‬الجغرافي‭ ‬وحتى‭ ‬تفضيلاته‭ ‬الشرائية،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬المعلنين‭ ‬كفاءة‭ ‬أعلى‭ ‬وعائداً‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإعلاني‭.‬

مليارات‭ ‬من‭ ‬البيانات
تعتمد‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬مؤشرات‭ ‬مالية‭ ‬دقيقة‭ ‬لقياس‭ ‬حجم‭ ‬العائدات،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬‮«‬متوسط‭ ‬الإيراد‭ ‬لكل‭ ‬مستخدم‮»‬‭ ‬و«عدد‭ ‬المستخدمين‭ ‬النشطين‭ ‬يومياً‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬الإيراد‭ ‬السنوي‭ ‬لكل‭ ‬مستخدم‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬ميتا‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬49‭.‬63‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يبدو‭ ‬محدوداً‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬بشكل‭ ‬فردي،‭ ‬لكنه‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬عند‭ ‬احتسابه‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬المستخدمين‭ ‬الضخمة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬
هذه‭ ‬العوائد‭ ‬الهائلة‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬للشركة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1‭.‬5‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬بحلول‭ ‬مايو‭ ‬2026،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬نجاح‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬ركزت‭ ‬أولًا‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬وجذب‭ ‬المستخدمين،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الدخل‭ ‬لاحقاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإعلانات‭ ‬والخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭. ‬فكل‭ ‬مستخدم‭ ‬جديد‭ ‬يعني‭ ‬مساحة‭ ‬إضافية‭ ‬للإعلانات‭ ‬وفرصة‭ ‬أكبر‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأرباح‭.‬

الإعلانات‭ ‬أولًا
ورغم‭ ‬تنوع‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬منصات‭ ‬التواصل،‭ ‬تبقى‭ ‬الإعلانات‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للدخل،‭ ‬وتستخدم‭ ‬الشركات‭ ‬نماذج‭ ‬متعددة‭ ‬تشمل‭ ‬الإعلانات‭ ‬الموجهة،‭ ‬وإعلانات‭ ‬الفيديو،‭ ‬والإعلانات‭ ‬داخل‭ ‬تطبيقات‭ ‬المراسلة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الإعلانات‭ ‬المدمجة‭ ‬أثناء‭ ‬تصفح‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬وتعتمد‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬البيانات‭ ‬الضخمة‭ ‬لتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬الاستهداف‭ ‬ورفع‭ ‬فعالية‭ ‬الحملات‭ ‬التسويقية‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬جاءت‭ ‬الاستحواذات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬‮«‬ميتا‮»‬‭. ‬فعندما‭ ‬استحوذت‭ ‬الشركة‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬واتساب‭ ‬مقابل‭ ‬19‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬بدا‭ ‬الرقم‭ ‬ضخماً‭ ‬آنذاك،‭ ‬لكن‭ ‬التطبيق‭ ‬كان‭ ‬يمتلك‭ ‬قاعدة‭ ‬مستخدمين‭ ‬هائلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬450‭ ‬مليون‭ ‬مستخدم‭ ‬نشط‭ ‬شهرياً‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بالنمو‭ ‬إلى‭ ‬مليار‭ ‬مستخدم‭. ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬استحواذها‭ ‬على‭ ‬‮«‬إنستغرام‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬مصادر‭ ‬الإيرادات‭ ‬الإعلانية‭ ‬للشركة‭.‬
ورغم‭ ‬اعتقاد‭ ‬كثيرين‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬تحقق‭ ‬أرباحاً‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬والمنشورات‭ ‬الشخصية،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬مختلف‭ ‬نسبياً‭. ‬فالمحتوى‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يُباع،‭ ‬لكنه‭ ‬يمثل‭ ‬العنصر‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬يجذب‭ ‬المستخدمين‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬بقائهم‭ ‬داخل‭ ‬المنصة،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬بيئة‭ ‬مثالية‭ ‬لعرض‭ ‬الإعلانات‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأرباح‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬المحتوى‭ ‬هو‭ ‬الوقود،‭ ‬بينما‭ ‬الإعلانات‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬الدخل‭ ‬الحقيقي‭.‬
وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬المنصات‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬دخل‭ ‬إضافية‭. ‬فقد‭ ‬أطلقت‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬إكس‮»‬‭ ‬خدمة‭ ‬اشتراك‭ ‬مدفوعة‭ ‬تمنح‭ ‬المستخدمين‭ ‬مزايا‭ ‬إضافية،‭ ‬بينما‭ ‬تراهن‭ ‬‮«‬ميتا‮»‬‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬الميتافيرس‮»‬‭ ‬باعتباره‭ ‬مستقبلاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬جديداً‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬نماذج‭ ‬ربح‭ ‬مختلفة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬العوالم‭ ‬الافتراضية‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬المتقدمة‭.‬
أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لصناع‭ ‬المحتوى،‭ ‬فقد‭ ‬وفرت‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬فرصًا‭ ‬لتحقيق‭ ‬دخل‭ ‬مباشر‭ ‬عبر‭ ‬الإعلانات‭ ‬وبرامج‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الأرباح‭. ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لبعض‭ ‬المقاطع‭ ‬المصورة‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬ملايين‭ ‬المشاهدات‭ ‬أن‭ ‬تدر‭ ‬آلاف‭ ‬الدولارات،‭ ‬لكن‭ ‬حجم‭ ‬العائد‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بعوامل‭ ‬مثل‭ ‬نوع‭ ‬الجمهور،‭ ‬ومعدل‭ ‬التفاعل،‭ ‬وطبيعة‭ ‬المحتوى‭.‬
في‭ ‬النهاية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مجرد‭ ‬منصات‭ ‬للتواصل‭ ‬والترفيه،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬منظومات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متكاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬الوقت‭ ‬والانتباه‭ ‬والبيانات‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬تطور‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬أدوات‭ ‬تحقيق‭ ‬الأرباح،‭ ‬لكن‭ ‬المبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬سيبقى‭ ‬قائماً‭: ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬الانتباه،‭ ‬كل‭ ‬ثانية‭ ‬يقضيها‭ ‬المستخدم‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬تحمل‭ ‬قيمة‭ ‬مالية‭ ‬هائلة‭ ‬للشركات‭ ‬الرقمية‭.‬

رجوع لأعلى