كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من أن يصبح عدواً للعمال الشباب؟
مع تسارع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الثورة التقنية إلى عامل يوسع الفجوة بين الأجيال داخل سوق العمل، بدلاً من أن تكون فرصة متساوية للجميع. ففي الوقت الذي تحقق فيه الشركات الكبرى أرباحاً قياسية بفضل الاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام فرص عمل أقل، ومنافسة أشد، ودخول أكثر صعوبة إلى سوق العمل.
وتقدم كوريا الجنوبية اليوم نموذجاً يستحق المتابعة، ليس لأنها من أكبر المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، وإنما لأنها تكشف في الوقت ذاته عن الآثار الجانبية التي قد تواجهها الاقتصادات الأخرى إذا لم تواكب التحولات التقنية بسياسات توظيف وتدريب أكثر مرونة.
أرباح ضخمة
تعد كوريا الجنوبية من أبرز الرابحين عالمياً من طفرة الذكاء الاصطناعي، إذ ارتفع الطلب بصورة غير مسبوقة على الرقائق الإلكترونية المستخدمة في تشغيل مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس على أداء عمالقة الصناعة مثل سامسونج للإلكترونيات وإس كيه هاينكس.
وقد تجاوزت القيمة السوقية للشركتين حاجز التريليون دولار، بينما استفاد العاملون فيهما من اتفاقيات قوية لتقاسم الأرباح بفضل نفوذ النقابات العمالية. ففي مايو الماضي، توصلت سامسونج إلى اتفاق مع نقابتها يمنح موظفي قطاع رقائق الذاكرة مكافآت متوسطة تصل إلى نحو 400 ألف دولار، في واحدة من أكبر عمليات تقاسم الأرباح في تاريخ الشركة.
ولذلك ليس مستغرباً أن تظهر استطلاعات الرأي أن الكوريين الجنوبيين أكثر تفاؤلاً تجاه الذكاء الاصطناعي مقارنة بسكان معظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى.
فجوة متسعة
لكن هذه الصورة الإيجابية تخفي واقعاً أكثر تعقيداً. ففوائد الذكاء الاصطناعي لا تصل إلى جميع العاملين بنفس الدرجة، إذ تظل شريحة واسعة من الموظفين والمتعاقدين خارج دائرة المكاسب.
فالعاملون لدى المقاولين الفرعيين الذين يقدمون خدمات للشركات العملاقة لا يحصلون عادة على الامتيازات نفسها، كما يعانون مستويات أقل من الأجور والاستقرار الوظيفي، وهو ما يعمق الانقسام التقليدي داخل سوق العمل الكوري بين العاملين في الشركات الكبرى وبين العاملين في الشركات الصغيرة أو الوظائف المؤقتة.
ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تقليص فجوة الدخل، قد يسهم في توسيعها عندما تتركز مكاسبه في عدد محدود من الشركات والموظفين.
خسائر الشباب
القلق الأكبر يتعلق بالشباب الذين يحاولون دخول سوق العمل لأول مرة.
فقد أظهرت دراسة أعدها اقتصاديان من بنك كوريا اختفاء نحو 211 ألف وظيفة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً خلال السنوات الثلاث الماضية، في الوقت الذي ارتفع فيه توظيف العاملين في الخمسينيات من العمر بنحو 209 آلاف وظيفة.
وتشير هذه الأرقام إلى تحول واضح في أولويات التوظيف، حيث أصبحت الشركات أكثر ميلاً للاحتفاظ بالعاملين ذوي الخبرة والاستفادة منهم، بينما تقلص فرص توظيف الخريجين والموظفين الجدد.
وتبرز هذه الظاهرة بصورة أوضح في القطاعات الأكثر ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي، إذ تراجعت معدلات توظيف الشباب بنسبة 11.2 % في برمجة الحاسـب وإدارة الأنظمة، و20.4 % في قطاع النشر، و8.8 % في الخدمات المهنية، و23.8 % في خدمات المعلومات.
تحيز الأقدمية
ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل جميع الوظائف بنفس الطريقة، بل يميل إلى أتمتة المهام الروتينية التي غالباً ما يؤديها الموظفون المبتدئون، بينما يعزز إنتاجية العاملين الذين يمتلكون خبرات تراكمية ومهارات اجتماعية وإدارية يصعب استبدالها.
ويخلق هذا الواقع ما يمكن وصفه بـ«التحيز للأقدمية»، حيث تزداد قيمة الموظفين الأكثر خبرة، بينما تصبح نقطة دخول الشباب إلى سوق العمل أكثر صعوبة من السابق.
ورغم ظهور مؤشرات مشابهة في الولايات المتحدة وبعض الاقتصادات المتقدمة، فإن التجربة الكورية تبدو أكثر وضوحاً بسبب الطبيعة الخاصة لسوق العمل، الذي يمنح الموظفين الدائمين في الشركات الكبرى مستويات مرتفعة من الحماية الوظيفية.
تحديات هيكلية
ويرى خبراء سوق العمل أن الأزمة الحالية ليست نتيجة الذكاء الاصطناعي وحده، بل تعكس مشكلات هيكلية أقدم.
فحتى قبل إطلاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كانت الشركات الكبرى في كوريا الجنوبية تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا ورأس المال، مع تقليص وتيرة التوظيف المباشر والاعتماد أكثر على التعهيد الخارجي.
وفي المقابل، تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في رفع الإنتاجية، ما يحد من قدرتها على دفع أجور تنافسية أو جذب الكفاءات الشابة، لتدخل في دائرة يصعب كسرها؛ انخفاض الإنتاجية يؤدي إلى ضعف الأجور، وضعف الأجور يقلل القدرة على استقطاب المواهب، ما ينعكس مجدداً على الإنتاجية.
ويؤدي ذلك إلى تكدس الخريجين في سباق محدود على وظائف الشركات الكبرى والقطاع الحكومي، بينما تبقى آلاف الفرص في الشركات الصغيرة أقل جاذبية.
حلول ممكنة
ورغم هذه التحديات، تمتلك كوريا الجنوبية فرصة لمعالجة المشكلة بفضل الإيرادات الضريبية المرتفعة الناتجة عن ازدهار صناعة أشباه الموصلات.
وتعمل الحكومة على إنشاء صندوق للاستجابة المستقبلية يهدف إلى الاستثمار في مشروعات استراتيجية، وتقليص فجوات عدم المساواة، ودعم الشباب الباحثين عن العمل.
ومن بين أكثر الحلول واقعية تقديم حوافز مالية للشركات التي توظف الخريجين الجدد وتوفر لهم برامج تدريب طويلة الأجل، حتى وإن لم تحقق هذه الوظائف عائداً فورياً على الشركات.
كما يمكن توسيع برامج إعادة التأهيل المهني، وتوفير التدريب المستمر للعاملين، إضافة إلى منح الشركات الصغيرة والمتوسطة دعماً يساعدها على تحسين الإنتاجية ورفع الأجور.
نموذج استباقي لما قد تواجهه اقتصادات العالم
في نهاية المطاف، تبدو كوريا الجنوبية بمثابة نموذج استباقي لما قد تواجهه اقتصادات العالم خلال السنوات المقبلة مع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي. فالتحدي لم يعد يتمثل في تطوير التكنولوجيا أو توسيع استخدامها، بل في ضمان توزيع مكاسبها بصورة عادلة، وعدم تحولها إلى عامل يعمق الفجوة بين الأجيال ويقيد فرص الشباب في دخول سوق العمل. وبينما ستواصل تطبيقات الذكاء الاصطناعي إعادة رسم ملامح الوظائف، يبقى الاستثمار في التدريب، ودعم التوظيف، وتشجيع ريادة الأعمال، هو الضمانة الحقيقية لتحويل هذا التحول التقني إلى فرصة للنمو الشامل، بدلاً من أن يصبح تهديداً لجيل كامل من العاملين الجدد.