تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف‭ ‬يعيد‭ ‬فيضان‭ ‬التقنية‭ ‬تشكيل‭ ‬خارطة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي؟

كيف‭ ‬يعيد‭ ‬فيضان‭ ‬التقنية‭ ‬تشكيل‭ ‬خارطة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي؟

تشير‭ ‬التطورات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬بروز‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«الصدمة‭ ‬الصينية‭ ‬الثانية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬كلياً‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الصدمة‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات‭ ‬وأوائل‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬قد‭ ‬تميزت‭ ‬بتدفق‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الرخيصة‭ ‬والمنتجات‭ ‬الصناعية‭ ‬التقليدية،‭ ‬فإن‭ ‬الموجة‭ ‬الحالية‭ ‬تأتي‭ ‬عبر‭ ‬فيضان‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتقدمة‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الجوهري‭ ‬يضع‭ ‬العالم‭ ‬أمام‭ ‬معضلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وجيوسياسية‭ ‬معقدة،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬المصالح‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬طموحات‭ ‬السيادة‭ ‬التكنولوجية‭.‬
ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواجه‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬تباطؤ‭ ‬معدلات‭ ‬النمو،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والطاقة،‭ ‬واضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬المزمنة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التدفق‭ ‬الصيني‭ ‬عاملاً‭ ‬ضاغطاً‭ ‬ومؤثراً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬وبحسب‭ ‬تقرير‭ ‬نشرته‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز،‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬موجة‭ ‬منافسة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬تقودها‭ ‬بكين‭ ‬عبر‭ ‬صادرات‭ ‬تقنية‭ ‬تغزو‭ ‬أسواقاً‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الغربية‭ ‬واليابانية‭ ‬العريقة‭.‬
لم‭ ‬تعد‭ ‬الصين‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مصنع‭ ‬العالم‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬الملابس‭ ‬والألعاب‭ ‬والسلع‭ ‬منخفضة‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة؛‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬تكنولوجية‭ ‬متقدمة‭. ‬اليوم،‭ ‬تتركز‭ ‬القوة‭ ‬التصديرية‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬سلع‭ ‬عالية‭ ‬القيمة‭ ‬مثل‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ (‬EVs‭)‬،‭ ‬وبطاريات‭ ‬الليثيوم،‭ ‬ومعدات‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬وحتى‭ ‬الطيران‭ ‬المدني‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬صنع‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬2025‮»‬‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الخطط‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬التي‭ ‬هدفت‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الكثافة‭ ‬العمالية‭ ‬والأجور‭ ‬المنخفضة‭ ‬إلى‭ ‬الابتكار‭ ‬الكثيف‭. ‬وقد‭ ‬دعمت‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬عبر‭:‬
1‭ – ‬استثمارات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ (‬R&D‭): ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الصين‭ ‬تنافس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬والإنفاق‭ ‬التقني‭.‬
2‭ – ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬المباشر‭: ‬عبر‭ ‬قروض‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬وإعانات‭ ‬للمصانع،‭ ‬وتوفير‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬لوجستية‭ ‬متطورة‭.‬
3‭ – ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬لسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬المحلية‭: ‬مما‭ ‬سمح‭ ‬للشركات‭ ‬الصينية‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مراحل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ (‬مثل‭ ‬الكوبالت‭ ‬والليثيوم‭) ‬إلى‭ ‬تجميع‭ ‬المنتج‭ ‬النهائي،‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬كاسحة‭ ‬في‭ ‬التكلفة‭ ‬والسرعة‭.‬

معضلة‭ ‬الفائض‭ ‬الصيني

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬هو‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬المعروض‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬التقنية‭ ‬الصينية‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬تباطؤ‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬داخل‭ ‬الصين‭ ‬نتيجة‭ ‬لأزمة‭ ‬العقارات‭ ‬وتراجع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العائلي،‭ ‬وجدت‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬فائض‭ ‬إنتاجي‭ ‬ضخم‭. ‬وللحفاظ‭ ‬على‭ ‬دوران‭ ‬عجلة‭ ‬مصانعها،‭ ‬اتجهت‭ ‬بكين‭ ‬لتصدير‭ ‬هذا‭ ‬الفائض‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بأسعار‭ ‬تنافسية‭ ‬للغاية‭.‬
هذا‭ ‬التدفق‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الكم،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬‮«‬النوعية‮»‬‭ ‬أيضاً‭. ‬فالسيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬الصينية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُنافس‭ ‬بالسعر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تقدم‭ ‬تقنيات‭ ‬برمجية‭ ‬ومدى‭ ‬بطاريات‭ ‬يتفوق‭ ‬أحياناً‭ ‬على‭ ‬نظيراتها‭ ‬الأوروبية‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يضع‭ ‬ضغوطاً‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬موازنة‭ ‬تكاليفها‭ ‬المرتفعة‭ ‬مع‭ ‬الأسعار‭ ‬الصينية‭ ‬المدعومة‭.‬

أوروبا‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬العاصفة

تُعد‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وخاصة‭ ‬ألمانيا،‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬تأثراً‭ ‬بهذه‭ ‬الموجة‭. ‬تعتمد‭ ‬أوروبا‭ ‬اقتصادياً‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬الهندسية‭ ‬والميكانيكية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتعتبر‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬‮«‬جوهرة‭ ‬التاج‮»‬‭ ‬في‭ ‬اقتصادها‭. ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية‭ ‬الصينية‭ ‬مثل‭ ‬BYD‭ ‬وNio‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركات‭ ‬التقليدية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬فولكس‭ ‬فاجن‮»‬‭ ‬و«رينو‮»‬‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬دفاعي‭ ‬صعب‭.‬
بدأت‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات،‭ ‬مثل‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬الصيني‭ ‬للسيارات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬ودراسة‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬تعويضية‭. ‬لكن‭ ‬أوروبا‭ ‬تواجه‭ ‬معضلة‭: ‬فهي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التقنية‭ ‬الصينية‭ ‬الرخيصة‭ (‬خاصة‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية‭ ‬والبطاريات‭) ‬لتحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬المناخية،‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تخشى‭ ‬على‭ ‬قاعدتها‭ ‬الصناعية‭ ‬من‭ ‬الاندثار‭.‬

المنافسة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الأمن‭ ‬القومي

في‭ ‬واشنطن،‭ ‬لا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الصدمة‭ ‬الصينية‭ ‬الثانية‮»‬‭ ‬كمشكلة‭ ‬تجارية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كـ‭ ‬تهديد‭ ‬استراتيجي‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المستقبل‭ (‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬الحوسبة‭ ‬الكمية‭) ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستحدد‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬
لذلك،‭ ‬تبنت‭ ‬واشنطن‭ ‬سياسات‭ ‬‮«‬حمائية‭ ‬هادفة‮»‬‭ ‬تشمل‭:‬
1‭ – ‬قانون‭ ‬خفض‭ ‬التضخم‭ (‬IRA‭): ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬حوافز‭ ‬ضخمة‭ ‬لتوطين‭ ‬صناعة‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭.‬
2‭ – ‬قانون‭ ‬الرقائق‭ (‬CHIPS‭ ‬Act‭): ‬لضمان‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬الصينية‭.‬
3‭ – ‬سياسة‭ ‬‮«‬الحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‮»‬‭ (‬De-risking‭): ‬وهي‭ ‬محاولة‭ ‬تنويع‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الحساسة،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الروابط‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬الاستراتيجية‭.‬
تمثل‭ ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬للأسواق‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬فرصة‭ ‬وتحدياً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬
الفرص‭: ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لتسريع‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ويرفع‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ (‬مثل‭ ‬فيتنام‭ ‬والمكسيك‭) ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬تنويع‭ ‬إنتاجها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الصين‭.‬
التحديات‭: ‬تواجه‭ ‬الصناعات‭ ‬المحلية‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬خطر‭ ‬‮«‬الخنق‮»‬‭ ‬في‭ ‬مهدها‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬منافسة‭ ‬الأسعار‭ ‬الصينية،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحول‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أسواق‭ ‬استهلاكية‭ ‬للمنتجات‭ ‬الصينية‭ ‬دون‭ ‬تطوير‭ ‬قاعدة‭ ‬إنتاجية‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭.‬

إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والنفوذ‭ ‬الجيوسياسي

أحد‭ ‬التأثيرات‭ ‬الأعمق‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خارطة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭. ‬التكنولوجيا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬سلعة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬نفوذ‭. ‬الصين‭ ‬تستخدم‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الحلول‭ ‬المتكاملة‮»‬‭ (‬توفير‭ ‬التكنولوجيا‭ + ‬التمويل‭ + ‬البنية‭ ‬التحتية‭) ‬لتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي،‭ ‬مما‭ ‬يمنحها‭ ‬نفوذاً‭ ‬سياسياً‭ ‬كبيراً‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬يتجه‭ ‬العالم‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬تعددية‭ ‬الأقطاب‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‮»‬‭. ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬بدأت‭ ‬تتبنى‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬الصين‭ + ‬1‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المصانع‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬لخدمة‭ ‬السوق‭ ‬الصيني،‭ ‬مع‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬إنتاجية‭ ‬موازية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسواق‭ ‬الغربية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كفاءة‭ ‬التكلفة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المعيار‭ ‬الوحيد،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬الموثوقية‮»‬‭ ‬و«الأمن‮»‬‭ ‬عناصر‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الاستثماري‭.‬

مستقبل‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭: ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬جديد؟

من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬‮«‬الصدمة‭ ‬الصينية‭ ‬الثانية‮»‬‭ ‬في‭ ‬تصدر‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬للعقد‭ ‬المقبل‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬الصين‭ ‬لن‭ ‬تتراجع‭ ‬عن‭ ‬طموحاتها‭ ‬التقنية،‭ ‬والغرب‭ ‬لن‭ ‬يقبل‭ ‬بالتنازل‭ ‬عن‭ ‬سيادته‭ ‬الصناعية‭ ‬بسهولة‭. ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بلقنة‮»‬‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬أي‭ ‬ظهور‭ ‬معايير‭ ‬تقنية‭ ‬وأنظمة‭ ‬إيكولوجية‭ ‬منفصلة‭ (‬واحدة‭ ‬تقودها‭ ‬الصين‭ ‬وأخرى‭ ‬تقودها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭).‬
سيعتمد‭ ‬شكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬بسرعة‭ ‬تفوق‭ ‬سرعة‭ ‬‮«‬الفيضان‭ ‬الصيني‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬نجاح‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ (‬مثل‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭) ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬رأسمالية‭ ‬الدولة‮»‬‭ ‬والمنافسة‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭.‬

من‭ ‬يبتكر‭ ‬أولاً

تشكل‭ ‬‮«‬الصدمة‭ ‬الصينية‭ ‬الثانية‮»‬‭ ‬تحولاً‭ ‬تاريخياً؛‭ ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬المعركة‭ ‬من‭ ‬‮«‬من‭ ‬ينتج‭ ‬أرخص‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬من‭ ‬يبتكر‭ ‬أولاً‭ ‬ويسيطر‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬المستقبل‮»‬‭. ‬وبينما‭ ‬توفر‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أدوات‭ ‬تقنية‭ ‬متطورة‭ ‬بأسعار‭ ‬زهيدة‭ ‬قد‭ ‬تنقذ‭ ‬الكوكب‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬المناخ،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬التقليدية‭. ‬إن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستكون‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬سيتجه‭ ‬نحو‭ ‬تعاون‭ ‬تقني‭ ‬مفتوح،‭ ‬أم‭ ‬نحو‭ ‬صراع‭ ‬جمركي‭ ‬وتقني‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬الأسوار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

رجوع لأعلى