لماذا لا تزال الولايات المتحدة تتصدر الأسواق العالمية؟
رغم تصاعد الحديث في السنوات الأخيرة عن تراجع «الاستثنائية الأمريكية» وصعود مراكز اقتصادية منافسة، لا تزال الولايات المتحدة تحافظ على موقعها باعتبارها الوجهة الأولى لرؤوس الأموال العالمية. فكل دورة اقتصادية تقريباً تشهد توقعات بانحسار الهيمنة الأمريكية، إلا أن الأسواق تعود في كل مرة لتؤكد قدرة الاقتصاد الأميركي على استعادة زخمه، مدعوماً بعمق أسواقه المالية، وقوة الدولار، ومرونة مؤسساته، وريادته في الابتكار والتكنولوجيا.
وترى الكاتبة ليز آن سوندرز، في تحليل نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، أن النقاش الدائر حول تراجع النفوذ الاقتصادي الأميركي غالباً ما يركز على تحديات مثل اتساع العجز المالي، وارتفاع الدين العام، وتنامي الدعوات إلى تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية، لكنه يغفل في المقابل العوامل البنيوية التي ما زالت تمنح الولايات المتحدة تفوقاً يصعب على الاقتصادات الأخرى مجاراته.
وتشير إلى أن استمرار تدفق الاستثمارات العالمية إلى الأسواق الأميركية، بدلاً من خروجها منها، يعكس أن المستثمرين ما زالوا يعتبرون الولايات المتحدة الملاذ الأكثر أماناً والأكثر قدرة على تحقيق العوائد على المدى الطويل، رغم الضبابية السياسية والاقتصادية التي تشهدها الساحة الدولية.
عمق الأسواق
وتبدأ عناصر التفوق الأميركي، وفق التحليل، من البنية التشغيلية لأسواق المال، إذ تستحوذ الأسهم الأميركية على نحو 60% من القيمة السوقية للأسهم العالمية، بينما تظل سوق سندات الخزانة الأميركية الأكبر والأكثر سيولة على مستوى العالم.
ولا يمثل هذا الحجم مجرد مؤشر على قوة الاقتصاد، بل يوفر ميزة يصعب تكرارها، إذ تحتاج الصناديق السيادية ومديرو الأصول الذين يديرون مئات المليارات من الدولارات إلى أسواق يمكنهم الدخول إليها والخروج منها دون التأثير في الأسعار، وهو ما توفره الأسواق الأميركية بدرجة لا تزال غير متاحة في أي سوق أخرى.
ويرى خبراء أن السيولة العميقة أصبحت أحد أهم عناصر الجاذبية الاستثمارية، لأن المستثمرين الكبار لا يبحثون فقط عن العائد، بل عن القدرة على إدارة استثماراتهم بكفاءة في مختلف الظروف الاقتصادية.
محدودية البدائل
ورغم المكانة الاقتصادية الكبيرة لمنطقة اليورو، فإن أسواقها المالية لا تزال تعاني من التشتت، إذ تعتمد على أسواق سندات وطنية تختلف في مستويات الجدارة الائتمانية، وهو ما يحد من قدرتها على منافسة السوق الأميركية الموحدة.
أما الصين، فرغم امتلاكها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وسوقاً مالية ضخمة، فإن القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال لا تزال تحد من جاذبيتها بالنسبة للمستثمرين الدوليين، الذين يفضلون الأسواق التي تتيح حرية أكبر في تحويل الأموال والدخول والخروج من الاستثمارات.
ويشير التحليل إلى أن هذه القيود قد تكون مبررة من منظور السياسات الاقتصادية الصينية، لكنها تقلل في الوقت نفسه من قدرة بكين على منافسة الولايات المتحدة كمركز مالي عالمي.
قوة المؤسسات
ولا يقتصر التفوق الأميركي على الاقتصاد والأسواق، بل يمتد إلى البيئة المؤسسية، إذ تتمتع الولايات المتحدة بمنظومة قانونية وتنظيمية توفر درجة مرتفعة من الثقة للمستثمرين.
فالعقود تنفذ بصورة مستقرة، والمحاكم تتمتع باستقلالية كبيرة، والمعايير المحاسبية والإفصاح المالي واضحة ومتسقة، وهو ما يقلل من المخاطر القانونية والتنظيمية التي تواجه المستثمرين.
ويرى محللون أن هذه العوامل قد تبدو تقليدية، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يقارن المستثمرون بين الولايات المتحدة وأسواق ناشئة أو حتى بعض الاقتصادات المتقدمة التي تواجه تحديات تنظيمية أو سياسية.
الابتكار والذكاء الاصطناعي
ويؤكد التقرير أن العنصر الأكثر تأثيراً في المرحلة الحالية يتمثل في منظومة الابتكار الأميركية، التي أصبحت تقود الثورة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
فالولايات المتحدة تحتضن أبرز شركات ومختبرات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أكبر شركات التكنولوجيا والحوسبة السحابية، التي تضخ استثمارات ضخمة في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية والنماذج اللغوية المتقدمة.
كما تستفيد هذه المنظومة من وجود جامعات بحثية رائدة، وشركات رأس مال جريء، وأسواق تمويل متطورة، وثقافة تشجع على الابتكار وتقبل المخاطرة، وهي عناصر يصعب على الاقتصادات الأخرى استنساخها في المدى القصير.
ويشير التقرير إلى أن النجاح الأميركي في هذا المجال لم يكن نتيجة تخطيط حكومي مركزي، بل جاء نتيجة التقاء رأس المال، والكفاءات البشرية، والحوافز التجارية داخل بيئة اقتصادية مرنة.
الصين وأوروبا
ورغم ذلك، لا يقلل التقرير من أهمية التحديات التي تواجه الولايات المتحدة، إذ حققت الصين تقدماً سريعاً في نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، كما عززت مكانتها في سلاسل توريد السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة المتجددة.
وفي المقابل، يواصل الاتحاد الأوروبي العمل على مشروع اتحاد أسواق رأس المال، الذي يهدف إلى إنشاء سوق مالية أوروبية أكثر عمقاً وتقليل الاعتماد على وول ستريت، إلا أن التقدم في هذا المشروع لا يزال بطيئاً بسبب التعقيدات التنظيمية وتباين مواقف الدول الأعضاء.
ويرى محللون أن هذه الجهود قد تعزز المنافسة مستقبلاً، لكنها لا تزال بعيدة عن تشكيل بديل متكامل للنموذج الأميركي.
إزالة الدولرة
كما يناقش التقرير الدعوات المتزايدة لإزالة الدولرة، والتي تسارعت بعد العقوبات الغربية على روسيا، حيث بدأت بعض البنوك المركزية تنويع احتياطياتها وزيادة حيازاتها من الذهب.
لكن التقرير يرى أن هذا التحول لا يزال محدوداً، إذ لا توجد حتى الآن عملة توفر المزيج نفسه من السيولة، وحرية التحويل، والعمق المالي، والثقة القانونية التي يتمتع بها الدولار.
ويؤكد أن أي تحول جذري في النظام النقدي العالمي يحتاج إلى عقود، وليس سنوات، في ظل استمرار اعتماد التجارة والتمويل العالميين على العملة الأميركية.
تغيير موازين القوة الاقتصادية العالمية أكثر تعقيداً
ويرى التقرير أن الولايات المتحدة ستواجه خلال السنوات المقبلة تحديات حقيقية، تشمل ارتفاع الدين العام، والانقسام السياسي، والمنافسة التكنولوجية مع الصين، إلى جانب التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي. إلا أن هذه التحديات لا تعني بالضرورة نهاية التفوق الأميركي، ما دامت الركائز الأساسية التي يستند إليها هذا التفوق لا تزال قائمة.
ويخلص التحليل إلى أن قوة الولايات المتحدة لا تقوم على عامل واحد، بل على منظومة متكاملة تجمع بين عمق الأسواق المالية، وهيمنة الدولار، والثقة بالمؤسسات، وريادة الابتكار، وهو ما يجعل تغيير موازين القوة الاقتصادية العالمية أكثر تعقيداً مما توحي به التوقعات قصيرة الأجل. ولذلك، فإن أي تحول حقيقي في النظام المالي العالمي سيظل مرهوناً بقدرة المنافسين على بناء منظومات متكاملة تضاهي النموذج الأميركي، وليس بمجرد ظهور تحديات أو أزمات دورية تواجه الاقتصاد الأكبر في العالم.