لماذا لم تعد الأموال في البنوك كافية لصناعة الأمان؟
في مشهد يتكرر كثيراً داخل الأفلام والقصص العائلية القديمة، يشتكي الابن من ضائقة مالية فتسارع الأم أو الجدة إلى إخراج مبلغ من المال أو قطعة ذهب احتفظت بها لسنوات طويلة تحسبًا لـ«اليوم الأسود». هذا المشهد لم يكن مجرد تفصيل درامي عابر، بل كان انعكاساً لفلسفة اقتصادية عاشتها أجيال متعاقبة، حيث ارتبط الادخار دائماً بالأمان والقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واستقرار. غير أن العالم الاقتصادي اليوم يبدو مختلفًا بصورة كبيرة، إذ لم تعد الأموال المكدسة في الحسابات البنكية تمنح الشعور نفسه بالطمأنينة الذي عرفته الأجيال السابقة، بعدما أصبح التضخم يأكل القوة الشرائية للمدخرات بصمت وبوتيرة متسارعة.
تآكل صامت
ولسنوات طويلة، كان الادخار يقوم على معادلة بسيطة وواضحة؛ تأجيل جزء من الاستهلاك الحالي مقابل حماية أكبر للمستقبل، وكانت معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى منخفضة نسبيًا، بما يسمح للأموال بالحفاظ على قيمتها الحقيقية مع مرور الوقت. لكن هذه القاعدة تعرضت لاختبار عنيف بعد جائحة كورونا، حين شهد العالم موجة تضخم تاريخية رفعت الأسعار عالميًا بوتيرة غير مسبوقة منذ عقود. ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، بلغ متوسط التضخم العالمي نحو 9.5 % خلال عام 2022 قبل أن يتراجع تدريجيًا لاحقًا، مع استمرار الضغوط السعرية حتى أواخر 2025 عند مستويات تقارب 3.5 % عالميًا.
وبالنسبة للمواطن العادي، لم تكن المشكلة مجرد أرقام اقتصادية أو تقارير مالية، بل تحولت إلى تجربة يومية ملموسة؛ فالفرد الذي يضع أمواله في حساب ادخار يمنحه فائدة محدودة لا تتجاوز 1% أو 2 %، بينما ترتفع الأسعار بوتيرة تتجاوز 5 %، يخسر فعليًا جزءًا من ثروته الحقيقية كل عام. وبمعنى آخر، فإن الأرصدة البنكية قد تبدو أكبر رقميًا، لكنها أصبحت أقل قدرة على شراء السلع والخدمات نفسها مع مرور الوقت. لهذا السبب بدأ كثير من الناس يشعرون بأن الادخار التقليدي لم يعد يؤدي الوظيفة التي اعتادوا عليها لعقود طويلة.
ضريبة خفية
وفي هذا السياق، وصفت خبيرة الاقتصاد الكلي «ستيفاني لينش» الحسابات الادخارية التقليدية بأنها تحولت فعلياً إلى «أدوات لتبديد الثروة»، موضحة أن التضخم أصبح بمثابة ضريبة خفية تلتهم قيمة السيولة النقدية بصمت، ووفق تقديراتها، فإن شخصًا احتفظ بنحو 50 ألف دولار داخل حساب مصرفي عادي خلال السنوات الأربع الماضية لم يحمِ أمواله فعلياً، بل خسر جزءًا مهماً من قوته الشرائية الحقيقية بسبب التضخم المتراكم. هذه النظرة ساهمت في تغيير طريقة تعامل الناس مع المال، ودفعت كثيرين إلى البحث عن بدائل أكثر قدرة على الحفاظ على قيمة الثروة مع مرور الوقت.
وقد انعكس ذلك بوضوح على سلوك الأسر في الاقتصادات الكبرى. ففي أوروبا مثلًا، ارتفعت معدلات الادخار بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، لكن ليس بسبب زيادة الشعور بالثراء، بل نتيجة تنامي القلق من المستقبل. وذكرت بيانات نقلتها «رويترز» أن معدل ادخار الأسر في منطقة اليورو ارتفع إلى نحو 15.4 % خلال 2025 مقارنة بمستويات تراوحت بين 12 % و13 % قبل الجائحة. الأسر الأوروبية أصبحت تدخر أكثر لأنها تشعر بأن العالم الاقتصادي أكثر هشاشة، ولأن الاحتفاظ باحتياطي مالي بات ضرورة لمواجهة أي صدمة مفاجئة.
سلوك مختلف
في المقابل، اتخذت الولايات المتحدة مساراً مختلفاً تماماً، إذ تراجع معدل الادخار الشخصي الأمريكي إلى أقل من 5 %، وهو مستوى أدنى بكثير من المتوسطات التاريخية. هذا التباين كشف أن الناس لم يعودوا يستجيبون لحالة عدم اليقين الاقتصادي بالطريقة نفسها؛ فبينما يرى البعض في الادخار ضرورة دفاعية، يعتقد آخرون أن الإنفاق أو الاستثمار السريع قد يكون أكثر عقلانية من الاحتفاظ بسيولة تتآكل قيمتها عاماً بعد عام. كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة دفع كثيراً من الأسر إلى استنزاف مدخراتها من أجل تغطية النفقات الأساسية، ما جعل الادخار نفسه أكثر صعوبة بالنسبة لشريحة واسعة من الناس.
ومع التطور التكنولوجي واتساع الأسواق المالية، تغيّر مفهوم الادخار بصورة أعمق، خصوصاً لدى الأجيال الأصغر سناً. فلم يعد الحساب البنكي التقليدي يمثل الخيار الأكثر جاذبية كما كان سابقاً، بعدما أصبحت الأسهم والعقارات وصناديق الاستثمار وحتى الأصول الرقمية توفر فرصاً لتحقيق عوائد أعلى. ووفق تقديرات نقلتها «رويترز»، اقتربت الثروة العالمية من مستوى 600 تريليون دولار، مدفوعة بصورة كبيرة بارتفاع أسعار الأصول والتقييمات المالية وليس فقط بالنمو الاقتصادي الحقيقي. هذا الواقع جعل كثيراً من المدخرين يشعرون بأن الأموال النقدية وحدها لم تعد كافية للحفاظ على الثروة أو تنميتها.
ثقافة جديدة
لكن التكنولوجيا لم تغيّر شكل الاستثمار فقط، بل غيّرت أيضاً عقلية الناس تجاه المال. فوسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التداول السريع خلقت ثقافة جديدة تقوم على البحث عن الثراء السريع وتحقيق الأرباح خلال فترات قصيرة، ما جعل الادخار التقليدي يبدو بطيئاً وغير جذاب بالنسبة لكثير من الشباب، وأصبحت قصص النجاح المرتبطة بالأسهم والعملات الرقمية والعقارات تؤثر بقوة على تطلعات الأجيال الجديدة، التي باتت تشعر أن الاحتفاظ بالأموال داخل الحسابات البنكية وحده لن يكون كافيًا لتحقيق الاستقلال المالي أو شراء منزل أو تأمين مستقبل مريح.
ورغم كل هذه التحولات، لم يتخلَّ الناس عن الادخار بالكامل، لكن الغاية منه تغيّرت بصورة واضحة. ففي الماضي، كان الادخار يرتبط غالباً ببناء الثروة وتحقيق الرفاهية المستقبلية، أما اليوم فأصبح أقرب إلى وسيلة للحماية من الصدمات الاقتصادية المتكررة، مثل الحروب والأزمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والرعاية الصحية وتقلبات الوظائف والأسواق. ولهذا السبب لم يعد الادخار يُنظر إليه بوصفه طريقاً مضموناً نحو الثراء، بل باعتباره محاولة للاحتفاظ بقدر من الاستقرار والسيطرة وسط عالم اقتصادي سريع التغيّر وأكثر اضطراباً من أي وقت مضى.