لماذا يراهن جيل زد على المخاطرة؟
لم يعد الادخار طويل الأجل أو الاستثمار التقليدي يمثلان الطريق المفضل لبناء الثروة بالنسبة لشريحة واسعة من جيل زد في الولايات المتحدة، إذ تشير التحولات الاقتصادية والاجتماعية إلى أن الشباب باتوا ينظرون إلى النظام المالي بمنظور مختلف تماماً عن الأجيال السابقة. فمع ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة امتلاك المنازل، وتزايد أعباء الديون، بدأت تتراجع جاذبية المسارات التقليدية لصالح خيارات استثمارية أكثر مخاطرة، مثل العملات المشفرة وأسواق التوقعات.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يعكس مجرد اختلاف في تفضيلات الاستثمار، بل يعبر عن تغير أعمق في نظرة الشباب إلى فرص تحقيق الثروة، بعدما أصبحت الأدوات التقليدية أقل قدرة، من وجهة نظرهم، على تحقيق الاستقرار المالي الذي تمتعت به الأجيال السابقة.
واقع اقتصادي
يواجه جيل زد ظروفاً اقتصادية تختلف بصورة كبيرة عن تلك التي واجهها آباؤهم، إذ بقيت الأجور الحقيقية في الولايات المتحدة شبه مستقرة خلال العقود الماضية، بينما ارتفعت تكاليف المعيشة بوتيرة أسرع.
وفي الوقت نفسه، يبلغ معدل البطالة بين الشباب مستويات تفوق المتوسط الوطني، فيما يعمل عدد كبير من الخريجين في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، وهو ما يقلص فرص تكوين الثروة عبر المسار الوظيفي التقليدي.
كما يزداد القلق من أن يؤدي التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تقليص فرص العمل مستقبلاً، ما يعزز الشعور بعدم اليقين لدى الشباب.
ديون متزايدة
تمثل الديون الشخصية عاملاً إضافياً في تغيير السلوك المالي، إذ اضطر كثير من الشباب إلى استخدام مدخراتهم التقاعدية لسداد التزاماتهم المالية.
وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من أبناء جيل زد لجأت إلى السحب من حسابات التقاعد، وهو ما يعكس الضغوط المالية التي تواجهها هذه الفئة، ويؤكد أن الأولوية أصبحت لتغطية النفقات الحالية أكثر من التخطيط للمستقبل.
حلم بعيد
تعد أزمة الإسكان من أبرز أسباب تغير النظرة إلى الاستثمار التقليدي، بعدما ارتفعت أسعار المنازل بوتيرة تفوق نمو الدخول.
ففي العقود الماضية، كان امتلاك المنزل يمثل الخطوة الأولى لبناء الثروة، أما اليوم فأصبح هذا الهدف بعيد المنال بالنسبة لكثير من الشباب، مع وصول أسعار المنازل إلى مستويات تفوق قدرة الفئات العمرية الأصغر على الشراء. وأدى ذلك إلى تراجع الإيمان بأن الادخار وحده يكفي لتحقيق الاستقرار المالي.
عدمية مالية
ظهر في السنوات الأخيرة مفهوم يعرف بـ«العدمية المالية»، ويعبر عن فقدان الثقة في قدرة النظام الاقتصادي على مكافأة السلوك المالي التقليدي.
وبدلاً من الادخار طويل الأجل، يتجه بعض الشباب إلى استثمارات عالية المخاطر، انطلاقاً من قناعة بأن فرص تحقيق الثروة عبر المسارات المعتادة أصبحت محدودة.
وتشير دراسات أكاديمية إلى وجود علاقة مباشرة بين تراجع فرص امتلاك المنازل وزيادة الإقبال على الأصول ذات المخاطر المرتفعة.
رهانات جديدة
انعكس هذا التحول بوضوح على طبيعة الاستثمارات المفضلة لدى جيل زد، إذ أصبحت العملات المشفرة تحتل مكانة متقدمة مقارنة بحسابات التقاعد التقليدية.
كما ازداد الإقبال على أسواق التوقعات وغيرها من الأدوات الاستثمارية الحديثة التي تعتمد على تحقيق عوائد مرتفعة خلال فترات قصيرة، في مقابل تحمل مستويات أكبر من المخاطرة.
ويرى مختصون أن الهدف لم يعد تحقيق نمو تدريجي في الثروة، بل البحث عن فرص قد تغير الوضع المالي بصورة سريعة.
تحديات مستقبلية
لا يقتصر تأثير هذا التحول على الأفراد فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد الكلي، إذ إن تغير السلوك المالي لجيل يمثل نسبة كبيرة من سكان العالم قد يفرض تحديات جديدة أمام السياسات النقدية والمالية.
فالبنوك المركزية تعتمد في أدواتها التقليدية على افتراض امتلاك الأسر للعقارات والمدخرات والاستثمارات التقليدية، لكن هذا الافتراض يصبح أقل دقة عندما تتجه نسبة متزايدة من الشباب إلى أصول رقمية أو أدوات لا تتأثر بالطريقة نفسها بتغير أسعار الفائدة.
ثروة منقسمة
وفي الوقت ذاته، لا يبدو أن ما يعرف بـ«التحويل الكبير للثروة» سيؤدي إلى تقليص الفجوة بين الأجيال كما يعتقد البعض، إذ تشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من الثروات الموروثة سيذهب إلى الشريحة الأكثر ثراءً.
وهذا يعني أن كثيراً من أبناء جيل زد سيبقون خارج دائرة امتلاك الأصول الرئيسية، ما قد يرسخ الانقسام الاقتصادي حتى داخل الجيل نفسه، بين من يملكون دعماً عائلياً يتيح لهم الاستثمار التقليدي، ومن يضطرون إلى البحث عن بدائل أكثر مخاطرة لتحقيق الصعود المالي.