تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا‭ ‬يرفض‭ ‬مليارديرات‭ ‬العالم‭ ‬التقاعد‭ ‬بعد‭ ‬السبعين؟

لماذا‭ ‬يرفض‭ ‬مليارديرات‭ ‬العالم‭ ‬التقاعد‭ ‬بعد‭ ‬السبعين؟

في‭ ‬عالم‭ ‬يُنظر‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬التقاعد‭ ‬بوصفه‭ ‬نهاية‭ ‬طبيعية‭ ‬لمسيرة‭ ‬العمل،‭ ‬يقدّم‭ ‬كبار‭ ‬المليارديرات‭ ‬نموذجاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬تماماً‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬الانسحاب‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الراحة،‭ ‬يواصل‭ ‬كثير‭ ‬منهم‭ ‬العمل‭ ‬والنفوذ‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬تجاوز‭ ‬السبعين،‭ ‬بل‭ ‬والتسعين‭ ‬أحياناً،‭ ‬رغم‭ ‬امتلاكهم‭ ‬ثروات‭ ‬تكفي‭ ‬لأجيال‭.‬
وفق‭ ‬بيانات‭ ‬حديثة،‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬مليارديرات‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬نحو‭ ‬3428‭ ‬مليارديراً‭ ‬بثروة‭ ‬إجمالية‭ ‬تتجاوز‭ ‬20‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬بمتوسط‭ ‬عمر‭ ‬يقارب‭ ‬65‭ ‬عاماً‭. ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬منهم‭ ‬تظل‭ ‬نشطة‭ ‬اقتصادياً‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬السبعين،‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلًا‭ ‬جوهرياً‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يتقاعدون؟

العمل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬هوية

بالنسبة‭ ‬لمعظم‭ ‬الناس،‭ ‬العمل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمليارديرات،‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الشخصية‭. ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬الشركات‭ ‬وقيادة‭ ‬الأسواق،‭ ‬يصبح‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬أشبه‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬الذات‭.‬
هذا‭ ‬ما‭ ‬يجسده‭ ‬وارن‭ ‬بافيت،‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬قيادي‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬تنحيه‭ ‬عن‭ ‬منصب‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركته،‭ ‬محتفظاً‭ ‬برئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭. ‬فالثروة‭ ‬بالنسبة‭ ‬له‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الدافـع،‭ ‬بل‭ ‬الاستمـرار‭ ‬في‭ ‬التأثيـر‭.‬
وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬مايكل‭ ‬بلومبرغ،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حاضراً‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والإعلام‭ ‬وصناعة‭ ‬القرار،‭ ‬رغم‭ ‬تجاوزه‭ ‬الثمانين‭.‬
هذه‭ ‬الحالات‭ ‬تعكس‭ ‬نمطاً‭ ‬نفسياً‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«إدمان‭ ‬الإنجاز‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬العمل‭ ‬مصدر‭ ‬الإحساس‭ ‬بالقيمة‭ ‬والنجاح،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬وظيفة،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تتحول‭ ‬قاعات‭ ‬الاجتماعات‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬لإعادة‭ ‬تأكيد‭ ‬المكانة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬فكرة‭ ‬التقاعد‭ ‬غير‭ ‬جذابة‭.‬

الثروة‭ ‬تلغي‭ ‬الحاجة‭ ‬للتقاعد

في‭ ‬النموذج‭ ‬التقليدي،‭ ‬يرتبط‭ ‬التقاعد‭ ‬بندرة‭ ‬الموارد‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭ ‬المالي‭. ‬أما‭ ‬المليارديرات‭ ‬فيعيشون‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الوفرة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬الأموال‭ ‬أي‭ ‬عائق‭ ‬للاستمرار‭ ‬أو‭ ‬التوقف‭.‬
لكن‭ ‬paradox‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوفرة‭ ‬لا‭ ‬تدفعهم‭ ‬للتقاعد،‭ ‬بل‭ ‬تعزز‭ ‬استمرارهم‭. ‬فمع‭ ‬تضخم‭ ‬الثروات،‭ ‬تتعقد‭ ‬الهياكل‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬إشرافًا‭ ‬مستمراً‭.‬
على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يواصل‭ ‬كارلوس‭ ‬سليم‭ ‬إدارة‭ ‬نفوذه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬رغم‭ ‬تجاوزه‭ ‬الثمانين،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬شبكة‭ ‬شركات‭ ‬مترابطة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حوكمة‭ ‬دقيقة‭. ‬وكذلك‭ ‬لاري‭ ‬إليسون‭ ‬وأمانسيو‭ ‬أورتيجا،‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬مرتبطين‭ ‬بالقرارات‭ ‬الاستراتيجية‭.‬
هنا‭ ‬يتحول‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬نشاط‭ ‬يومي‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬إشرافي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الرؤية‭ ‬والتوجيه،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أقل‭ ‬إرهاقاً‭ ‬وأكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالسلطة‭ ‬والتأثير‭.‬

هاجس‭ ‬الإرث‭ ‬يدفعهم‭ ‬للاستمرار‭ ‬

مع‭ ‬تقدم‭ ‬العمر،‭ ‬يتغير‭ ‬دافع‭ ‬الاستمرار‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬الثروة‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الإرث‭. ‬فالمليارديرات‭ ‬لا‭ ‬يفكرون‭ ‬فقط‭ ‬فيما‭ ‬يملكونه،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬سيتركونه‭ ‬خلفهم‭.‬
يبرز‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬برنارد‭ ‬أرنو،‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬تعديلاً‭ ‬لرفع‭ ‬سن‭ ‬التقاعد‭ ‬في‭ ‬شركته‭ ‬لضمان‭ ‬استمراره‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬إشراك‭ ‬أبنائه‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬روبرت‭ ‬مردوخ‭ ‬استمر‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬عبر‭ ‬مؤسساته‭ ‬الإعلامية‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬التسعين،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬إدارة‭ ‬معقدة‭ ‬لملف‭ ‬الخلافة‭.‬
الخلافة‭ ‬تمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬كبيراً؛‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬المؤسسين‭ ‬لا‭ ‬يثقون‭ ‬بسهولة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الخلفاء‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬الأداء،‭ ‬ما‭ ‬يدفعهم‭ ‬لتأجيل‭ ‬الانسحاب‭.‬

الخوف‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬التأثير‭ ‬

أحد‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬هو‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الأهمية‭. ‬فبعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬كونهم‭ ‬صناع‭ ‬قرار،‭ ‬يصبح‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬هامشي‭ ‬even‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬أثرياء‭ ‬أمرًا‭ ‬صعب‭ ‬القبول‭.‬
هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬استمرارهم‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬توفر‭ ‬كل‭ ‬أسباب‭ ‬الراحة‭. ‬فالتقاعد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الاسترخاء،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كاختفاء‭ ‬من‭ ‬المشهد‭.‬
حتى‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬غادروا‭ ‬الإدارة‭ ‬اليومية،‭ ‬مثل‭ ‬بيل‭ ‬جيتس،‭ ‬لم‭ ‬يتوقفوا‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬بل‭ ‬أعادوا‭ ‬توجيه‭ ‬نشاطهم‭ ‬نحو‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬والتأثير‭ ‬العالمي‭.‬
في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالجشع‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوقف،‭ ‬بل‭ ‬بطبيعة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭ ‬للعمل‭. ‬فالمليارديرات‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬العمل‭ ‬عبئًا‭ ‬يجب‭ ‬التخلص‭ ‬منه،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬للنفوذ‭ ‬ومعنى‭ ‬للحياة‭.‬
وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الكبرى‭: ‬بينما‭ ‬تمنحهم‭ ‬الثروة‭ ‬حرية‭ ‬التقاعد،‭ ‬تجعلهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أسرى‭ ‬للأدوار‭ ‬التي‭ ‬صنعوها‭. ‬بالنسبة‭ ‬لهم،‭ ‬ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬العمل،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬فقدان‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬يمنحها‭.‬

رجوع لأعلى