تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لندن‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬لقيادة‭ ‬النمو

لندن‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬لقيادة‭ ‬النمو

في‭ ‬مساحة‭ ‬صغيرة‭ ‬شمال‭ ‬لندن،‭ ‬تتجسد‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المزايا‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬الابتكار‭ ‬العالمي‭. ‬ففي‭ ‬‮«‬حي‭ ‬المعرفة‮»‬،‭ ‬يمكن‭ ‬الانتقال‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬قليلاً‭ ‬على‭ ‬20‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬مقار‭ ‬‮«‬جوجل‭ ‬ديب‭ ‬مايند‮»‬‭ ‬ومعهد‭ ‬‮«‬فرانسيس‭ ‬كريك‮»‬‭ ‬ومستشفى‭ ‬‮«‬يو‭ ‬سي‭ ‬إل‮»‬‭ ‬ومعهد‭ ‬‮«‬آلان‭ ‬تورينج‮»‬،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يكشف‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للتقارب‭ ‬الجغرافي‭ ‬بين‭ ‬الجامعات‭ ‬والمختبرات‭ ‬والشركات‭ ‬والمستشفيات‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭.‬
وفي‭ ‬يوم‭ ‬عادي،‭ ‬يتحرك‭ ‬الباحثون‭ ‬والطلاب‭ ‬ورواد‭ ‬الأعمال‭ ‬والأطباء‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬فتنتقل‭ ‬معهم‭ ‬المعرفة‭ ‬والخبرات‭ ‬والأفكار‭ ‬وفرص‭ ‬الاستثمار‭. ‬ولم‭ ‬يتشكل‭ ‬هذا‭ ‬التجمع‭ ‬سريعاً،‭ ‬وإنما‭ ‬نما‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرون،‭ ‬فيما‭ ‬تحتفل‭ ‬جامعة‭ ‬لندن‭ ‬كوليدج‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بمرور‭ ‬200‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬تأسيسها،‭ ‬لتصبح‭ ‬المنطقة‭ ‬نموذجاً‭ ‬لظاهرة‭ ‬‮«‬كرة‭ ‬الثلج‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬بجامعة‭ ‬تستقطب‭ ‬المواهب،‭ ‬ثم‭ ‬تتبعها‭ ‬الشركات،‭ ‬وبعدها‭ ‬المستثمرون‭.‬

تراكم‭ ‬معرفي
ورغم‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬وإمكان‭ ‬التعاون‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬يظل‭ ‬القرب‭ ‬المكاني‭ ‬عاملاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬تجمعات‭ ‬الابتكار‭ ‬الناجحة‭. ‬فوجود‭ ‬الباحث‭ ‬والطبيب‭ ‬ورائد‭ ‬الأعمال‭ ‬والمستثمر‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافي‭ ‬واحد‭ ‬يقلص‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الفكرة‭ ‬العلمية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬شركة‭ ‬أو‭ ‬منتج‭ ‬أو‭ ‬علاج،‭ ‬ويخلق‭ ‬شبكة‭ ‬يصعب‭ ‬استنساخها‭ ‬بمجرد‭ ‬ضخ‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬جديدة‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬دعوة‭ ‬جيم‭ ‬أونيل،‭ ‬كبير‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬‮«‬جولدمان‭ ‬ساكس‮»‬،‭ ‬للحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬الدعم‭ ‬نحو‭ ‬الأماكن‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬بالفعل‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭. ‬والمنطق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬استقطاب‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاص‭ ‬وتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬تقوده‭ ‬الابتكارات‭ ‬يتطلبان‭ ‬تعزيز‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬كتلة‭ ‬حرجة‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬حول‭ ‬جامعات‭ ‬عالمية‭ ‬ومستشفيات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬يضع‭ ‬لندن‭ ‬أمام‭ ‬معضلة‭ ‬سياسية‭. ‬فالمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬تحاول‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬معالجة‭ ‬التركز‭ ‬الشديد‭ ‬للسلطة‭ ‬والفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬العاصمة،‭ ‬لكن‭ ‬تخفيف‭ ‬هذا‭ ‬التركز‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مراكز‭ ‬الابتكار‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬البلاد‭.‬

مراكز‭ ‬النمو
وتدرك‭ ‬حكومة‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬أهمية‭ ‬التجمعات‭ ‬البحثية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬دعمها‭ ‬ممر‭ ‬أكسفورد‭-‬كامبريدج‭ ‬بوصفه‭ ‬منطقة‭ ‬كثيفة‭ ‬الابتكار‭ ‬تستحق‭ ‬استثمارات‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬التوسع‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يقدم‭ ‬إقليم‭ ‬مانشستر‭ ‬نموذجاً‭ ‬آخر‭ ‬لكيفية‭ ‬توظيف‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬أسرع‭ ‬أقاليم‭ ‬المدن‭ ‬نمواً‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬عقب‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراته‭.‬
ويثير‭ ‬نجاح‭ ‬التجربتين‭ ‬سؤالاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬واضحاً‭: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬بريطانيا‭ ‬تقبل‭ ‬مبدأ‭ ‬الاستثمار‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬راكمت‭ ‬قدرات‭ ‬ابتكارية‭ ‬كبيرة،‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬لندن‭ ‬بالأولوية‭ ‬نفسها؟
فالحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬ركزت،‭ ‬لأسباب‭ ‬مفهومة،‭ ‬على‭ ‬إنعاش‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬ضعيفة،‭ ‬كما‭ ‬نقلت‭ ‬بعض‭ ‬الوظائف‭ ‬الحكومية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬العاصمة،‭ ‬لكن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬لا‭ ‬يتناقض‭ ‬بالضرورة‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭. ‬فالعاصمة‭ ‬تضم‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬أبحاث‭ ‬الطب‭ ‬الحيوي‭ ‬التي‭ ‬تدعمها‭ ‬الدولة‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬اختراقات‭ ‬علمية‭ ‬وطبية،‭ ‬بينما‭ ‬يواجه‭ ‬تمويل‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المراكز‭ ‬حالياً‭ ‬مخاطر‭ ‬متزايدة‭.‬

ميزة‭ ‬لندن
وتستند‭ ‬حجة‭ ‬زيادة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬إلى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬بسرعة‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬ذات‭ ‬إنتاجية‭ ‬مرتفعة،‭ ‬أبرزها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وعلوم‭ ‬الحياة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المالية‭ ‬والصناعات‭ ‬الثقافية‭ ‬والإبداعية‭. ‬كما‭ ‬تلعب‭ ‬جامعات‭ ‬لندن‭ ‬دوراً‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المدينة،‭ ‬إذ‭ ‬تستقطب‭ ‬مواهب‭ ‬دولية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤسس‭ ‬شركات‭ ‬وتطور‭ ‬تقنيات‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭.‬
ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للمختبرات‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬الأبحاث‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬نتائجها‭ ‬إلى‭ ‬علاجات‭ ‬تستخدمها‭ ‬هيئة‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬وإلى‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬قابلة‭ ‬للتصدير‭ ‬تولد‭ ‬إيرادات‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬قطاع‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭.‬
ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الترابط‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬أوتولوس‭ ‬ثيرابيوتكس‮»‬‭ ‬المنبثقة‭ ‬عن‭ ‬جامعة‭ ‬لندن‭ ‬كوليدج؛‭ ‬إذ‭ ‬يقع‭ ‬مقرها‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬بينما‭ ‬تتم‭ ‬عمليات‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬ستيفينج،‭ ‬وتُطرح‭ ‬علاجاتها‭ ‬الرائدة‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مانشستر‭. ‬ويقدم‭ ‬النموذج‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النشاط‭ ‬الابتكاري‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬ليس‭ ‬مضطراً‭ ‬للبقاء‭ ‬داخل‭ ‬حدودها‭ ‬الجغرافية،‭ ‬وإنما‭ ‬يستطيع‭ ‬خلق‭ ‬وظائف‭ ‬واستثمارات‭ ‬ونشاط‭ ‬صناعي‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭.‬

ترابط‭ ‬اقتصادي
وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬التمويل‭. ‬فرأس‭ ‬المال‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬جمعه‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمول‭ ‬شركات‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬قوة‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬للعاصمة‭ ‬قناة‭ ‬لنقل‭ ‬الاستثمار‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬اعتبارها‭ ‬منافساً‭ ‬لها‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للتجمعات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬الأصغر‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬أبحاث‭ ‬معهد‭ ‬بينيت‭ ‬بشأن‭ ‬التجمعات‭ ‬المترابطة‭ ‬أن‭ ‬مناطق‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تدعم‭ ‬نمو‭ ‬بعضها‭ ‬بعضاً‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وتساهم‭ ‬مراكز‭ ‬كبيرة‭ ‬مثل‭ ‬لندن‭ ‬ومانشستر‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬عبر‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬عالية‭ ‬القيمة،‭ ‬وتطوير‭ ‬المهارات،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬البحثية‭ ‬والتجارة‭. ‬فعندما‭ ‬تتحسن‭ ‬إنتاجية‭ ‬قطاعات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬علوم‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬منها‭ ‬شركات‭ ‬وموردون‭ ‬وعاملون‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬لنجاح‭ ‬التجمعات‭ ‬خارج‭ ‬العاصمة‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬بدوره‭ ‬الشركات‭ ‬والأسواق‭ ‬الموجودة‭ ‬داخل‭ ‬لندن‭.‬

سباق‭ ‬عالمي
وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬توزيع‭ ‬الأموال‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬بطريقة‭ ‬تمنح‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬تمويلاً‭ ‬يكفي‭ ‬فقط‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدراتها‭ ‬الحالية‭ ‬قد‭ ‬يمنع‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬تجمعات‭ ‬تتمتع‭ ‬بالحجم‭ ‬المطلوب‭ ‬للمنافسة‭ ‬عالمياً‭. ‬فالابتكار‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬ومختبرات‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬ومواهب‭ ‬وشركات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التوسع،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬تمويل‭ ‬موزع‭ ‬بالتساوي‭ ‬جغرافياً‭.‬
وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬ذلك‭ ‬عند‭ ‬مقارنة‭ ‬بريطانيا‭ ‬باقتصادات‭ ‬مثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان،‭ ‬اللتين‭ ‬أمضتا‭ ‬عقوداً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مراكز‭ ‬ابتكار‭ ‬عالمية‭ ‬ضخمة‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تحصل‭ ‬التجمعات‭ ‬البريطانية‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحاً‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الكافي‭ ‬لتوسيع‭ ‬قدراتها،‭ ‬فقد‭ ‬تجد‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭ ‬تمتلك‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬البحثية‭ ‬الجيدة،‭ ‬ولكن‭ ‬عدداً‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬القادرة‭ ‬فعلياً‭ ‬على‭ ‬منافسة‭ ‬التجمعات‭ ‬العالمية‭ ‬الكبرى‭.‬
وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬سياسة‭ ‬الابتكار‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬الكتلة‭ ‬الحرجة‮»‬‭. ‬فالجامعات‭ ‬الممتازة‭ ‬وحدها‭ ‬ليست‭ ‬كافية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الشركات‭ ‬أو‭ ‬المستثمرون‭ ‬بصورة‭ ‬منفصلة‭. ‬وتظهر‭ ‬قوة‭ ‬التجمع‭ ‬عندما‭ ‬توجد‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬مع‭ ‬المستشفيات‭ ‬والمختبرات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والعمالة‭ ‬الماهرة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬مترابطة‭ ‬تستطيع‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬ومنتجات‭ ‬ووظائف‭.‬

استراتيجية‭ ‬وطنية
والتحدي‭ ‬أمام‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬هدفين‭: ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬المناطق،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬عدم‭ ‬إضعاف‭ ‬المراكز‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬سريعاً‭. ‬ويمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬تحديد‭ ‬التجمعات‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬مزايا‭ ‬تنافسية‭ ‬واضحة،‭ ‬ومنحها‭ ‬الموارد‭ ‬اللازمة‭ ‬للتوسع،‭ ‬ثم‭ ‬ضمان‭ ‬انتقال‭ ‬ثمار‭ ‬نموها‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬البلاد‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬لندن‭ ‬خصماً‭ ‬لمانشستر‭ ‬أو‭ ‬أكسفورد‭ ‬وكامبريدج،‭ ‬وإنما‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬وطنية‭ ‬للابتكار،‭ ‬تستطيع‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬منطقة‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬نقاط‭ ‬قوتها‭ ‬وربطها‭ ‬بالمراكز‭ ‬الأخرى،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬قدرة‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬ككل‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬المواهب‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬والشركات‭.‬

رجوع لأعلى