تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مارادونا‭ ‬سبق‭ ‬الجميع‭ ‬بقراءة‭ ‬اقتصاد‭ ‬الكرة

مارادونا‭ ‬سبق‭ ‬الجميع‭ ‬بقراءة‭ ‬اقتصاد‭ ‬الكرة

قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود،‭ ‬أطلق‭ ‬أسطورة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الأرجنتينية‭ ‬دييغو‭ ‬مارادونا‭ ‬تحذيراً‭ ‬اعتبره‭ ‬كثيرون‭ ‬آنذاك‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيه،‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬استضافة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لكأس‭ ‬العالم‭ ‬ستغير‭ ‬شكل‭ ‬اللعبة،‭ ‬وستجعل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التجارية‭ ‬تتفوق‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الرياضية‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬تصريحاته‭ ‬ارتبطت‭ ‬بخلافاته‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬‮«‬فيفا‮»‬‭ ‬عقب‭ ‬استبعاده‭ ‬من‭ ‬مونديال‭ ‬1994،‭ ‬فإن‭ ‬انتقاداته‭ ‬اللاحقة‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬تحولاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬من‭ ‬‮«‬لعبة‭ ‬الفقراء‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬تهيمن‭ ‬عليها‭ ‬المصالح‭ ‬التجارية‭.‬
وبعد‭ ‬إعلان‭ ‬منح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭ ‬والمكسيك‭ ‬حق‭ ‬استضافة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2026،‭ ‬عاد‭ ‬مارادونا‭ ‬ليحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬النموذج‭ ‬الرياضي‭ ‬الأمريكي‭ ‬سيغير‭ ‬هوية‭ ‬البطولة،‭ ‬متوقعاً‭ ‬زيادة‭ ‬فترات‭ ‬التوقف‭ ‬والإعلانات‭ ‬وتعظيم‭ ‬الإيرادات‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬إيقاع‭ ‬اللعبة‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬توقعاته‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬حرفياً،‭ ‬فإن‭ ‬النسخة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬أظهرت‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬البطولة‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة،‭ ‬أصبحت‭ ‬فيها‭ ‬العوائد‭ ‬التجارية‭ ‬والحقوق‭ ‬الإعلامية‭ ‬والضيافة‭ ‬عناصر‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬المنافسة‭ ‬داخل‭ ‬المستطيل‭ ‬الأخضر‭.‬

قفزة‭ ‬الإيرادات
كشفت‭ ‬بطولة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2026‭ ‬عن‭ ‬أكبر‭ ‬طفرة‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬بعدما‭ ‬تجاوزت‭ ‬الإيرادات‭ ‬المتوقعة‭ ‬لدورة‭ ‬2023‭-‬2026‭ ‬حاجز‭ ‬15‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬مقارنة‭ ‬بهدف‭ ‬سابق‭ ‬بلغ‭ ‬11‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬فقط‭.‬
ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬قفزة‭ ‬ضخمة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدورات‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬الإيرادات‭ ‬نحو‭ ‬4‭.‬8‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2011‭ ‬و2014،‭ ‬ثم‭ ‬ارتفعت‭ ‬إلى‭ ‬6‭.‬42‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬2015‭-‬2018،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬7‭.‬57‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬2019‭-‬2022‭.‬
وجاء‭ ‬النمو‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الضيافة‭ ‬وبيع‭ ‬التذاكر،‭ ‬التي‭ ‬قفزت‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬950‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬مونديال‭ ‬2022‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬3.1‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬نسخة‭ ‬2026،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬عوائد‭ ‬البث‭ ‬التلفزيوني‭ ‬والرعاية‭ ‬والتسويق‭.‬
كما‭ ‬استفاد‭ ‬‮«‬فيفا‮»‬‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬البطولة‭ ‬إلى‭ ‬48‭ ‬منتخباً‭ ‬و104‭ ‬مباريات،‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ32‭ ‬منتخباً‭ ‬و64‭ ‬مباراة‭ ‬في‭ ‬النسخة‭ ‬السابقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وفر‭ ‬ساعات‭ ‬بث‭ ‬إضافية،‭ ‬وفرصاً‭ ‬أكبر‭ ‬للإعلانات،‭ ‬ومزيداً‭ ‬من‭ ‬عقود‭ ‬الرعاية‭ ‬وبيع‭ ‬التذاكر‭.‬
ولم‭ ‬يخفِ‭ ‬رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬جياني‭ ‬إنفانتينو‭ ‬طموحه‭ ‬لمواصلة‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬بعدما‭ ‬طرح‭ ‬فكرة‭ ‬رفع‭ ‬عدد‭ ‬المنتخبات‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مونديال‭ ‬2030‭ ‬إلى‭ ‬64‭ ‬منتخباً،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬استمرار‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬البطولة‭ ‬لزيادة‭ ‬الإيرادات‭.‬

اقتصاد‭ ‬البطولة
لم‭ ‬تقتصر‭ ‬المكاسب‭ ‬على‭ ‬‮«‬فيفا‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬الراعية‭ ‬والمصنعين‭ ‬وقطاع‭ ‬الإعلام‭.‬
فقد‭ ‬حققت‭ ‬‮«‬أديداس‮»‬‭ ‬مكاسب‭ ‬تجارية‭ ‬كبيرة‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬منتخبي‭ ‬إسبانيا‭ ‬والأرجنتين،‭ ‬اللذين‭ ‬يرتديان‭ ‬قمصانها،‭ ‬إلى‭ ‬المباراة‭ ‬النهائية،‭ ‬كما‭ ‬تضاعفت‭ ‬مبيعات‭ ‬القمصان‭ ‬والكرات‭ ‬مقارنة‭ ‬بالنسخة‭ ‬السابقة،‭ ‬لترتفع‭ ‬توقعات‭ ‬إيراداتها‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبطولة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تراجعت‭ ‬حصة‭ ‬‮«‬نايكي‮»‬‭ ‬السوقية‭ ‬خلال‭ ‬البطولة،‭ ‬بينما‭ ‬تفوق‭ ‬سهم‭ ‬‮«‬أديداس‮»‬‭ ‬على‭ ‬منافسه،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بنمو‭ ‬إيرادات‭ ‬الشركة‭ ‬الألمانية‭ ‬مقابل‭ ‬تراجع‭ ‬مبيعات‭ ‬منافستها‭ ‬الأمريكية‭.‬
كما‭ ‬سجلت‭ ‬البطولة‭ ‬أرقاماً‭ ‬قياسية‭ ‬في‭ ‬الحضور‭ ‬الجماهيري،‭ ‬إذ‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬المتفرجين‭ ‬6‭.‬6‭ ‬ملايين‭ ‬مشجع،‭ ‬بمعدل‭ ‬إشغال‭ ‬بلغ‭ ‬99‭.‬7‭ %‬،‭ ‬فيما‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬‮«‬فيفا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬مشاهدي‭ ‬البطولة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تجاوز‭ ‬5‭ ‬مليارات‭ ‬شخص،‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1‭.‬8‭ ‬مليار‭ ‬مشاهد‭ ‬للمباراة‭ ‬النهائية‭ ‬وحدها‭.‬
ولعبت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬القيمة‭ ‬التجارية‭ ‬للبطولة،‭ ‬بعدما‭ ‬ارتفعت‭ ‬تفاعلات‭ ‬الجماهير‭ ‬بنسبة‭ ‬160‭ %‬،‭ ‬وزادت‭ ‬مشاهدات‭ ‬الفيديوهات‭ ‬بنسبة‭ ‬485‭ % ‬مقارنة‭ ‬بمونديال‭ ‬2022،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬الرعاة‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬لتحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬إعلانية‭ ‬قياسية‭.‬

ثمن‭ ‬النجاح
ورغم‭ ‬الأرقام‭ ‬القياسية،‭ ‬أثارت‭ ‬البطولة‭ ‬نقاشاً‭ ‬واسعاً‭ ‬حول‭ ‬الكلفة‭ ‬التي‭ ‬دفعتها‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬التجاري‭.‬
فقد‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬سعر‭ ‬تذكرة‭ ‬المباراة‭ ‬نحو‭ ‬913‭ ‬دولاراً،‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ425‭ ‬دولاراً‭ ‬في‭ ‬نسخة‭ ‬2022،‭ ‬فيما‭ ‬تجاوز‭ ‬متوسط‭ ‬سعر‭ ‬تذكرة‭ ‬المباراة‭ ‬النهائية‭ ‬12‭.‬7‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬ووصلت‭ ‬بعض‭ ‬تذاكر‭ ‬إعادة‭ ‬البيع‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭.‬
كما‭ ‬تعرض‭ ‬‮«‬فيفا‮»‬‭ ‬لانتقادات‭ ‬بسبب‭ ‬تعديل‭ ‬نظام‭ ‬القرعة‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬إبعاد‭ ‬المنتخبات‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬حتى‭ ‬الأدوار‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مواجهات‭ ‬جماهيرية‭ ‬تحقق‭ ‬أعلى‭ ‬نسب‭ ‬مشاهدة‭ ‬وإيرادات‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬حذرت‭ ‬جهات‭ ‬رياضية‭ ‬واقتصادية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬المباريات‭ ‬وتكديس‭ ‬جدول‭ ‬المنافسات‭ ‬يرفعان‭ ‬مخاطر‭ ‬إرهاق‭ ‬اللاعبين،‭ ‬وقد‭ ‬يؤثران‭ ‬في‭ ‬إيرادات‭ ‬الأندية‭ ‬مستقبلاً‭ ‬نتيجة‭ ‬ضغط‭ ‬الروزنامة‭ ‬الكروية‭.‬
ويرى‭ ‬منتقدون‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالمنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬وحقوق‭ ‬البث،‭ ‬وأسعار‭ ‬التذاكر‭ ‬المرتفعة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬حضور‭ ‬المباريات‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬متابعتها‭ ‬تلفزيونياً‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة،‭ ‬وأبعدها‭ ‬تدريجياً‭ ‬عن‭ ‬جمهورها‭ ‬التقليدي‭.‬

رجوع لأعلى