محضر الفيدرالي يقود أسبوع الأسواق العالمية
تستعد الأسواق المالية العالمية لأسبوع يعد من أكثر الأسابيع أهمية منذ بداية النصف الثاني من عام 2026، مع تركز اهتمام المستثمرين على سلسلة من البيانات الاقتصادية وقرارات البنوك المركزية التي ستحدد إلى حد كبير اتجاهات الأسواق خلال الأشهر المقبلة. ويتصدر المشهد صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يكتسب أهمية استثنائية باعتباره أول محضر يصدر في عهد رئيس البنك الجديد كيفين وارش، في وقت تعيد فيه الأسواق تقييم توقعاتها بشأن أسعار الفائدة بعد تباطؤ سوق العمل الأميركي وانحسار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ولا يقتصر الاهتمام على الولايات المتحدة، إذ تمتد الأجندة الاقتصادية إلى أوروبا وآسيا وأوقيانوسيا، حيث تنتظر الأسواق محاضر البنوك المركزية، وبيانات التضخم والإنتاج الصناعي والتجارة، إضافة إلى قرارات الفائدة في عدد من الاقتصادات الرئيسية، ما يجعل الأسبوع الحالي اختباراً شاملاً لمسار الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية في المرحلة المقبلة.
ويرى محللون أن نتائج هذه البيانات لن تحدد فقط اتجاه أسعار الفائدة، بل ستؤثر أيضاً في تحركات الأسهم والسندات والعملات والسلع، خاصة بعد التغيرات الكبيرة التي شهدتها الأسواق عقب تراجع أسعار النفط واستقرار الأوضاع في الشرق الأوسط.
محضر مرتقب
يترقب المستثمرون الأربعاء صدور محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، الذي يعد أول وثيقة رسمية تكشف تفاصيل المناقشات التي جرت تحت قيادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفين وارش.
وتنبع أهمية المحضر من كونه الأداة الرئيسية التي ستتيح للأسواق فهم طريقة إدارة وارش للسياسة النقدية، بعد أن قرر تقليص بيان الفائدة، وإلغاء ما يعرف بالتوجيه المستقبلي، فضلاً عن عدم نشر «مخطط النقاط» الخاص بتوقعات أعضاء اللجنة لأسعار الفائدة.
وبذلك، سيصبح المحضر المصدر الأكثر أهمية لفهم مواقف أعضاء اللجنة، ومدى وجود توافق أو اختلاف بشأن مستقبل السياسة النقدية، وهو ما يمنحه ثقلاً استثنائياً مقارنة بالمحاضر السابقة.
ويتوقع المستثمرون أن يتضمن المحضر مناقشات موسعة حول تأثير تباطؤ التضخم، وأسعار الطاقة، وسوق العمل، إضافة إلى تقييم المخاطر التي قد تواجه الاقتصاد الأميركي خلال الأشهر المقبلة.
بيانات أميركية
إلى جانب محضر الفيدرالي، تتضمن الأجندة الأميركية مجموعة من البيانات التي قد تؤثر في الأسواق.
ويصدر تقرير معهد إدارة التوريدات لقطاع الخدمات، الذي يعد مؤشراً مهماً على أداء أكبر قطاع في الاقتصاد الأميركي، بينما تصدر بيانات التجارة الخارجية، التي توضح تطورات الصادرات والواردات خلال مايو.
كما تطرح وزارة الخزانة الأميركية مزادات لسندات حكومية بآجال مختلفة تتراوح بين ثلاث وعشر وثلاثين سنة، بقيمة إجمالية تبلغ 119 مليار دولار.
وتمثل هذه المزادات اختباراً مهماً لشهية المستثمرين تجاه الديون الأميركية، خاصة في ظل تغير توقعات أسعار الفائدة وتحركات العائد على السندات.
أوروبا تترقب
في القارة الأوروبية، تتجه الأنظار الخميس إلى محضر اجتماع البنك المركزي الأوروبي، الذي رفع خلال اجتماعه الأخير أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
ويتوقع المستثمرون أن يقدم المحضر صورة أكثر وضوحاً عن رؤية صناع السياسة النقدية لمستقبل التضخم والنمو، خاصة بعد التحسن النسبي الذي شهدته أسعار الطاقة عقب انتهاء التوترات العسكرية في الشرق الأوسط.
كما تراقب الأسواق الأوروبية بيانات الطلبيات الصناعية في ألمانيا، والإنتاج الصناعي في فرنسا وإيطاليا، باعتبارها مؤشرات مهمة على قوة النشاط الاقتصادي داخل منطقة اليورو.
ويرى محللون أن الاقتصاد الأوروبي بدأ يستعيد جزءاً من زخمه تدريجياً، لكن النمو ما زال هشاً، وهو ما يجعل البنك المركزي الأوروبي حذراً في اتخاذ قراراته المقبلة.
بريطانيا تحت المجهر
في المملكة المتحدة، يترقب المستثمرون صدور تقرير الاستقرار المالي عن بنك إنجلترا، والذي يركز هذا العام بصورة خاصة على المخاطر المتزايدة خارج القطاع المصرفي التقليدي.
ويحاول البنك تقييم قدرة المؤسسات المالية غير المصرفية على مواجهة أي صدمات مستقبلية، في ظل النمو المتسارع لسوق الائتمان الخاص.
كما ينتظر المستثمرون مؤشرات جديدة حول سوق الإسكان البريطانية، التي قد تستفيد من تراجع أسعار الطاقة وتحسن ثقة المستهلكين بعد انحسار المخاطر الجيوسياسية.
ويرى اقتصاديون أن التقرير قد يقدم إشارات مهمة حول سلامة النظام المالي البريطاني، ومدى تأثره بالتقلبات العالمية الأخيرة.
آسيا والاقتصادات
في آسيا، تتركز الأنظار على الصين، التي تصدر الخميس بيانات التضخم لشهر يونيو، والتي تعد اختباراً جديداً لوتيرة تعافي ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وتشير التوقعات إلى استقرار تضخم أسعار المستهلكين عند 1.2%، بينما يتوقع أن يسجل تضخم أسعار المنتجين ارتفاعاً محدوداً نتيجة تأثير سنة الأساس، رغم انخفاض أسعار الوقود.
كما تراقب الأسواق مؤشرات الطلب المحلي ومبيعات التجزئة، لمعرفة ما إذا كانت الإجراءات التحفيزية الحكومية بدأت تنعكس على النشاط الاقتصادي.
وفي تايوان، تصدر بيانات التضخم وسط توقعات ببقائها فوق المستوى المستهدف للبنك المركزي، في حين تترقب الأسواق بيانات الصادرات التكنولوجية التي تواصل الاستفادة من الطلب العالمي القوي على مكونات الذكاء الاصطناعي.
أما في اليابان، فيصدر البنك المركزي تقريره الاقتصادي الإقليمي، الذي يتناول أوضاع الشركات الصغيرة والمتوسطة وتأثير التطورات الاقتصادية والجيوسياسية عليها، بالتزامن مع مزادات للسندات الحكومية طويلة الأجل.
قرارات الفائدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ
تكتمل الصورة العالمية هذا الأسبوع مع صدور عدد من قرارات الفائدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ففي نيوزيلندا، تشير التوقعات إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على السيطرة على التضخم، رغم التحديات التي تواجه الاقتصاد المحلي.
أما في ماليزيا، فمن المتوقع أن يبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير، مستفيداً من استقرار أسعار الوقود وبرامج الدعم الحكومية، مع استمرار توقعات رفعها في وقت لاحق من العام إذا ارتفعت الضغوط التضخمية.
وفي الفلبين وتايلاند، تترقب الأسواق بيانات التضخم، وسط توقعات بتباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار نتيجة الانخفاض الكبير في أسعار النفط خلال يونيو. ويرى محللون أن هذه البيانات ستكون عاملاً مهماً في تحديد مسار السياسة النقدية داخل اقتصادات جنوب شرق آسيا خلال الأشهر المقبلة.
وفي المجمل، يدخل المستثمرون أسبوعاً قد يعيد رسم توقعات الأسواق العالمية للنصف الثاني من العام، إذ تتداخل فيه قرارات البنوك المركزية مع بيانات التضخم والنمو والتجارة، بينما تظل الأنظار مركزة على الرسائل التي سيحملها أول محضر للاحتياطي الفيدرالي بقيادة كيفين وارش. فهذه الرسائل لن تحدد فقط مستقبل أسعار الفائدة الأميركية، بل قد تؤثر في حركة رؤوس الأموال العالمية، وأسواق الأسهم والسندات والعملات والسلع، في وقت تبحث فيه الأسواق عن إشارات أكثر وضوحاً بشأن قوة الاقتصاد العالمي وقدرته على مواصلة التعافي وسط بيئة مالية وجيوسياسية لا تزال مليئة بالتحديات.