محللون: تـعـطـل صــادرات البتروكيمـاويات عبــر هـرمـز يرفع الأسعار
ألقت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران بظلالها على أسواق البتروكيماويات، مع تعطل تدفقات الإمدادات عبر مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن، ما أدى إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار عالمياً.
وذكر محللون، أن الأزمة الحالية تقودها اضطرابات في سلاسل الإمداد وليس ضعف الطلب، في ظل توقف جزء من الطاقات الإنتاجية وارتفاع ملحوظ في تكاليف النقل والتأمين.
وفي هذا السياق، قال جيمس ويلسون، محلل لدى شركة ICIS، إن التوترات الجيوسياسية في المنطقة أدت إلى اضطرابات حادة في أسواق البتروكيماويات، مع تعطل ما بين 75 % إلى 80 % من صادرات الكيماويات من الشرق الأوسط، وهي نسبة مرشحة للارتفاع.
وأضاف أن «التأثير يظهر بشكل فوري في الأسواق، خاصة من ناحية الإمدادات والأسعار»، مشيراً إلى أن الأزمة لا تقتصر على المنتجات النهائية، بل تمتد إلى اللقيم، بما في ذلك النفط والنافثا وغاز البترول المسال.
وأوضح أن «الأسعار العالمية سجلت ارتفاعات سريعة، مع زيادات مزدوجة الرقم في عدة منتجات، فيما تضاعفت أسعار بعض السلاسل المرتبطة بالنفط»، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد.
قيود لوجستية
من جانبه، قال جو الدويهي، خبير اقتصادي لدى Coface، إن «التأثير على منتجي البتروكيماويات في دول الخليج سلبي على المدى القصير، نتيجة عدم القدرة على تصدير الإنتاج»، مبيناً أن «المشكلة لا تتعلق بالطلب، بل بالقدرة على نقل المنتجات خارج المنطقة».
وأضاف أن «منتجي الخليج يتمتعون بميزة تنافسية عالمية بفضل انخفاض تكلفة اللقيم، خاصة الإيثان، إلا أن هذه الميزة تصبح غير فعّالة عند تعطل الصادرات»، مشيراً إلى أن «النتيجة تتمثل في تراجع الشحنات والإيرادات، وضغوط على معدلات التشغيل».
آسيا في قلب الأزمة
وأشار ويلسون إلى أن آسيا تعد الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على إمدادات الشرق الأوسط، حيث تستورد نحو ثلث احتياجاتها من النفط الخام من المنطقة، إضافة إلى ذلك تستورد آسيا كامل حجم صادرات الشرق الأوسط من النافثا وغاز البترول المسال.
وبيّن أن «نحو 30 % من طاقات التكسير البخاري في آسيا خارج الصين متوقفة حالياً»، موضحاً أن هذه الوحدات تمثل الأساس لإنتاج الأوليفينات مثل الإيثيلين والبروبيلين.
وأضاف أن نقص اللقيم أدى إلى توقف وحدات إنتاج رئيسية، ما ساهم في تقليص المعروض ورفع الأسعار.
وفي السياق ذاته، أشار الدويهي إلى أن «عدداً من المنتجين الآسيويين بدأوا خفض معدلات التشغيل أو إعلان القوة القاهرة نتيجة نقص اللقيم»، في ظل الاعتماد الكبير على إمدادات الخليج.
وقال ويلسون إن «حركة السفن عبر مضيق هرمز تراجعت إلى مستويات محدودة، مع عبور سفينة أو سفينتين يومياً فقط»، مبيناً أن «التأمين لا يزال متاحاً لكنه مرتفع التكلفة بشكل كبير».
وأضاف أن «تكلفة وقود السفن ارتفعت بشكل حاد، وهو ما يمثل العامل الرئيسي في زيادة أسعار الشحن عالمياً».
وأوضح أن «عدداً كبيراً من السفن يتمركز حالياً بالقرب من الهند، في انتظار إعادة فتح الممرات»، مشيراً إلى أن «استمرار الأزمة قد يدفع هذه السفن لتغيير وجهاتها نحو أسواق أخرى، ما يزيد من اختلال سلاسل الإمداد».
وأكد أن «هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وتأخير التسليم، ما يضغط على المعروض ويرفع الأسعار النهائية للبتروكيماويات».
من جهته، أكد الدويهي أن «تكاليف الشحن تشهد ارتفاعاً واضحاً نتيجة زيادة التأمين والوقود، في ظل غياب مسارات بديلة واضحة لصادرات البتروكيماويات الخليجية».
وأشار إلى أن «معظم المنتجات البتروكيماوية لا يمكن إعادة توجيهها بسهولة عبر بدائل لوجستية، بخلاف النفط الخام»، ما يؤدي إلى اختناقات في الإمدادات ويدعم الأسعار.
الأسعار عالمياً
وأوضح أليكس ساندز، رئيس تسعير البتروكيماويات لدى Argus، أن «تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أدى إلى قيود حادة على وصول اللقيم إلى المصانع، خاصة في آسيا، ما دفع أسعار المواد الأولية إلى الارتفاع بشكل كبير».
وبيّن أن نحو 37 % من تجارة النافثا العالمية و25 % من تجارة غاز البترول المسال تمر عبر المضيق، ومعظمها متجه إلى آسيا»، ما يفسر شدة التأثير في الأسواق الآسيوية.
وأشار إلى أن بعض المصانع في آسيا أوقفت الإنتاج، فيما خفضت مصانع أخرى معدلات التشغيل، مع احتمال توقف المزيد في حال استنفاد المخزونات.
وأضاف أن أسعار الإيثيلين في آسيا تضاعفت تقريباً منذ بداية الأزمة، فيما ارتفعت أسعار البولي إيثيلين بنحو 57 %.
وأوضح أن «تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط أدى أيضاً إلى احتجاز كميات كبيرة من المنتجات داخل المنطقة، ما ساهم في نقص المعروض في الأسواق العالمية».
اتساع تأثير الأزمة
وقال أليكس ساندز، رئيس تسعير البتروكيماويات لدى Argus، إن إعلان سابك حالة القوة القاهرة على الميثانول والستايرين يمثل مجرد مؤشر على تأثير أوسع بكثير في السوق.
وأضاف أن «توقف مجمع صدارة، أحد أكبر المجمعات البتروكيماوية في العالم، نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد، يعكس عمق الأزمة»، متوقعاً «حدوث المزيد من الإغلاقات في حال استمرار الأوضاع الحالية».
الولايات المتحدة مرشحة للاستفادة
وأوضح ويلسون أن منتجي النافثا في آسيا يسجلون أدنى هوامش ربحية تاريخياً، نتيجة ارتفاع تكاليف اللقيم بشكل أسرع من أسعار المنتجات.
وأضاف أن «هذا الوضع قد يسرّع قرارات إغلاق بعض المصانع التي كانت تعاني أساساً من ضعف الهوامش».
من جانبه، أشار جو الدويهي إلى أن «تأثير الأزمة على الهوامش لا يزال غير متكافئ بين المناطق والمنتجات»، مبيناً أن «المنتجين المعتمدين على النافثا، لا سيما في آسيا، هم الأكثر تعرضاً للضغوط، نتيجة ارتفاع تكلفة اللقيم وزيادة مخاطر الإمدادات في الوقت ذاته».
وأضاف أن «المنتجين في أوروبا سيظلون تحت ضغط على هوامش الربحية في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة، لا سيما الغاز والكهرباء، ورغم أن اعتمادهم الأقل على إمدادات الخليج يحدُّ من مخاطر نقص الإمدادات، فإن ذلك لا يعوض تأثير التكاليف المرتفعة على الأداء المالي».
في المقابل، أكد كلٌ من ويلسون والدويهي أن «المنتجين المعتمدين على الإيثان، خاصة في الولايات المتحدة، يبرزون كأكبر المستفيدين المحتملين من استمرار التوترات»، في ظل انخفاض تكلفة اللقيم واتساع الفجوة بين أسعار النفط والغاز.
وأشار ويلسون إلى أن «المنتجين في الولايات المتحدة وكندا قد يكونون أبرز المستفيدين، نظراً لاعتمادهم على الإيثان منخفض التكلفة»، مضيفاً أن «تكاليف الإنتاج لديهم لم ترتفع بنفس الوتيرة العالمية».
كما لفت إلى أن «الفجوة في التكلفة بين الولايات المتحدة وبقية العالم اتسعت، ما يعزز تنافسية الصادرات الأمريكية خلال الفترة المقبلة».
منتصف أبريل
وأوضح ويلسون أن «منتصف أبريل قد يمثل نقطة تحول، حيث تبدأ اضطرابات الإمدادات في التفاقم بشكل أكبر إذا لم يتم احتواء الأزمة».
وأضاف أن «استمرار الأزمة لعدة أشهر قد يؤدي إلى تراجع نمو الطلب أو حتى انخفاضه مقارنة بالعام الماضي».
من جانبه، توقع جو الدويهي أن «استمرار التوترات سيُبقي أسعار البتروكيماويات مرتفعة مع تقلب في الهوامش، خاصة لدى المنتجين المعتمدين على النافثا والقطاعات التحويلية الأكثر تأثراً بارتفاع التكاليف».
وأضاف أن «الأسواق قد تشهد مزيداً من إعادة توجيه التدفقات التجارية، مع توجه آسيا لاستيراد كميات أكبر من خارج منطقة الخليج».
وحذر من أن «أي تصعيد إضافي أو تعطل أكبر في الإمدادات قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، ويؤدي إلى خفض معدلات التشغيل، مع زيادة مخاطر تدمير الطلب إذا لم تتمكن الصناعات النهائية من استيعاب ارتفاع التكاليف».
وأشار إلى أن «الضغوط على الهوامش قد تمتد لتشمل كامل سلسلة القيمة في حال تفاقم الأزمة».