مخاوف الدولار تدفع الذهب نحو القمة
ارتفعت أسعار الذهب، اليوم الخميس، محافظة على وجودها فوق مستوى 4600 دولار للأوقية، مع استمرار المخاوف بشأن تآكل القوة الشرائية للدولار وتفاقم العجز المالي الأميركي، بينما تحول اهتمام المستثمرين إلى خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش المرتقب في ندوة جاكسون هول، بحثاً عن إشارات تحدد اتجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. وصعد الذهب في المعاملات الفورية 0.4 % إلى 4611.16 دولار للأوقية بحلول الساعة 06:30 بتوقيت غرينتش، فيما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للمعدن الأصفر 0.3 % إلى 4664.50 دولار، لتظل الأسعار قريبة من مستويات مرتفعة تاريخياً بعد موجة صعود قوية خلال الأسبوع الماضي.
رهان الدولار
يأتي الصعود في ظل عودة مفهوم «تآكل القوة الشرائية للدولار» إلى واجهة النقاشات في الأسواق، مع ارتفاع الدين والعجز الأميركيين وتزايد التساؤلات بشأن قدرة السياسة المالية على تحقيق استقرار مستدام في المالية العامة.
وقال كلفن وونج، محلل الأسواق لدى «أواندا»، إن الذهب يتلقى دعماً على المدى المتوسط من المخاوف المتعلقة بالقوة الشرائية للعملة الأميركية، إلى جانب القلق بشأن عجز الميزانية.
ويستفيد الذهب عادة عندما تتزايد المخاوف بشأن العملات الورقية أو استدامة الديون، إذ ينظر إليه المستثمرون باعتباره مخزناً للقيمة وأداة لتنويع المحافظ بعيداً عن العملات والسندات الحكومية.
واكتسب هذا العامل زخماً إضافياً بعدما ارتفع الذهب بأكثر من 5 % خلال الأسبوع الماضي، عقب قرار وزارة الخزانة الأميركية توسيع عمليات إعادة شراء السندات القديمة طويلة الأجل.
ورغم أن الهدف من عمليات إعادة الشراء يتمثل في تحسين السيولة وكفاءة التداول في سوق سندات الخزانة، أثارت الخطوة نقاشاً بين المستثمرين حول ما إذا كانت السلطات الأميركية تتحرك أيضاً نتيجة القلق من الارتفاع الكبير في العوائد طويلة الأجل وتزايد تكلفة تمويل الدين.
وتزداد حساسية الأسواق تجاه هذه القضية بعدما تجاوز الدين الوطني الأميركي حاجز 40 تريليون دولار، ما يجعل مسار العجز والإصدارات الحكومية عاملاً مؤثراً ليس فقط في السندات، وإنما أيضاً في الدولار والذهب.
وفي هذا السياق، أصبح المعدن الأصفر مستفيداً من مفارقة واضحة: ارتفاع المخاوف المالية الأميركية يدفع بعض المستثمرين إلى البحث عن بديل للدولار، بينما تظل قوة الاقتصاد والتضخم المرتفع عاملين يمكن أن يقودا إلى فائدة أعلى، وهو تطور سلبي نظرياً للذهب.
اختبار الفائدة
تتجه الأنظار الآن إلى جاكسون هول، حيث يلقي وورش خطاباً غداً الجمعة من المتوقع أن يكون من أكثر الأحداث تأثيراً في الأسواق هذا الأسبوع.
ويبحث المستثمرون عن أي توضيح لموقف الاحتياطي الفيدرالي بعد بيانات أظهرت أن التضخم الأميركي لا يزال أعلى بكثير من مستهدف البنك المركزي البالغ 2 %، الأمر الذي أعاد النقاش بشأن إمكانية رفع أسعار الفائدة بدلاً من تخفيضها.
ويرى وونج أن السوق تنتظر الخطاب للحصول على صورة أوضح بشأن طريقة تعامل الاحتياطي الفيدرالي مع الظروف الاقتصادية الحالية، مشيراً إلى أن غياب توجيهات محددة بشأن السياسة المستقبلية قد يبقي توقعات المستثمرين للفائدة دون تغير كبير.
وتظهر أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» أن الأسواق تسعر احتمالاً بنسبة 36.1 % لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر، فيما ترتفع النسبة إلى 72.1 % بحلول ديسمبر.
وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الذهب، لأن المعدن لا يقدم فائدة دورية لحائزيه. وكلما ارتفعت عوائد السندات والفائدة الحقيقية، زادت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب مقارنة بالأصول التي تدر عائداً.
لكن هذه العلاقة أصبحت أكثر تعقيداً في المرحلة الحالية. فإذا جاء رفع الفائدة نتيجة فقدان السيطرة على التضخم أو تصاعد المخاوف بشأن الدين والدولار، فقد يستمر الطلب على الذهب بوصفه أداة تحوط، حتى مع ارتفاع العوائد.
وأظهرت بيانات الأربعاء أن التضخم السنوي الأميركي ظل في يوليو عند مستوى يتجاوز بوضوح مستهدف الاحتياطي الفيدرالي، مع توقف غير متوقع لمسار تراجع الضغوط السعرية التي تصاعدت بفعل تداعيات الحرب مع إيران.
حاجز 4700
إلى جانب السياسة النقدية، تستمر التطورات الجيوسياسية في تقديم دعم إضافي للذهب. ويزور رئيس الوزراء القطري طهران في محاولة لإعادة إطلاق المسار الدبلوماسي، بعد أشهر من الصراع وتبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران.
وتراقب الأسواق نتائج التحركات بسبب تأثيرها المحتمل على التوتر في الشرق الأوسط ومضيق هرمز وأسعار الطاقة. وأي تعثر للمفاوضات قد يعيد الطلب على الملاذات الآمنة، بينما يمكن لتقدم دبلوماسي واضح أن يخفض جزءاً من علاوة المخاطر الجيوسياسية في المعدن الأصفر.
لكن الارتفاع الأخير يضع الذهب أمام مستويات فنية مهمة. وقالت لينه تران، محللة الأسواق لدى «إكس.إس دوت كوم»، إن منطقة 4700 دولار لا تزال تشكل حاجزاً رئيسياً على المدى القصير.
وترى أن المعدن قد يحتاج إلى فترة من التماسك داخل نطاق يتراوح بين 4500 و4700 دولار قبل اكتساب زخم يسمح بحركة جديدة، وهو ما يجعل المستوى الأعلى محوراً رئيسياً لمراقبة قوة المشترين.
ويشير النطاق إلى أن السوق دخلت مرحلة اختبار بعد المكاسب السريعة الأخيرة. فاختراق 4700 دولار يمكن أن يعزز رهانات استمرار الاتجاه الصعودي، بينما قد يؤدي الفشل المتكرر في تجاوزه إلى عمليات جني أرباح.
وامتد الاتجاه الإيجابي إلى بقية المعادن النفيسة، إذ ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 1 % إلى 68.77 دولار للأوقية، وزاد البلاتين 0.5 % إلى 1837.48 دولار، فيما صعد البلاديوم 0.1 % إلى 1329.81 دولار.
الذهب ينتظر إشارة وورش الحاسمة
تدخل سوق الذهب مرحلة شديدة الحساسية بعدما اجتمعت ثلاثة عوامل لدعم الأسعار: المخاوف بشأن القوة الشرائية للدولار، والقلق من المسار المالي الأميركي، واستمرار المخاطر الجيوسياسية. لكن وصول المعدن إلى مستويات مرتفعة يجعل اتجاهه التالي مرتبطاً بدرجة كبيرة بإشارات السياسة النقدية. فإذا تبنى وورش لهجة متشددة وعزز احتمالات رفع الفائدة، فقد يواجه الذهب ضغوطاً مؤقتة مع ارتفاع العوائد والدولار. أما إذا ركز على مخاطر النمو أو تجنب الالتزام بمزيد من التشديد، فقد يحصل المعدن على الزخم اللازم لاختبار حاجز 4700 دولار. وبين الاحتمالين، تكشف مكاسب الأسبوع الماضي أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى الذهب باعتباره مجرد رهان على خفض الفائدة، بل أيضاً كتحوط من الدين والعجز واحتمال تراجع القوة الشرائية للعملة الأميركية.