تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسار‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتطوره‭ ‬عبر‭ ‬العصور

QQ.33 1

تُصدر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الهيئات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬مجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المطبوعات‭ ‬والدراسات‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬قضايا‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتجارية‭ ‬وسكانية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬المتخصصة‭. ‬وتتميز‭ ‬هذه‭ ‬الإصدارات‭ ‬بأنها‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إمكانات‭ ‬كبيرة‭ ‬وجهود‭ ‬جماعية‭ ‬منظمة،‭ ‬حيث‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬كم‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬والسجلات‭ ‬والبيانات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬قدراً‭ ‬عالياً‭ ‬من‭ ‬الدقة‭ ‬والشمول‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬تشتت‭ ‬الجهود‭ ‬الفردية‭ ‬ويعزز‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬العمل‭ ‬العلمي‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬يستطيع‭ ‬الأفراد‭ ‬إنجازه‭ ‬بإمكاناتهم‭ ‬المحدودة‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهمية‭ ‬البحوث‭ ‬الرسمية‭ ‬على‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬التشريعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬المراحل‭ ‬التاريخية‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التشريعات‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬بصورة‭ ‬موجزة‭ ‬ومختصرة،‭ ‬فإنها‭ ‬تضمنت‭ ‬أسساً‭ ‬ومبادئ‭ ‬اقتصادية‭ ‬يمكن‭ ‬تطويرها‭ ‬وتحليلها‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع‭ ‬وأكثر‭ ‬دقة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التنظيم‭ ‬والمضمون‭.‬
وقد‭ ‬تركت‭ ‬هذه‭ ‬البحوث‭ ‬والتشريعات‭ ‬أثراً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الباحثين‭ ‬والاقتصاديين،‭ ‬إذ‭ ‬شكلت‭ ‬منطلقاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والنظريات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فغالباً‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الوثائق‭ ‬موضوعاً‭ ‬للنقد‭ ‬أو‭ ‬التأييد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة‭ ‬وتطوير‭ ‬مفاهيم‭ ‬قائمة‭. ‬كما‭ ‬أتاحت‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تضمنتها‭ ‬فرصاً‭ ‬لإعادة‭ ‬الصياغة‭ ‬والتفسير‭ ‬والتوسع،‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ويواكب‭ ‬المتغيرات‭ ‬المتلاحقة‭.‬

المطبوعات‭ ‬الرسمية

ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬جلياً‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المفكرين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الذين‭ ‬استندوا‭ ‬في‭ ‬كتاباتهم‭ ‬إلى‭ ‬مناقشة‭ ‬التشريعات‭ ‬والسياسات‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬عصورهم‭. ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬بعض‭ ‬المؤلفات‭ ‬الكبرى‭ ‬كرد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬أفكار‭ ‬اقتصادية‭ ‬كانت‭ ‬مطبقة‭ ‬آنذاك،‭ ‬أو‭ ‬بهدف‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬أنظمة‭ ‬وتشريعات‭ ‬قائمة،‭ ‬فيما‭ ‬انطلقت‭ ‬كتابات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬قواعد‭ ‬الملكية‭ ‬أو‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المعمول‭ ‬بها،‭ ‬لتؤسس‭ ‬لاحقاً‭ ‬لمدارس‭ ‬واتجاهات‭ ‬فكرية‭ ‬جديدة‭.‬
وسار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬المحدثين‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬ذاته،‭ ‬فاتخذوا‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القائمة‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬لتحليلاتهم‭ ‬ودراساتهم‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬نقدهم‭ ‬للسياسات‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬أو‭ ‬تقييمهم‭ ‬للأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬السائدة،‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬رؤى‭ ‬وأفكار‭ ‬أوسع‭ ‬أدرجوها‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬فكرية‭ ‬متكاملة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬والتشريعات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الحديثة‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬مبادئ‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قد‭ ‬نضجت‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬المؤلفات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية،‭ ‬لكنها‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬توسعت‭ ‬وتطورت‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬تشكل‭ ‬اتجاهات‭ ‬فكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متكاملة‭.‬
تطور‭ ‬الأفكار

لفهم‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بصورة‭ ‬أعمق،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬واسع‭ ‬يتيح‭ ‬رؤية‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الكبرى‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الانشغال‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬الجزئية‭. ‬فكما‭ ‬تمنحنا‭ ‬الرؤية‭ ‬من‭ ‬مرتفع‭ ‬شاهق‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬طائرة‭ ‬صورة‭ ‬شاملة‭ ‬لمعالم‭ ‬الأرض‭ ‬وتضاريسها،‭ ‬فإن‭ ‬استعراض‭ ‬التاريخ‭ ‬عبر‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬طويلة‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬المسارات‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬تطور‭ ‬الأفكار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتفاعلاتها‭ ‬المختلفة‭.‬
وعند‭ ‬دراسة‭ ‬تاريخ‭ ‬المجتمعات‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬متقاربة،‭ ‬يواجه‭ ‬الباحث‭ ‬كماً‭ ‬هائلاً‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬والآراء‭ ‬المتشابكة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬متناقضة‭ ‬أو‭ ‬متداخلة‭. ‬أما‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬عبر‭ ‬أزمنة‭ ‬أطول‭ ‬فيكشف‭ ‬أنماطاً‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬واستقراراً،‭ ‬ويتيح‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬الأفكار‭ ‬والشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬أثراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فالمبادئ‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬مجرد‭ ‬أفكار‭ ‬نظرية،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مرجع‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬والقواعد‭ ‬التنظيمية‭ ‬والإدارية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬اختيار‭ ‬الأحداث‭ ‬والأفكار‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬مؤثرة‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬محايدة‭ ‬بالكامل،‭ ‬إذ‭ ‬تخضع‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬لرؤية‭ ‬الباحث‭ ‬ومنهجه‭ ‬في‭ ‬التحليل‭. ‬فكل‭ ‬قراءة‭ ‬للتاريخ‭ ‬تتأثر‭ ‬بخلفية‭ ‬صاحبها‭ ‬الفكرية‭ ‬والقيم‭ ‬التي‭ ‬يستند‭ ‬إليها،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تفسير‭ ‬الوقائع‭ ‬يختلف‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الموضوعية‭ ‬يتطلب‭ ‬تدريباً‭ ‬مستمراً‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬التطورات‭ ‬التاريخية‭ ‬ضمن‭ ‬سياقها‭ ‬الواسع،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة‭ ‬أو‭ ‬التصورات‭ ‬الجاهزة‭.‬

المنظور‭ ‬التاريخي

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭ ‬الشامل‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬شهد‭ ‬عدداً‭ ‬محدوداً‭ ‬من‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬الجوانب‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والفلسفية‭ ‬أيضاً‭. ‬وقد‭ ‬ارتبط‭ ‬كل‭ ‬اتجاه‭ ‬منها‭ ‬بمرحلة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬تطور‭ ‬المجتمعات‭ ‬وأساليب‭ ‬تنظيمها‭ ‬للحياة‭ ‬العامة‭.‬
ففي‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬خلال‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬برزت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المراحل‭ ‬الفكرية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬التي‭ ‬عكست‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المجتمعات‭ ‬آنذاك‭. ‬فقد‭ ‬ارتبط‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الوسيط‭ ‬بالنظام‭ ‬الإقطاعي‭ ‬واقتصاد‭ ‬المدن،‭ ‬ثم‭ ‬ظهر‭ ‬الاتجاه‭ ‬التجاري‭ ‬متزامناً‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬والاكتشافات‭ ‬الجديدة‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬برزت‭ ‬أفكار‭ ‬التحرر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬انسجمت‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬التجارة‭ ‬والأسواق،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬إلى‭ ‬اتجاهات‭ ‬أكثر‭ ‬حداثة‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والاقتصادات‭ ‬المفتوحة‭. ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة،‭ ‬اكتسبت‭ ‬الأفكار‭ ‬الاشتراكية‭ ‬حضوراً‭ ‬متزايداً‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ودور‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬والتنمية‭.‬
ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬التاريخي‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬البريطانية‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬انتقالاً‭ ‬متدرجاً‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬التجاري‭ ‬إلى‭ ‬مبادئ‭ ‬الحرية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬توجهات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬أكثر‭ ‬تدخلاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬فقد‭ ‬اختلطت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬بعوامل‭ ‬قومية‭ ‬وسياسية‭ ‬وظروف‭ ‬محلية‭ ‬خاصة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬مسار‭ ‬التطور‭ ‬أقل‭ ‬وضوحاً‭ ‬وأكثر‭ ‬تعقيداً‭.‬

التحولات‭ ‬الفكرية

كما‭ ‬يكشف‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬متكررة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الجدل‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬المدارس‭ ‬الفكرية‭ ‬المختلفة‭. ‬فكل‭ ‬اتجاه‭ ‬جديد‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يبدأ‭ ‬بنقد‭ ‬الأفكار‭ ‬السائدة‭ ‬قبله‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬تجاوزها‭ ‬أو‭ ‬استبدالها‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬المراحل‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬صراعات‭ ‬فكرية‭ ‬حادة‭ ‬بين‭ ‬المدارس‭ ‬المتنافسة،‭ ‬حيث‭ ‬سعت‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬إثبات‭ ‬صحة‭ ‬رؤيتها‭ ‬وتفنيد‭ ‬آراء‭ ‬خصومها‭. ‬وأسهم‭ ‬هذا‭ ‬التفاعل‭ ‬النقدي‭ ‬المتواصل‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ودفعه‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬والتجدد‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭.‬
يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬فهم‭ ‬أي‭ ‬اتجاه‭ ‬اقتصادي‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬التاريخي‭ ‬ومقارنته‭ ‬بالاتجاهات‭ ‬التي‭ ‬سبقته‭. ‬فعندما‭ ‬يهيمن‭ ‬فكر‭ ‬معين‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬زمنية‭ ‬ما،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬النموذج‭ ‬الأمثل‭ ‬والقادر‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الحلول‭ ‬لجميع‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بينما‭ ‬تُصوَّر‭ ‬الأفكار‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أقل‭ ‬صواباً‭ ‬أو‭ ‬أهمية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬الظروف‭ ‬وظهور‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬يكشفان‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬حدود‭ ‬ذلك‭ ‬الاتجاه‭ ‬والافتراضات‭ ‬التي‭ ‬استند‭ ‬إليها،‭ ‬ويظهران‭ ‬مدى‭ ‬ارتباطه‭ ‬بالبيئة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬فيها‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬تقييم‭ ‬المدارس‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬مرحلة‭ ‬هيمنتها،‭ ‬حين‭ ‬تتضح‭ ‬نقاط‭ ‬قوتها‭ ‬ومواطن‭ ‬قصورها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬تأثيرها‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬عصرها‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬اعتاد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الاتجاه‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬زمنهم‭ ‬باعتباره‭ ‬الأكثر‭ ‬انسجاماً‭ ‬مع‭ ‬العقل‭ ‬والمنطق‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬التاريخ‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مدرسة‭ ‬اقتصادية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬استجابة‭ ‬لظروف‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬محددة،‭ ‬وليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬نموذجاً‭ ‬صالحاً‭ ‬لكل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭.‬

نظرية‭ ‬العصور

شهدت‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬خلال‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬هيمنة‭ ‬فكر‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬استمر‭ ‬عدة‭ ‬قرون،‭ ‬وارتبط‭ ‬بصورة‭ ‬وثيقة‭ ‬بالتنظيم‭ ‬الإقطاعي‭ ‬السائد‭ ‬آنذاك‭. ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المراتب‭ ‬والواجبات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬فئاته‭ ‬المختلفة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬طبقة‭ ‬دور‭ ‬محدد‭ ‬وحقوق‭ ‬والتزامات‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬موقعها‭ ‬داخل‭ ‬البناء‭ ‬الاجتماعي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬ساد‭ ‬تصور‭ ‬للعدالة‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬الحقوق‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬وفق‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والوظيفة‭ ‬التي‭ ‬يؤديها‭ ‬الفرد‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المساواة‭ ‬المطلقة‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭. ‬كما‭ ‬نُظر‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬بوصفه‭ ‬كياناً‭ ‬متكاملاً‭ ‬تتوزع‭ ‬فيه‭ ‬الأدوار‭ ‬بصورة‭ ‬منظمة،‭ ‬بحيث‭ ‬يسهم‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬وظيفة‭ ‬محددة‭ ‬تخدم‭ ‬استقرار‭ ‬المنظومة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بأكملها‭.‬
كما‭ ‬برزت‭ ‬فكرة‭ ‬الاعتدال‭ ‬باعتبارها‭ ‬قيمة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬أو‭ ‬التوسع‭ ‬غير‭ ‬المحدود‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬مستقر‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬التقاليد‭ ‬السائدة‭ ‬واحتياجات‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬السعي‭ ‬المفرط‭ ‬وراء‭ ‬الربح‭ ‬محل‭ ‬تحفظ،‭ ‬إذ‭ ‬اعتُبر‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬الثروة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬اجتماعية‭ ‬ويُضعف‭ ‬التوازن‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬

رجوع لأعلى