تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يطفئ‭ ‬ألوان‭ ‬اليابان

مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يطفئ‭ ‬ألوان‭ ‬اليابان

في‭ ‬متجر‭ ‬صغير‭ ‬بإحدى‭ ‬ضواحي‭ ‬طوكيو،‭ ‬وقف‭ ‬طفل‭ ‬ياباني‭ ‬يحمل‭ ‬كيس‭ ‬رقائق‭ ‬البطاطس‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬شراءه‭ ‬بعد‭ ‬المدرسة،‭ ‬لكنه‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بدا‭ ‬مختلفًا‭ ‬تمامًا‭. ‬اختفت‭ ‬الألوان‭ ‬البرتقالية‭ ‬والصفراء‭ ‬الصاخبة‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬الغلاف،‭ ‬وحل‭ ‬محلها‭ ‬تصميم‭ ‬باهت‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود،‭ ‬وكأن‭ ‬المنتج‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬قديمة‭ ‬فقدت‭ ‬ألوانها‭ ‬بمرور‭ ‬الزمن‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬حملة‭ ‬تسويقية‭ ‬غريبة‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬لإثارة‭ ‬الانتباه،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬انعكاسًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لاضطراب‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬آلاف‭ ‬الكيلومترات،‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭: ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬

من‭ ‬النفط‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية
قد‭ ‬يبدو‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬مضيق‭ ‬بحري‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وكيس‭ ‬رقائق‭ ‬بطاطس‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬أمرًا‭ ‬مبالغًا‭ ‬فيه‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬اليوم‭ ‬مترابط‭ ‬بشكل‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الطاقة‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أدق‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬فالألوان‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تغليف‭ ‬المنتجات‭ ‬الغذائية‭ ‬لا‭ ‬تُصنع‭ ‬فقط‭ ‬داخل‭ ‬مصانع‭ ‬الطباعة،‭ ‬بل‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬كيميائية‭ ‬مشتقة‭ ‬من‭ ‬النفط،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬مادة‭ ‬‮«‬النافثا‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الأحبار‭ ‬والبلاستيك‭ ‬ومواد‭ ‬التغليف‭ ‬المختلفة‭.‬
واليابان،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬الطاقة‭ ‬والمواد‭ ‬البتروكيماوية‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬أزمة‭ ‬مفاجئة‭ ‬بعدما‭ ‬أثرت‭ ‬اضطرابات‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬الإمدادات‭. ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬أعلنت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬كالبي‮»‬،‭ ‬أكبر‭ ‬منتج‭ ‬للوجبات‭ ‬الخفيفة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬تحويل‭ ‬14‭ ‬منتجًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬إلى‭ ‬عبوات‭ ‬أحادية‭ ‬اللون،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬الضغط‭ ‬الذي‭ ‬بدأت‭ ‬تعانيه‭ ‬الشركات‭ ‬الصناعية‭ ‬اليابانية‭.‬

رفوف‭ ‬ناقصة‭ ‬وقلق‭ ‬متصاعد
الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬ألوان‭ ‬التغليف،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬خطوط‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع‭. ‬إحدى‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية‭ ‬المنافسة‭ ‬أثارت‭ ‬حالة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الذعر‭ ‬حين‭ ‬أعلنت‭ ‬تعليق‭ ‬إنتاج‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬منتجاتها‭ ‬بسبب‭ ‬صعوبة‭ ‬تأمين‭ ‬النفط‭ ‬الثقيل‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬تشغيل‭ ‬المصانع‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الرفوف‭ ‬في‭ ‬المتاجر‭ ‬تبدو‭ ‬أقل‭ ‬امتلاءً‭ ‬من‭ ‬المعتاد،‭ ‬لتتحول‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬قضية‭ ‬تخص‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬حديث‭ ‬يومي‭ ‬داخل‭ ‬البيوت‭ ‬اليابانية‭.‬
وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬اليابانية‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬الموقف‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الجدية،‭ ‬فبدأت‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬والصحف‭ ‬تشرح‭ ‬للمواطنين‭ ‬ماهية‭ ‬‮«‬النافثا‮»‬‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وكأنها‭ ‬تقدم‭ ‬درسًا‭ ‬مبسطًا‭ ‬في‭ ‬الكيمياء‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬تنامي‭ ‬المخاوف،‭ ‬خرج‭ ‬المتحدث‭ ‬الحكومي‭ ‬‮«‬كي‭ ‬ساتو‮»‬‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬عاجلة‭ ‬أكد‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬الإمدادات‭ ‬الأساسية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مستقرة،‭ ‬وأن‭ ‬الحكومة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬مسارات‭ ‬بديلة‭ ‬لواردات‭ ‬الطاقة‭ ‬والمواد‭ ‬البتروكيماوية‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬هرمز‭.‬

الأزمة‭ ‬تتمدد‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬شيء
ومع‭ ‬مرور‭ ‬الأيام،‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬أكياس‭ ‬رقائق‭ ‬بطاطس‭. ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬اليابان‭. ‬سلسلة‭ ‬‮«‬لوسون‮»‬،‭ ‬إحدى‭ ‬أكبر‭ ‬سلاسل‭ ‬المتاجر‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بدأت‭ ‬دراسة‭ ‬خطط‭ ‬لتقليص‭ ‬حجم‭ ‬عبوات‭ ‬المياه‭ ‬المعدنية‭ ‬من‭ ‬600‭ ‬مل‭ ‬إلى‭ ‬أحجام‭ ‬أصغر،‭ ‬بهدف‭ ‬تقليل‭ ‬استهلاك‭ ‬البلاستيك‭ ‬والمواد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنفط‭.‬
كما‭ ‬تدرس‭ ‬شركات‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية‭ ‬تقليص‭ ‬أحجام‭ ‬الملصقات‭ ‬المستخدمة‭ ‬على‭ ‬الزجاجات‭ ‬إلى‭ ‬ربع‭ ‬حجمها‭ ‬تقريبًا،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتخفيف‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬البلاستيكية‭. ‬وحتى‭ ‬محلات‭ ‬التنظيف‭ ‬الجاف‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬التأثيرات،‭ ‬بعدما‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬العملاء‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬المنظفات‭ ‬والشماعات‭ ‬البلاستيكية‭ ‬ومواد‭ ‬التغليف‭.‬
هذا‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬التأثيرات‭ ‬جعل‭ ‬اليابانيين‭ ‬يشعرون‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬بأن‭ ‬أزمة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬بعيدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتسلل‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية،‭ ‬من‭ ‬زجاجة‭ ‬الماء‭ ‬إلى‭ ‬كيس‭ ‬القمامة،‭ ‬ومن‭ ‬وجبات‭ ‬الأطفال‭ ‬إلى‭ ‬تكاليف‭ ‬الخدمات‭ ‬المنزلية‭.‬

الثمن‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي
التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬انعكست‭ ‬سريعًا‭ ‬على‭ ‬المزاج‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬اليابان‭. ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬استطلاع‭ ‬لوكالة‭ ‬‮«‬كيودو‮»‬‭ ‬تراجع‭ ‬شعبية‭ ‬الحكومة‭ ‬بنحو‭ ‬2‭.‬5‭% ‬لتستقر‭ ‬عند‭ ‬61‭.‬3‭%‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستهلك‭ ‬الياباني‭ ‬بدأ‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬الخارجية‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬يجده‭ ‬يوميًا‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والمتاجر‭.‬
ورغم‭ ‬محاولات‭ ‬الطمأنة‭ ‬المتكررة،‭ ‬فإن‭ ‬القلق‭ ‬الشعبي‭ ‬استمر‭ ‬في‭ ‬التصاعد‭. ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬‮«‬ساناي‭ ‬تاكايتشي‮»‬‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬طوكيو‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬بديلة‭ ‬للطاقة‭ ‬والإمدادات،‭ ‬لكنها‭ ‬رفضت‭ ‬الدعوات‭ ‬التي‭ ‬طالبت‭ ‬بفرض‭ ‬إجراءات‭ ‬تقشفية‭ ‬واسعة‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬استهلاك‭ ‬المواطنين‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬الأخرى‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬حاولت‭ ‬وزارة‭ ‬البيئة‭ ‬احتواء‭ ‬موجة‭ ‬الشائعات‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬حول‭ ‬احتمال‭ ‬نقص‭ ‬المنتجات‭ ‬البلاستيكية‭ ‬وأكياس‭ ‬القمامة،‭ ‬إذ‭ ‬خرج‭ ‬الوزير‭ ‬‮«‬هيروتاكا‭ ‬إيشيهارا‮»‬‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬المخزون‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬متوفرًا،‭ ‬داعيًا‭ ‬المواطنين‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬الشراء‭ ‬بدافع‭ ‬الذعر‭.‬

عالم‭ ‬يفقد‭ ‬ألوانه
ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬فهو‭ ‬يكشف‭ ‬بوضوح‭ ‬كيف‭ ‬أصبح‭ ‬العالم‭ ‬مترابطًا‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬مضيق‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يغيّر‭ ‬شكل‭ ‬المنتجات‭ ‬في‭ ‬متاجر‭ ‬طوكيو،‭ ‬وأن‭ ‬يدفع‭ ‬شركات‭ ‬عملاقة‭ ‬لإلغاء‭ ‬الألوان‭ ‬من‭ ‬أغلفتها،‭ ‬وأن‭ ‬يخلق‭ ‬نقاشًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬داخل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬القوى‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬
كيس‭ ‬‮«‬السناكس‮»‬‭ ‬الأبيض‭ ‬والأسود‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬غلاف‭ ‬مختلف،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬لعالم‭ ‬بات‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية‭ ‬تجاه‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭. ‬وبينما‭ ‬يظن‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭ ‬تُقاس‭ ‬بأسعار‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬البورصات،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬اليابانيين‭ ‬اكتشفوا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأزمات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُقاس‭ ‬أيضًا‭ ‬بعدد‭ ‬الألوان‭ ‬المفقودة‭ ‬من‭ ‬رفوف‭ ‬المتاجر‭.‬

رجوع لأعلى