تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتحولات‭ ‬التنموية

TT…33

يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التكلفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بوصفها‭ ‬مجموع‭ ‬الأعباء‭ ‬التي‭ ‬يتحملها‭ ‬المجتمع‭ ‬نتيجة‭ ‬إنتاج‭ ‬سلعة‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬خدمة‭ ‬معينة،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬عليه‭ ‬عبء‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭. ‬ويقوم‭ ‬تقدير‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬كيفية‭ ‬توظيف‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الظروف‭ ‬الممكنة،‭ ‬مع‭ ‬استبعاد‭ ‬أثر‭ ‬القيود‭ ‬الناشئة‭ ‬عن‭ ‬الاحتكارات،‭ ‬أو‭ ‬اختلالات‭ ‬التنظيم،‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬المعلومات‭.‬
ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬كفاءة‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭ ‬تمثل‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مستوى‭ ‬هذه‭ ‬التكلفة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬تحسن‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬يؤدي‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬التكلفة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكلفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬علاقة‭ ‬عكسية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الاستثماري‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تشغيل‭ ‬الموارد‭ ‬المعطلة‭ ‬وتنشيط‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬عبئاً‭ ‬اجتماعياً،‭ ‬طالما‭ ‬أنها‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬دخول‭ ‬جديدة‭ ‬وتحريك‭ ‬عناصر‭ ‬إنتاج‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬مستخدمة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الإنفاق‭ ‬المنتج‭ ‬للدخل‭ ‬والإنفاق‭ ‬الذي‭ ‬يستهلك‭ ‬الموارد‭ ‬دون‭ ‬مردود‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭.‬

التكلفة‭ ‬الاجتماعية

توجد‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المخطط‭ ‬رؤيتان‭ ‬أساسيتان‭: ‬الأولى‭ ‬تُعرف‭ ‬باقتصاد‭ ‬التوازن،‭ ‬والثانية‭ ‬باقتصاد‭ ‬الهدف‭. ‬ويقوم‭ ‬اقتصاد‭ ‬التوازن‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬تثبيت‭ ‬مستوى‭ ‬العمالة‭ ‬عند‭ ‬درجة‭ ‬مرتفعة‭ ‬مع‭ ‬تجنب‭ ‬التقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬صعوداً‭ ‬أو‭ ‬هبوطاً،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬استقرار‭ ‬التشغيل‭ ‬واستمراريته‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تتولى‭ ‬الجهات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختصة‭ ‬متابعة‭ ‬دورة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بصورة‭ ‬دقيقة،‭ ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬التدخل‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات‭ ‬ضعف‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬مالية‭ ‬واستثمارية‭ ‬سريعة‭ ‬الاستجابة‭.‬
كما‭ ‬تعتمد‭ ‬سلطات‭ ‬التخطيط‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬سياسات‭ ‬مسبقة‭ ‬لمعالجة‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬الكلي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تحفيز‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭ ‬الحقيقي‭ ‬وإجمالي‭ ‬الطلب‭ ‬الفعال،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬للسوق‭ ‬بامتصاص‭ ‬كامل‭ ‬الناتج‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يوفره‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬نظري،‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬انتقادات،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الكاملة‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر‭ ‬يتطلب‭ ‬أجهزة‭ ‬رقابية‭ ‬دائمة‭ ‬وإمكانات‭ ‬تنظيمية‭ ‬كبيرة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التخطيط‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بهدف‭ ‬التشغيل،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬ككل‭.‬

اقتصاد‭ ‬التوازن

يُطرح‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬نموذج‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬اقتصاد‭ ‬الهدف،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬العمالة‭ ‬الكاملة‭ ‬هدفاً‭ ‬مباشراً،‭ ‬بل‭ ‬يعتبرها‭ ‬نتيجة‭ ‬جانبية‭ ‬لتحقق‭ ‬أهداف‭ ‬قومية‭ ‬محددة‭ ‬مسبقاً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العامة‭ ‬والتنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة‭ ‬مثل‭ ‬الاستعدادات‭ ‬العسكرية،‭ ‬ومشروعات‭ ‬الإعمار،‭ ‬وتنمية‭ ‬المناطق‭ ‬الفقيرة،‭ ‬وبرامج‭ ‬الإسكان،‭ ‬وتطوير‭ ‬النقل‭ ‬والملاحة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬والصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬الخارجية‭.‬
ويتم‭ ‬تصميم‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬ضمن‭ ‬خطط‭ ‬زمنية‭ ‬محددة‭ ‬تمتد‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬تحديد‭ ‬حجمها‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬الطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬وقدرة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬كما‭ ‬ترتبط‭ ‬أدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬والإشراف‭ ‬بحجم‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف،‭ ‬بحيث‭ ‬تُستخدم‭ ‬بالقدر‭ ‬اللازم‭ ‬لضمان‭ ‬تنفيذ‭ ‬البرامج‭ ‬دون‭ ‬إحداث‭ ‬اختلالات‭ ‬اقتصادية‭.‬
ويتميز‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أساساً‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬وحيوية‭ ‬مقارنة‭ ‬باقتصاد‭ ‬التوازن،‭ ‬إذ‭ ‬ترتبط‭ ‬السياسات‭ ‬فيه‭ ‬بأهداف‭ ‬تنموية‭ ‬واضحة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحفيز‭ ‬المجتمع‭ ‬ودفعه‭ ‬نحو‭ ‬المشاركة‭ ‬والإنتاج‭.‬

اقتصاد‭ ‬الهدف

من‭ ‬أبرز‭ ‬الإشكاليات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بنموذج‭ ‬التخطيط‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬العمالة‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬الضائعة‭ ‬بين‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتحول‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬فعلي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التشغيل‭. ‬وهذه‭ ‬الفجوة‭ ‬الزمنية‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬التحديات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ففي‭ ‬تجارب‭ ‬سابقة،‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬تراوحت‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬وثمانية‭ ‬عشر‭ ‬شهراً‭ ‬بين‭ ‬تخصيص‭ ‬الاعتمادات‭ ‬وبداية‭ ‬الإنفاق‭ ‬الفعلي‭. ‬كما‭ ‬قدّر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬“تنبرجن”‭ ‬هذه‭ ‬المدة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الكساد‭ ‬بما‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬ثمانية‭ ‬أشهر‭ ‬وستة‭ ‬عشر‭ ‬شهراً‭ ‬بين‭ ‬قرار‭ ‬الاستثمار‭ ‬وظهور‭ ‬أثره‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬العمالة‭.‬
وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬صعوبة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬الثابت‭ ‬لتحقيق‭ ‬العمالة‭ ‬الكاملة‭ ‬بشكل‭ ‬دائم،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬مناسب‭ ‬لمرحلة‭ ‬الركود‭.‬

التخطيط‭ ‬الثابت

يقوم‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصاد‭ ‬الهدف‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬مختلف،‭ ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬قومية‭ ‬محددة‭ ‬مسبقاً‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الكاملة،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬العمالة‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لتحقيق‭ ‬تلك‭ ‬الأهداف‭.‬
ويجري‭ ‬إعداد‭ ‬هذه‭ ‬الخطط‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬زمنية‭ ‬واضحة‭ ‬تمتد‭ ‬لثلاث‭ ‬أو‭ ‬أربع‭ ‬أو‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬إمكانية‭ ‬تعديل‭ ‬الأهداف‭ ‬بالزيادة‭ ‬أو‭ ‬النقصان‭ ‬وفقاً‭ ‬للظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الداخلية‭ ‬والموقع‭ ‬الدولي‭ ‬للدولة‭ ‬واحتياجات‭ ‬السكان‭ ‬المتغيرة‭.‬
كما‭ ‬تُصمم‭ ‬أدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بحيث‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬الأهداف‭ ‬الموضوعة،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الأهداف‭ ‬متواضعة‭ ‬ومعقولة‭ ‬بقيت‭ ‬الرقابة‭ ‬محدودة،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬اتسع‭ ‬نطاق‭ ‬الأهداف‭ ‬زادت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬تنظيمي‭ ‬أكبر‭ ‬لضمان‭ ‬التنفيذ‭.‬
ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬التنمية،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬موجهاً‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬إنجازات‭ ‬محددة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬قائم‭.‬

التنمية‭ ‬القومية

لقد‭ ‬حظيت‭ ‬قضية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬العمالة‭ ‬الكاملة‭ ‬باهتمام‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬اتفاق‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬تحقيقها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬مالية‭ ‬متنوعة،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تنظيم‭ ‬الاستثمار‭ ‬والادخار‭ ‬الخاص،‭ ‬أو‭ ‬باستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬استقر‭ ‬عليها‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مرتفع‭ ‬وثابت‭ ‬من‭ ‬الطلب‭ ‬الكلي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بمبدأ‭ ‬الطلب‭ ‬الفعال،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬الإنفاق‭ ‬الكلي‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬كامل‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المتاحة‭.‬
ويقتضي‭ ‬ذلك‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬تنظيمية‭ ‬أو‭ ‬حوافز‭ ‬اقتصادية،‭ ‬مع‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬الموجه‭ ‬للاستثمار‭ ‬والإنفاق‭ ‬الموجه‭ ‬للاستهلاك،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استقرار‭ ‬مستوى‭ ‬التشغيل‭.‬

الطلب‭ ‬الفعال

يقوم‭ ‬مبدأ‭ ‬الطلب‭ ‬الفعال‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الافتراضات،‭ ‬بعضها‭ ‬صريح‭ ‬وبعضها‭ ‬ضمني‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الافتراضات‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الكلي‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لن‭ ‬تؤدي‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬والأجور،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يحول‭ ‬أثر‭ ‬الإنفاق‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬تغذية‭ ‬التضخم‭.‬
كما‭ ‬يفترض‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬أن‭ ‬الطاقة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬المتاحة‭ ‬بالكامل،‭ ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬أساسي‭ ‬لتحقيق‭ ‬العمالة‭ ‬الكاملة‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬الشرط،‭ ‬فقد‭ ‬لا‭ ‬يتطابق‭ ‬التشغيل‭ ‬الكامل‭ ‬مع‭ ‬الاستغلال‭ ‬الكامل‭ ‬للطاقة‭ ‬الإنتاجية‭.‬
وتزداد‭ ‬صعوبة‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬صناعية‭ ‬متقدمة‭ ‬أو‭ ‬تجهيز‭ ‬رأسمالي‭ ‬كافٍ،‭ ‬حيث‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬معدلات‭ ‬استثمار‭ ‬مرتفعة‭ ‬يصاحبها‭ ‬عادة‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬التكاليف‭ ‬الإنتاجية‭.‬
وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬التاريخية،‭ ‬مثل‭ ‬بولندا‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ممكناً‭ ‬تحقيق‭ ‬العمالة‭ ‬الكاملة‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬فقط،‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬التركيبة‭ ‬السكانية‭ ‬وضعف‭ ‬البنية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الاستثمار‭ ‬وحده‭ ‬غير‭ ‬كافٍ‭ ‬دون‭ ‬توافر‭ ‬إمكانات‭ ‬فنية‭ ‬وطبيعية‭ ‬مناسبة‭.‬

افتراضات‭ ‬الطلب

ينقسم‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬في‭ ‬رؤيتهم‭ ‬للمستقبل‭ ‬إلى‭ ‬اتجاهات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬اتجاه‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التحليل‭ ‬العقلي‭ ‬المجرد،‭ ‬ويعالج‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بأسلوب‭ ‬أكاديمي‭ ‬صارم‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المنطق،‭ ‬دون‭ ‬ارتباط‭ ‬مباشر‭ ‬بالتجربة‭ ‬الميدانية‭.‬
ويتميز‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬نماذج‭ ‬تحليلية‭ ‬دقيقة‭ ‬وتقديم‭ ‬تصورات‭ ‬نظرية‭ ‬متماسكة،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬قد‭ ‬يبتعد‭ ‬أحياناً‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬المباشر،‭ ‬مما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬تأثيره‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الفعلية‭.‬
وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وضع‭ ‬أسس‭ ‬نظرية‭ ‬مهمة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تأثيره‭ ‬ظل‭ ‬محدوداً‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬خاصة‭ ‬عند‭ ‬غياب‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬التحليل‭ ‬النظري‭ ‬وصناعة‭ ‬القرار‭ ‬الاقتصادي‭.‬

رجوع لأعلى