من الملاعب إلى المكاتب.. المونديال يستنزف إنتاجية الشركات عالميًا
مع انطلاق صافرة البداية لبطولة كأس العالم لكرة القدم، تدخل الشركات والمؤسسات حول العالم مرحلة استثنائية من التحديات المرتبطة بإدارة القوى العاملة، في وقت يتابع فيه ملايين الموظفين الحدث الرياضي الأكبر عالمياً بشغف غير مسبوق. فالبطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة تاريخية تضم 48 منتخباً و104 مباريات تمتد على مدار 39 يوماً، لا تقتصر آثارها على الملاعب والجماهير، بل تمتد مباشرة إلى بيئات العمل ومعدلات الإنتاجية وأداء المؤسسات في مختلف القطاعات.
حمى كروية
وأظهرت دراسة حديثة أجرتها منصة الموارد البشرية «يو كيه جي» أن تأثير البطولة على أماكن العمل أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، حيث باتت المباريات عاملاً مؤثراً في قرارات الموظفين اليومية، سواء فيما يتعلق بالإجازات أو الحضور والانصراف أو إعادة ترتيب ساعات العمل. وشملت الدراسة 800 موظف في ثماني دول مختلفة، ورصدت حجم التغيرات المتوقعة في سلوك العاملين خلال فترة البطولة.
وكشفت النتائج أن نحو 33 بالمئة من الموظفين يعتزمون الحصول على يوم إجازة واحد على الأقل خلال فترة كأس العالم، في مؤشر واضح على أولوية متابعة المباريات لدى شريحة واسعة من العاملين. كما أظهرت الدراسة أن 27 بالمئة من الموظفين يخططون للتأخر عن العمل أو المغادرة مبكراً أو حتى التغيب بشكل كامل في بعض أيام البطولة، ما يضع إدارات الموارد البشرية أمام تحديات تشغيلية متزايدة.
جداول متغيرة
ولم تتوقف التأثيرات عند حدود الإجازات والغياب، إذ أشار الاستطلاع إلى أن 37 بالمئة من المشاركين يعتزمون إعادة تنظيم جداول أعمالهم بالكامل بما يتناسب مع توقيت المباريات، خصوصاً في الدول التي تتزامن فيها المواجهات الكبرى مع ساعات العمل الرسمية. ويعكس ذلك مدى التداخل بين الحدث الرياضي العالمي ومتطلبات الحياة المهنية اليومية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المؤسسات قد تواجه ضغوطاً إضافية للحفاظ على مستويات الأداء المعتادة خلال الأسابيع المقبلة، خاصة في القطاعات الخدمية التي تعتمد على الحضور المباشر والتفاعل المستمر مع العملاء. كما أن تزايد طلبات المرونة في ساعات العمل قد يدفع العديد من الشركات إلى تبني ترتيبات مؤقتة تسمح للموظفين بمتابعة الحدث دون التأثير الكبير على سير الأعمال.
المديرون أيضًا
المثير للاهتمام أن الحماس الكروي لم يقتصر على الموظفين فحسب، بل امتد أيضاً إلى مستويات الإدارة العليا. فبحسب الدراسة، يخطط 42 بالمئة من المديرين للحصول على يوم إجازة واحد على الأقل خلال فترة البطولة، ما يعكس حجم الجاذبية التي يتمتع بها الحدث حتى لدى المسؤولين التنفيذيين وصناع القرار داخل المؤسسات.
ويشير ذلك إلى أن التحدي لا يقتصر على إدارة الموظفين فقط، بل يمتد إلى ضمان استمرارية اتخاذ القرارات والإشراف الإداري خلال فترة تتراجع فيها مستويات التواجد الفعلي لبعض القيادات. كما يبرز الحاجة إلى خطط تشغيلية أكثر مرونة تضمن استمرارية الأعمال في ظل ظروف استثنائية تتكرر كل أربع سنوات.
فاتورة اقتصادية
وعلى المستوى الاقتصادي، تبدو الأرقام أكثر لفتًا للانتباه، إذ تتوقع الدراسة أن تصل خسائر الإنتاجية العالمية المرتبطة بالبطولة إلى نحو 17 مليار دولار خلال فترة إقامة المنافسات. وتستحوذ الولايات المتحدة على النصيب الأكبر من هذه الخسائر بواقع 11.7 مليار دولار، مستفيدة في الوقت نفسه من استضافة العدد الأكبر من المباريات والذي يصل إلى 78 مباراة، بما فيها المباراة النهائية.
وتأتي ألمانيا في المرتبة الثانية بخسائر إنتاجية متوقعة تبلغ 1.34 مليار دولار، تليها المملكة المتحدة بنحو 912 مليون دولار، ثم فرنسا بحوالي 749 مليون دولار. كما تشمل القائمة أستراليا بخسائر تقدر بنحو 653 مليون دولار، وكندا بـ479 مليون دولار، وهولندا بـ388 مليون دولار، فيما تصل الخسائر المتوقعة في المكسيك إلى نحو 369 مليون دولار.
تحدٍ إداري
وفي تعليقه على نتائج الدراسة، أكد المسؤول في منصة «يو كيه جي» سوريش فيتال أن كأس العالم لم يعد مجرد مناسبة رياضية عالمية، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الشركات على التخطيط الفعال للقوى العاملة وإدارة الموارد البشرية بكفاءة خلال الفترات الاستثنائية. وأوضح أن تجاهل تأثير البطولة قد ينعكس سلباً على الأداء والإنتاجية والتواصل الداخلي وحتى على مستويات الاحتفاظ بالموظفين.
وأضاف أن الانتشار الواسع لظاهرة التغيب عن العمل أو الحضور غير الفعال يؤدي إلى آثار فورية ومكلفة على المؤسسات، تشمل انخفاض الإنتاجية وتراجع جودة الخدمة المقدمة للعملاء وارتفاع الضغوط على بقية أفراد الفريق الذين يتحملون مسؤوليات إضافية لتعويض النقص في القوى العاملة.
ومع استمرار البطولة حتى التاسع عشر من يوليو المقبل، تبدو الشركات حول العالم أمام معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على الإنتاجية والاستجابة لرغبات الموظفين في متابعة الحدث الرياضي الأبرز عالمياً، في وقت تؤكد فيه الأرقام أن تأثير كأس العالم لم يعد يقتصر على المستطيل الأخضر، بل أصبح يمتد إلى المكاتب وقاعات الاجتماعات ومؤشرات الأداء الاقتصادي حول العالم.