تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من‭ ‬كادبوري‭ ‬إلى‭ ‬ساربنس‭ ‬أوكسلي‭.. ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬قواعد‭ ‬الحوكمة

GGGG…133

لم‭ ‬تعد‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬مجرد‭ ‬إطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬لضبط‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أحد‭ ‬المعايير‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تُقاس‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬قوة‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭. ‬فمع‭ ‬تزايد‭ ‬تعقيد‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال،‭ ‬وظهور‭ ‬أزمات‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬وغياب‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى،‭ ‬اتجهت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬نماذج‭ ‬جديدة‭ ‬تعزز‭ ‬المساءلة‭ ‬وتعيد‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬والجهات‭ ‬الرقابية‭.‬
ومن‭ ‬خلال‭ ‬تجارب‭ ‬دولية‭ ‬متباينة،‭ ‬نشأت‭ ‬منظومات‭ ‬حوكمة‭ ‬أصبحت‭ ‬لاحقاً‭ ‬مرجعاً‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬علاقة‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬والمساهمين‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬وترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬الإفصاح‭ ‬والرقابة‭ ‬والشفافية‭.‬
في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات،‭ ‬برزت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬الحوكمة،‭ ‬ورسخت‭ ‬معايير‭ ‬جديدة‭ ‬للشفافية‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وأصبحت‭ ‬مرجعاً‭ ‬استندت‭ ‬إليه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬عند‭ ‬بناء‭ ‬أطرها‭ ‬التنظيمية‭.‬

تقرير‭ ‬كادبوري

تُعد‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬أرست‭ ‬المفهوم‭ ‬الحديث‭ ‬لحوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬وذلك‭ ‬عقب‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإخفاقات‭ ‬المالية‭ ‬وحالات‭ ‬التلاعب‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬والقوائم‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬أوجه‭ ‬قصور‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬والإفصاح‭ ‬داخل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة،‭ ‬كما‭ ‬أسهم‭ ‬انهيار‭ ‬بنك‭ ‬الاعتماد‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولي‭ (‬BCCI‭) ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الضغوط‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭.‬
ودفع‭ ‬ذلك‭ ‬مجلس‭ ‬التقارير‭ ‬المالية‭ (‬FRC‭)‬،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬بورصة‭ ‬لندن‭ ‬والهيئات‭ ‬المهنية،‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬حوار‭ ‬موسع‭ ‬حول‭ ‬تطوير‭ ‬الحوكمة،‭ ‬تُوج‭ ‬عام‭ ‬1992‭ ‬بإصدار‭ ‬تقرير‭ ‬كادبوري‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المراجع‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬
تضمن‭ ‬تقرير‭ ‬كادبوري‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أساساً‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬الحوكمة‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭:‬
●‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعات‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬بصورة‭ ‬منتظمة‭ ‬مع‭ ‬ممارسة‭ ‬رقابة‭ ‬شاملة‭ ‬ومستمرة‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ ‬الشركة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭.‬
●‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬مهنية‭ ‬ومستقلة‭ ‬بين‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والمراجعين‭ ‬الخارجيين‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬حيادية‭ ‬عملية‭ ‬المراجعة‭.‬
●‭ ‬التزام‭ ‬الإدارة‭ ‬بالإفصاح‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬فاعلية‭ ‬نظام‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭.‬
●‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬بين‭ ‬الأعضاء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬وغير‭ ‬التنفيذيين‭.‬
●‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬مراجعة‭ ‬مستقلة‭ ‬تضم‭ ‬أعضاء‭ ‬غير‭ ‬تنفيذيين‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مصالح‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬استقلاليتها‭.‬
●‭ ‬الإفصاح‭ ‬الكامل‭ ‬عن‭ ‬جميع‭ ‬المكافآت‭ ‬والمزايا‭ ‬التي‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭.‬

استقلالية‭ ‬المراجعة
لم‭ ‬تتوقف‭ ‬جهود‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬عند‭ ‬تقرير‭ ‬كادبوري،‭ ‬بل‭ ‬استمرت‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬اللجان‭ ‬والتقارير‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬الإطار‭ ‬الحديث‭ ‬للحوكمة‭.‬
ففي‭ ‬عام‭ ‬1983‭ ‬أُنشئت‭ ‬لجنة‭ ‬مراجعة‭ ‬الحسابات‭ ‬لتنظيم‭ ‬عمل‭ ‬مراجعي‭ ‬الحسابات‭ ‬الخارجيين‭ ‬للسلطات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬إنجلترا،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬استقلالية‭ ‬المراجعة‭ ‬ويرفع‭ ‬كفاءتها‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1995‭ ‬صدر‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬جرينبري،‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬مكافآت‭ ‬أعضاء‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬وكبار‭ ‬التنفيذيين،‭ ‬وأوصى‭ ‬بتشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬مستقلة‭ ‬للمكافآت‭ ‬تضـم‭ ‬ثلاثـة‭ ‬أعضاء‭ ‬غير‭ ‬تنفيذيين‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬تتولى‭ ‬تحديد‭ ‬المكافآت‭ ‬وربطها‭ ‬بالأداء‭.‬
وفي‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭ ‬شُكلت‭ ‬لجنة‭ ‬هامبل‭ ‬لمراجعة‭ ‬مدى‭ ‬تطبيق‭ ‬توصيات‭ ‬تقريري‭ ‬كادبوري‭ ‬وجرينبري،‭ ‬وأكد‭ ‬تقريرها‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬يتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الكاملة‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية،‭ ‬خاصة‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬إجراء‭ ‬تقييم‭ ‬دوري‭ ‬لكفاءة‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭.‬

الرقابة‭ ‬الداخلية
شهد‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬إصدار‭ ‬الكود‭ ‬الموحد‭ ‬لحوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬توصيات‭ ‬التقارير‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واحد،‭ ‬وأصبح‭ ‬الالتزام‭ ‬به‭ ‬أحد‭ ‬متطلبات‭ ‬الإدراج‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬لندن‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬صدر‭ ‬تقرير‭ ‬تيرنبول‭ ‬الذي‭ ‬ألزم‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارات‭ ‬بالإفصاح‭ ‬عن‭ ‬كفاءة‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية،‭ ‬قبل‭ ‬تحديثه‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬لتعزيز‭ ‬مسؤوليات‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬ولجنة‭ ‬المراجعة‭ ‬في‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬والرقابة‭ ‬الداخلية‭.‬
كما‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬هيغز‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الأعضاء‭ ‬غير‭ ‬التنفيذيين‭ ‬واستقلاليتهم،‭ ‬لترسخ‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بذلك‭ ‬نموذجاً‭ ‬متكاملاً‭ ‬للحوكمة‭ ‬أصبح‭ ‬مرجعاً‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

مبادئ‭ ‬إرشادية
بدأ‭ ‬الاهتمام‭ ‬المؤسسي‭ ‬بحوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عبر‭ ‬المبادرات‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬صناديق‭ ‬التقاعد‭ ‬الكبرى،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬صندوق‭ ‬معاشات‭ ‬موظفي‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭ (‬CalPERS‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬مبادئ‭ ‬إرشادية‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬وتعزيز‭ ‬استقلالية‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬وتفعيل‭ ‬دور‭ ‬اللجان‭ ‬المتخصصة‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1987‭ ‬أصدرت‭ ‬لجنة‭ ‬تريدواي‭ ‬تقريرها‭ ‬النهائي،‭ ‬الذي‭ ‬تضمن‭ ‬توصيات‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الغش‭ ‬والتلاعب‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬المالية‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬المراجعة‭ ‬الخارجية‭ ‬وترسيخ‭ ‬مسؤولية‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬عن‭ ‬نزاهة‭ ‬التقارير‭ ‬المالية‭.‬
قانون‭ ‬ساربنس‭ ‬

في‭ ‬أعقاب‭ ‬انهيار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬الكبرى‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬أقر‭ ‬الكونغرس‭ ‬الأميركي‭ ‬قانون‭ ‬‮«‬ساربنس‭ ‬أوكسلي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬التشريعات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحوكمة‭.‬
وألزم‭ ‬القانون‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬بتطبيق‭ ‬أنظمة‭ ‬رقابة‭ ‬داخلية‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة،‭ ‬كما‭ ‬حمّل‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬والمدير‭ ‬المالي‭ ‬مسؤولية‭ ‬قانونية‭ ‬وجنائية‭ ‬عن‭ ‬صحة‭ ‬البيانات‭ ‬والتقارير‭ ‬المالية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الشركة،‭ ‬بما‭ ‬عزز‭ ‬مستويات‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭.‬

استقلالية‭ ‬أكبر‭ ‬
بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬قانون‭ ‬ساربنس‭ ‬أوكسلي،‭ ‬اقترحت‭ ‬بورصة‭ ‬نيويورك‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة‭ ‬للإدراج‭ ‬تلزم‭ ‬الشركات‭ ‬بوجود‭ ‬أعضاء‭ ‬مستقلين‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة،‭ ‬كما‭ ‬أنشأت‭ ‬الرابطة‭ ‬القومية‭ ‬لمديري‭ ‬الشركات‭ ‬لجنة‭ ‬متخصصة‭ ‬لمتابعة‭ ‬مخاطر‭ ‬الشركات‭ ‬ودعم‭ ‬دور‭ ‬المديرين‭ ‬المستقلين‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬ألزمت‭ ‬بورصتا‭ ‬نيويورك‭ ‬وناسداك‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬بأن‭ ‬يشكل‭ ‬الأعضاء‭ ‬المستقلون‭ ‬غالبية‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استقلالية‭ ‬المجلس‭ ‬تعزز‭ ‬الرقابة‭ ‬وترفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭.‬
كما‭ ‬ألزمت‭ ‬هيئة‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭ ‬والبورصات‭ ‬الأميركية‭ (‬SEC‭) ‬عام‭ ‬2006‭ ‬الشركات‭ ‬بتقديم‭ ‬إفصاحات‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬حول‭ ‬مكافآت‭ ‬كبار‭ ‬التنفيذيين‭ ‬وأعضاء‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭.‬

دور‭ ‬اللجان‭ ‬
بدأ‭ ‬الاهتمام‭ ‬الفرنسي‭ ‬بحوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬دور‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأجانب‭ ‬وصناديق‭ ‬التقاعد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توجه‭ ‬فرنسا‭ ‬لتطوير‭ ‬سوق‭ ‬باريس‭ ‬للأوراق‭ ‬المالية‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1995‭ ‬صدر‭ ‬تقرير‭ ‬فيينو‭ ‬الأول،‭ ‬الذي‭ ‬أوصى‭ ‬بضرورة‭ ‬وجود‭ ‬عضوين‭ ‬مستقلين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬وتشكيل‭ ‬لجان‭ ‬للمراجعة‭ ‬والمكافآت‭ ‬والتعيينات،‭ ‬والإفصاح‭ ‬السنوي‭ ‬عن‭ ‬أعمالها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬امتلاك‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬أسهم‭ ‬الشركة،‭ ‬وتجنب‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬عضويات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬إدارات‭ ‬مختلفة‭.‬

فيينو‭ ‬وماريني‭ ‬
خلال‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1996‭ ‬و2002‭ ‬صدرت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التقارير‭ ‬المكملة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬تقرير‭ ‬ماريني‭ ‬الذي‭ ‬أوصى‭ ‬بإمكانية‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬منصبي‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والمدير‭ ‬التنفيذي‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬لجان‭ ‬المجلس‭.‬
كما‭ ‬صدر‭ ‬تقرير‭ ‬فيينو‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬وظائف‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والمدير‭ ‬العام،‭ ‬والإفصاح‭ ‬عن‭ ‬مكافآت‭ ‬المديرين،‭ ‬وتنظيم‭ ‬أعمال‭ ‬المجلس‭ ‬ولجانه،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإفصاح‭ ‬المالي،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التزام‭ ‬الشركات‭ ‬بالتوصيات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬التقريرين‭.‬
ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬طورتها،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرجعاً‭ ‬أساسياً‭ ‬اعتمدت‭ ‬عليه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬عند‭ ‬إعداد‭ ‬أطر‭ ‬الحوكمة‭ ‬الوطنية‭. ‬كما‭ ‬استندت‭ ‬إليها‭ ‬منظمات‭ ‬دولية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ (‬OECD‭)‬،‭ ‬عند‭ ‬تطوير‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬معياراً‭ ‬استرشادياً‭ ‬للشركات‭ ‬والجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭.‬
وأثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬الحوكمة‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بوجود‭ ‬التشريعات،‭ ‬وإنما‭ ‬بفاعلية‭ ‬تطبيقها،‭ ‬ووجود‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬والإفصاح،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استقلالية‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة،‭ ‬وكفاءة‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وقدرة‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمعايير‭ ‬المعتمدة‭.‬
كما‭ ‬ساهمت‭ ‬التطورات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬في‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬والتشغيلية‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬القرارات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬المحليين‭ ‬والأجانب‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الشركات‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭.‬
واليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬خياراً‭ ‬تنظيمياً،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مرتكزات‭ ‬الاستدامة‭ ‬المؤسسية‭ ‬والتنافسية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬تنظر‭ ‬إليها‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬باعتبارها‭ ‬عنصراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬الشركات،‭ ‬وجذب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬وخفض‭ ‬المخاطر‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬استمرار‭ ‬تطوير‭ ‬التشريعات‭ ‬والمعايير‭ ‬الدولية‭ ‬بما‭ ‬يتواكب‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬العالمية‭.‬

رجوع لأعلى