من يتقن الذكاء الاصطناعي يقود الاقتصاد العالمي
يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً تاريخياً غير مسبوق، لم تعد فيه الموارد الطبيعية أو القوة الصناعية التقليدية أو حتى حجم الاقتصاد وحدها المحدد الرئيسي لمكانة الدول، بل أصبح التفوق في الذكاء الاصطناعي هو العامل الأكثر تأثيراً في جذب الاستثمارات، وتحقيق النمو، وصناعة الثروة، وإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية العالمية.
فبعد سنوات من الحديث عن الثورة الرقمية، بات الذكاء الاصطناعي يمثل المحرك الأساسي للأسواق المالية والاقتصادات الكبرى، حتى أصبح المستثمرون يقيمون الدول والشركات بناءً على قدرتها على تطوير التقنيات الذكية أو المشاركة في بنيتها التحتية، بدءاً من الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات، وصولاً إلى البرمجيات والنماذج اللغوية المتقدمة.
وتشير التحولات الأخيرة في أسواق المال إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع اقتصادي واعد، بل تحول إلى الإطار الذي يعاد من خلاله توزيع رؤوس الأموال عالمياً، بحيث تتدفق الاستثمارات نحو الدول التي تمتلك منظومة ابتكار قوية، بينما تواجه الاقتصادات المتأخرة في هذا المجال ضغوطاً متزايدة وخروجاً تدريجياً للاستثمارات الأجنبية.
ويؤكد هذا الواقع أن العالم يدخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ»الاقتصاد القائم على الذكاء الاصطناعي»، حيث أصبحت التكنولوجيا المتقدمة تمثل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد قيمة الأسواق والشركات وحتى الاقتصادات الوطنية.
الذكاء الاصطناعي يصبح المحرك الأول للأسواق العالمية
للمرة الأولى منذ عقود، تتركز حركة أسواق المال العالمية حول قصة استثمارية واحدة تكاد تطغى على جميع العوامل الأخرى، وهي الذكاء الاصطناعي.
فقد أصبحت تقييمات الأسهم، واتجاهات الاستثمار، وأداء البورصات، مرتبطة بصورة مباشرة بحجم انكشاف كل اقتصاد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء من خلال تطوير البرمجيات، أو تصنيع الرقائق الإلكترونية، أو بناء البنية التحتية الرقمية.
ويرى خبراء أن الأسواق لم تعد تمنح القيمة الأكبر للشركات التقليدية، بل للشركات التي تمتلك القدرة على إنتاج أو تشغيل أو دعم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى إعادة رسم خريطة الاستثمار العالمي.
كما أصبحت الشركات التي تعمل في هذا القطاع تحقق معدلات نمو وربحية تفوق بكثير متوسطات القطاعات الأخرى، الأمر الذي جذب إليها الجزء الأكبر من السيولة العالمية.
الولايات المتحدة والصين تتصدران السباق العالمي
تواصل الولايات المتحدة والصين ترسيخ مكانتهما باعتبارهما أكبر قوتين عالميتين في مجال الذكاء الاصطناعي.
فالولايات المتحدة تمتلك أكبر شركات تطوير النماذج اللغوية والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، بينما تواصل الصين تعزيز قدراتها في تطوير التطبيقات والمنصات والابتكار الصناعي.
وتشير التقديرات إلى أن استثمارات الذكاء الاصطناعي تمثل أكثر من 40% من القيمة السوقية للأسهم الأميركية، كما ساهمت بأكثر من 80 % من مكاسب السوق خلال العام الحالي، وهو ما يعكس مدى اعتماد الأسواق الأميركية على هذا القطاع.
أما في الصين، فقد أصبحت شركات التكنولوجيا الناشئة المحرك الحقيقي للنمو، في وقت تواجه فيه الشركات العملاقة التقليدية تحديات تتعلق بإعادة هيكلة نماذج أعمالها للاستفادة من الطفرة الحالية.
ويرى محللون أن المنافسة بين واشنطن وبكين لم تعد تقتصر على الاقتصاد أو التجارة، وإنما انتقلت إلى سباق مباشر على قيادة الثورة التكنولوجية المقبلة.
أشباه الموصلات تتحول إلى صناعة استراتيجية
برزت صناعة أشباه الموصلات باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الجديد.
فكل تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعتمد بصورة مباشرة على الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وهو ما منح الدول الرائدة في هذا المجال مكانة استثنائية داخل الأسواق العالمية.
وتعد تايوان وكوريا الجنوبية واليابان من أكبر المستفيدين من هذا التحول، بفضل امتلاكها شركات عالمية متخصصة في تصنيع الرقائق والمكونات الإلكترونية.
كما أصبحت شركات معدات تصنيع الرقائق من أكثر الشركات قيمة في العالم، نتيجة الطلب المتزايد على بناء مراكز البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
دول جديدة تستفيد من سلاسل الإمداد
لم تقتصر مكاسب الذكاء الاصطناعي على القوى التكنولوجية الكبرى فقط، بل امتدت إلى عدد من الاقتصادات الناشئة التي أصبحت جزءاً من سلاسل الإمداد العالمية.
فقد برزت دول مثل ماليزيا وسنغافورة كمراكز رئيسية لمراكز البيانات والبنية الرقمية، بينما استفادت المكسيك وتايلاند وفيتنام من زيادة صادرات المكونات الإلكترونية والخوادم والدوائر المتقدمة.
وتعكس هذه التطورات توسع المنظومة العالمية للذكاء الاصطناعي، بحيث لم تعد تعتمد على عدد محدود من الدول، وإنما أصبحت تشمل شبكة واسعة من الموردين والمصنعين.
كما تسهم هذه الاستثمارات في تعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة داخل تلك الاقتصادات.
أوروبا تواجه تحدياً تنافسياً متزايداً
في المقابل، تواجه معظم الاقتصادات الأوروبية تحديات واضحة في مواكبة الطفرة الحالية.
فباستثناء هولندا، التي تمتلك شركات عالمية متخصصة في معدات تصنيع الرقائق الإلكترونية، لا تزال غالبية الدول الأوروبية بعيدة عن قيادة موجة الذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن الاعتماد الكبير على الصناعات التقليدية، وضعف الاستثمار في التقنيات المتقدمة، جعلا أوروبا أقل استفادة من التحول الحالي مقارنة بالولايات المتحدة وآسيا.
كما تواجه شركات التكنولوجيا الأوروبية منافسة قوية من نظيراتها الأميركية والصينية، وهو ما يحد من قدرتها على جذب رؤوس الأموال العالمية.
البحث والتطوير معيار القوة الاقتصادية الجديدة
أصبحت الاستثمارات في البحث والتطوير أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها المستثمرون لتقييم قدرة الدول على المنافسة مستقبلاً.
وتنفق الدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي أكثر من 3 % من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، وهو ما يزيد على ثلاثة أضعاف ما تنفقه الاقتصادات المتأخرة.
كما يبلغ متوسط الإنفاق على التكنولوجيا نحو 3.7 % من الناتج المحلي في الدول المتقدمة في الذكاء الاصطناعي، مقابل 2.7 % للدول متوسطـة الأداء، و1.6 % فقط للدول المتأخرة.
المنافسة لا تضمن استمرار الريادة
ورغم تفوق الولايات المتحدة والصين حالياً، فإن المنافسة داخل قطاع الذكاء الاصطناعي تزداد حدة.
ففي الولايات المتحدة، لم تحقق جميع شركات التكنولوجيا العملاقة الأداء نفسه، إذ ارتفعت أسهم بعض الشركات بينما تراجعت أخرى، في ظل احتدام المنافسة العالمية.
أما في الصين، فلا تزال شركات مثل «علي بابا» و»تينسنت» تعمل على إعادة صياغة استراتيجياتها للاستفادة من الثورة الجديدة، بينما تحقق الشركات الناشئة معدلات نمو أسرع، خاصة في الأسواق الثانوية.
وفي اليابان، تغيرت خريطة السوق بصورة كبيرة خلال عام واحد فقط، إذ قفزت أسهم شركات أشباه الموصلات بنحو 200 %، بينما سجلت شركة «كيوكسيا» المتخصصة في ذاكرة الحاسوب ارتفاعاً استثنائياً بلغ نحو 3500 %، لتصبح من أكبر الشركات المدرجة في البلاد.