تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موجات‭ ‬الحر‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬اقتصاد‭ ‬أوروبا

موجات‭ ‬الحر‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬اقتصاد‭ ‬أوروبا

لم‭ ‬تعد‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬أوروبا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مجرد‭ ‬ظاهرة‭ ‬مناخية‭ ‬موسمية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬تحدٍ‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬والشركات‭ ‬والأسر‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭. ‬فالقارة‭ ‬التي‭ ‬شُيدت‭ ‬مدنها‭ ‬ومنازلها‭ ‬لمقاومة‭ ‬البرد‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬تواجه‭ ‬واقعاً‭ ‬مناخياً‭ ‬مختلفاً،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬الرفاهية‭ ‬إلى‭ ‬خانة‭ ‬الضرورات‭.‬
ولعقود‭ ‬طويلة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التكييف‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬إذ‭ ‬اعتمد‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬تصميمات‭ ‬معمارية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬الدفء‭ ‬شتاءً،‭ ‬وعلى‭ ‬وسائل‭ ‬تقليدية‭ ‬لمواجهة‭ ‬حرارة‭ ‬الصيف،‭ ‬مثل‭ ‬التهوية‭ ‬الطبيعية‭ ‬وإغلاق‭ ‬النوافذ‭ ‬والستائر‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬النهار‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬المناخ،‭ ‬وارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي،‭ ‬فرضا‭ ‬واقعاً‭ ‬جديداً‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬معه‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل‭ ‬كافية‭.‬

تحول‭ ‬استهلاكي
وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬20‭% ‬فقط‭ ‬من‭ ‬المنازل‭ ‬الأوروبية‭ ‬تمتلك‭ ‬أجهزة‭ ‬تكييف،‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬90‭% ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬مع‭ ‬تفاوت‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬القارة،‭ ‬إذ‭ ‬تصل‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬المنازل‭ ‬في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬6‭% ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬التاريخية‭ ‬والبنية‭ ‬العمرانية‭.‬
لكن‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬المتكررة،‭ ‬التي‭ ‬اقتربت‭ ‬فيها‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬وسجلت‭ ‬أرقاماً‭ ‬قياسية‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دول،‭ ‬بدأت‭ ‬تغير‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلك‭ ‬الأوروبي‭ ‬بصورة‭ ‬ملحوظة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬تسجيل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1300‭ ‬وفاة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحر‭ ‬منذ‭ ‬21‭ ‬يونيو،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬كثيرين‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التكييف‭ ‬بوصفه‭ ‬وسيلة‭ ‬لحماية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬جهاز‭ ‬منزلي‭ ‬لزيادة‭ ‬الراحة‭.‬
وانعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬سريعاً‭ ‬على‭ ‬الأسواق،‭ ‬إذ‭ ‬شهدت‭ ‬متاجر‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬نفاد‭ ‬مخزون‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف،‭ ‬كما‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التبريد‭ ‬المختلفة،‭ ‬من‭ ‬مكعبات‭ ‬الثلج‭ ‬إلى‭ ‬المراوح‭ ‬وأجهزة‭ ‬التبريد‭ ‬المحمولة،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬تغير‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬استهلاكية‭ ‬اعتادت‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الحر‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬مقاومته‭.‬

فرص‭ ‬استثمارية
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فتحت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬سوقاً‭ ‬ضخمة‭ ‬أمام‭ ‬الشركات‭ ‬المصنعة،‭ ‬خاصة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬شركات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬سامسونج‮»‬‭ ‬الكورية‭ ‬الجنوبية‭ ‬و«ميديا‮»‬‭ ‬الصينية‭ ‬و«ميتسوبيشي‮»‬‭ ‬اليابانية‭ ‬نمواً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬الأوروبي‭. ‬وأعلنت‭ ‬‮«‬سامسونج‮»‬‭ ‬وحدها‭ ‬ارتفاع‭ ‬مبيعاتها‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬10‭% ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام،‭ ‬بينما‭ ‬أدى‭ ‬الطلب‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الطرازات‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأجهزة‭ ‬المستعملة‭ ‬لتتجاوز‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬أسعار‭ ‬الأجهزة‭ ‬الجديدة‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬يصطدم‭ ‬بعقبات‭ ‬هيكلية‭ ‬كبيرة،‭ ‬فمعظم‭ ‬المباني‭ ‬الأوروبية‭ ‬القديمة‭ ‬لم‭ ‬تُصمم‭ ‬لاستيعاب‭ ‬أنظمة‭ ‬التبريد‭ ‬الحديثة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تركيب‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬يتطلب‭ ‬تعديلات‭ ‬إنشائية‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬تكلفتها‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬ألف‭ ‬يورو‭ ‬للتركيب‭ ‬فقط،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬القيود‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المستأجرين‭ ‬من‭ ‬إجراء‭ ‬تعديلات‭ ‬على‭ ‬العقارات،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬والنمسا‭ ‬والدنمارك،‭ ‬حيث‭ ‬يشكل‭ ‬المستأجرون‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬السكان‭.‬

فاتورة‭ ‬اقتصادية
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬التجزئة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭. ‬فبحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬أليانز‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬المرتفعة‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الأوروبي‭ ‬بنحو‭ ‬0.5%‭ ‬سنوياً،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬الخسائر‭ ‬1‭% ‬في‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬أوروبا‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضاً‭ ‬للحر‭.‬
كما‭ ‬تؤثر‭ ‬الحرارة‭ ‬المرتفعة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬إنتاجية‭ ‬العمل،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأداء‭ ‬يتراجع‭ ‬بنحو‭ ‬3‭% ‬مع‭ ‬كل‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬إضافية‭ ‬عندما‭ ‬تتراوح‭ ‬الحرارة‭ ‬بين‭ ‬30‭ ‬و35‭ ‬درجة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يرتفع‭ ‬فيه‭ ‬استهلاك‭ ‬الكهرباء‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬2‭% ‬لكل‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬فوق‭ ‬30‭ ‬مئوية،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬الطاقة‭ ‬ويرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬التشغيل‭ ‬على‭ ‬الشركات‭.‬
وقد‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬الآثار‭ ‬تظهر‭ ‬بالفعل،‭ ‬مع‭ ‬توقف‭ ‬ثلاثة‭ ‬مفاعلات‭ ‬نووية‭ ‬فرنسية‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬حرارة‭ ‬مياه‭ ‬التبريد،‭ ‬واضطرار‭ ‬شركات‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬سرعات‭ ‬القطارات‭ ‬نتيجة‭ ‬تمدد‭ ‬القضبان،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬مواقع‭ ‬البناء،‭ ‬وإغلاق‭ ‬بعض‭ ‬المدارس،‭ ‬وتعديل‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬لحماية‭ ‬العاملين‭ ‬من‭ ‬الإجهاد‭ ‬الحراري‭.‬

تحديات‭ ‬مستقبلية
ويرى‭ ‬اقتصاديون‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬تقف‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬تتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬تحديث‭ ‬المباني،‭ ‬وتعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء،‭ ‬وتطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬التبريد،‭ ‬وإعادة‭ ‬تصميم‭ ‬المدن‭ ‬لتصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬المناخ‭ ‬الجديد‭. ‬فالتحدي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بموجة‭ ‬حر‭ ‬استثنائية،‭ ‬بل‭ ‬بتحول‭ ‬مناخي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬القارة‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬أولوياتها‭ ‬الاستثمارية‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القارة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬يمكنها‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬واقتصادها‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬مناخي‭ ‬جديد‭. ‬فكل‭ ‬صيف‭ ‬أشد‭ ‬حرارة‭ ‬من‭ ‬سابقه‭ ‬يعني‭ ‬استثمارات‭ ‬أكبر،‭ ‬وضغوطاً‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتكاليف‭ ‬اقتصادية‭ ‬متزايدة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬ملفات‭ ‬التنافسية‭ ‬الأوروبية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى