موجة تفاؤل عالمية تدفع «البيتكوين» للصعود القوي فوق 66 ألف دولار
استعادت العملات المشفرة بريقها بقوة مع بداية الأسبوع، بعدما قفزت عملة بيتكوين إلى أعلى مستوياتها في نحو أسبوعين مدفوعة بتحسن شهية المخاطرة العالمية عقب الإعلان عن اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. وجاء هذا الصعود ليؤكد مجدداً أن الأصول الرقمية أصبحت شديدة الحساسية للتطورات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، شأنها شأن الأسهم وأسواق المال التقليدية.
وارتفعت بيتكوين بنحو 4 % لتقترب من مستوى 66 ألف دولار، فيما سجلت عملة الإيثر مكاسب تجاوزت 3.5 %، بينما حققت عملات بديلة مثل سولانا وإكس آر بي ارتفاعات أكبر، في إشارة إلى عودة المستثمرين نحو الأصول ذات المخاطر المرتفعة بعد فترة من التوتر والضغوط البيعية.
وتأتي هذه المكاسب بعد أسابيع صعبة شهدت تراجعات حادة في سوق العملات المشفرة دفعت بيتكوين إلى الهبوط دون مستوى 60 ألف دولار، وسط مخاوف مرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وخروج سيولة من الصناديق الاستثمارية المتداولة الفورية، إضافة إلى عمليات بيع محدودة من بعض المستثمرين المؤسسيين.
لكن التطورات السياسية الأخيرة قلبت المشهد رأساً على عقب، وأعادت الثقة تدريجياً إلى الأسواق المالية العالمية، لتتحول العملات المشفرة مجدداً إلى واحدة من أكبر المستفيدين من موجة التفاؤل الجديدة.
السلام يعيد شهية المخاطرة
لم يكن ارتفاع بيتكوين مرتبطاً بعوامل داخلية تخص سوق العملات المشفرة فقط، بل جاء نتيجة تغير أوسع في المزاج الاستثماري العالمي. فإعلان التوصل إلى إطار عمل لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية التي سيطرت على الأسواق خلال الأشهر الماضية.
وخلال فترات التوتر عادة ما تتجه الأموال نحو الأصول الدفاعية مثل الذهب والسندات الحكومية، بينما تتعرض الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم والعملات المشفرة لضغوط متزايدة. لكن مع تراجع احتمالات التصعيد العسكري وظهور مؤشرات على عودة الاستقرار، بدأت السيولة تتحرك في الاتجاه المعاكس.
وأدى هذا التحول إلى زيادة الطلب على الأصول التي توفر فرص نمو أعلى، وفي مقدمتها العملات الرقمية التي تتميز بحساسيتها الكبيرة للتغيرات في شهية المستثمرين للمخاطرة.
كما أن الأسواق اعتبرت إعادة فتح مضيق هرمز خطوة إيجابية للاقتصاد العالمي، ما عزز التوقعات باستقرار التجارة والطاقة وتقليص احتمالات حدوث صدمات اقتصادية جديدة.
النفط المنخفض يدعم الأسواق
أحد أبرز التأثيرات غير المباشرة للاتفاق السياسي تمثل في الانخفاض الحاد لأسعار النفط العالمية. فمع إعلان التفاهمات المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز تراجعت أسعار الخام بصورة قوية، وهو ما اعتبرته الأسواق مؤشراً إيجابياً للنمو الاقتصادي العالمي.
وانخفاض أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على شركات النفط أو الدول المنتجة فحسب، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ يخفف تكاليف الإنتاج والنقل ويحد من الضغوط التضخمية.
وبالنسبة للمستثمرين في الأصول الرقمية، فإن تراجع التضخم المحتمل يعني انخفاض احتمالات تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة، وهو عامل لطالما شكل دعماً لأسواق العملات المشفرة.
فكلما أصبحت السيولة أقل تكلفة وتراجعت العوائد على الأدوات التقليدية، زادت جاذبية الأصول البديلة ذات العائد المرتفع والمخاطر الأكبر، وهو ما يفسر جزءاً مهماً من المكاسب الأخيرة التي حققتها بيتكوين وبقية العملات الرقمية.
تعافٍ بعد مرحلة صعبة
شهدت سوق العملات المشفرة خلال الأسابيع الماضية واحدة من أكثر الفترات تقلباً منذ بداية العام. فقد تعرضت الأسعار لضغوط متواصلة نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية، إضافة إلى عوامل خاصة بالسوق الرقمية نفسها.
وكانت صناديق الاستثمار المتداولة الفورية في بيتكوين قد سجلت موجات خروج للأموال، ما أثار مخاوف بشأن تراجع الطلب المؤسسي على العملة المشفرة الأكبر عالمياً. كما ساهمت بعض عمليات البيع المحدودة من قبل مستثمرين كبار في زيادة الضغوط على الأسعار.
وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع بيتكوين دون مستوى 60 ألف دولار، وهو ما أثار تساؤلات بشأن قدرة السوق على استعادة زخمها الصعودي.
إلا أن الارتداد الأخير أظهر أن المستثمرين ما زالوا ينظرون إلى التراجعات الحادة باعتبارها فرصاً لإعادة بناء المراكز الاستثمارية، خصوصاً مع استمرار الإيمان بآفاق النمو الطويلة الأجل لسوق الأصول الرقمية.
العملات البديلة تتفوق
ورغم أن بيتكوين استحوذت على الجزء الأكبر من الاهتمام، فإن العملات البديلة سجلت أداءً أقوى نسبياً خلال جلسة الصعود الأخيرة، وهو ما يعد مؤشراً مهماً على تحسن الثقة في السوق ككل.
ففي العادة، عندما يقتصر التفاؤل على بيتكوين وحدها، فإن ذلك يعكس حذراً نسبياً لدى المستثمرين. أما عندما تمتد المكاسب إلى العملات البديلة، فإن ذلك يشير إلى استعداد أكبر لتحمل المخاطر.
وقد استفادت عملات مثل سولانا وإكس آر بي من هذا التحول، محققة مكاسب تفوقت على أداء بيتكوين والإيثر. كما شهدت العديد من العملات الرقمية الأخرى ارتفاعات ملحوظة مدفوعة بعودة المضاربين والمستثمرين إلى السوق.
ويرى محللون أن استمرار هذه الظاهرة قد يشير إلى بداية مرحلة جديدة من النشاط في سوق العملات المشفرة، خاصة إذا استمرت الظروف الاقتصادية العالمية في التحسن.
دور السيولة العالمية
لا يمكن فهم تحركات العملات المشفرة دون النظر إلى البيئة النقدية العالمية. فخلال السنوات الأخيرة أصبحت بيتكوين والأصول الرقمية الأخرى مرتبطة بشكل متزايد بمستويات السيولة العالمية واتجاهات أسعار الفائدة.
وعندما تكون البنوك المركزية في وضع تشديد نقدي، تتراجع جاذبية الأصول عالية المخاطر بسبب ارتفاع تكلفة الأموال وزيادة العوائد على الأدوات التقليدية. أما عندما تنخفض احتمالات رفع الفائدة أو تتراجع العوائد الحقيقية، فإن المستثمرين يميلون إلى البحث عن فرص أكبر للنمو.
وفي الوقت الحالي، ترى الأسواق أن انخفاض أسعار النفط قد يخفف من الضغوط التضخمية، وهو ما قد يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر لتجنب المزيد من التشديد.
هذا التصور ساعد في تعزيز شهية المستثمرين تجاه العملات المشفرة، حتى قبل صدور أي قرارات رسمية من البنوك المركزية الكبرى.
الحذر لم يختفِ بالكامل
ورغم موجة التفاؤل الحالية، فإن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع التطورات السياسية. فالاتفاق المعلن يمثل إطاراً أولياً للسلام وليس تسوية نهائية شاملة، كما أن ملف البرنامج النووي الإيراني ما زال مطروحاً على طاولة المفاوضات.
وتدرك الأسواق أن أي تعثر في المفاوضات أو عودة التوترات العسكرية قد يؤدي إلى تقلبات جديدة في مختلف فئات الأصول، بما فيها العملات الرقمية.
كما أن التصريحات المتشددة التي صدرت بشأن إمكانية استئناف العمليات العسكرية إذا فشلت المفاوضات النهائية أبقت جزءاً من المستثمرين في حالة ترقب، وهو ما يفسر عدم اندفاع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة رغم قوة المكاسب الأخيرة.
لذلك تبقى المرحلة الحالية مرتبطة بشكل وثيق بمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى اتفاقات دائمة ومستقرة.