مونديال 2026.. العوائد أقل من التوقعات
انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو ساخر للمدافع الإسباني مارك كوكوريلا وهو يحمل مجسم كأس العالم داخل كيس بلاستيكي شفاف عقب تتويج منتخب بلاده باللقب الثاني في تاريخه، في مشهد أثار تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه حمل في الوقت نفسه مفارقة اقتصادية لافتة. فبينما بدت الصورة طريفة، أعادت طرح سؤال جوهري حول الجدوى الاقتصادية لاستضافة أكبر حدث رياضي في العالم، وما إذا كانت الولايات المتحدة قد حققت بالفعل المكاسب التي رُوّج لها قبل انطلاق البطولة.
فعلى الرغم من الزخم الإعلامي والجماهيري الذي رافق مونديال 2026، تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن تأثير البطولة على الاقتصاد الأمريكي كان أقل بكثير من التوقعات التي سبقت الحدث، وهو ما أعاد الجدل القديم حول مدى قدرة البطولات الرياضية الكبرى على إحداث طفرة اقتصادية حقيقية.
توقعات لم تتحقق
قبل انطلاق البطولة، روج الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لتقديرات تشير إلى أن كأس العالم سيولد نشاطاً اقتصادياً واسعاً داخل الولايات المتحدة، مع توقعات بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي، وانتعاش قطاعي السياحة والخدمات، وخلق آلاف الوظائف الجديدة.
لكن البيانات الاقتصادية التي صدرت خلال فترة إقامة البطولة وبعدها لم تعكس هذه الصورة المتفائلة، إذ لم يظهر الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي أي قفزة استثنائية يمكن ربطها مباشرة باستضافة الحدث، كما أن العديد من المؤشرات الاقتصادية جاءت أقل من التوقعات.
وأظهرت الأرقام الرسمية تباطؤاً في نمو مبيعات التجزئة، في حين بقيت حركة السياحة الوافدة مستقرة إلى حد كبير، وهو ما يشير إلى أن البطولة لم تحدث الأثر الاقتصادي الواسع الذي كان متوقعاً على مستوى الاقتصاد الأمريكي ككل.
ويرى اقتصاديون أن ضخامة الاقتصاد الأمريكي تجعل من الصعب أن يترك حدث رياضي، مهما كان حجمه، أثراً واضحاً في المؤشرات الاقتصادية الكلية، بعكس الاقتصادات الأصغر التي قد تستفيد بصورة أكبر من مثل هذه الفعاليات.
الوظائف والسياحة
جاءت بيانات سوق العمل لتخالف معظم التوقعات التي سبقت البطولة، إذ فقد قطاع الضيافة والترفيه نحو 61 ألف وظيفة خلال شهر يونيو، في حين كانت التقديرات تشير إلى إمكانية إضافة نحو 185 ألف وظيفة بفضل النشاط السياحي المتوقع.
كما فقد قطاع متاجر التجزئة العامة نحو 5 آلاف وظيفة خلال الشهر نفسه، ما يعكس محدودية تأثير البطولة في دعم التوظيف، رغم الأعداد الكبيرة من الجماهير التي حضرت المباريات.
أما على صعيد السياحة، فقد سجلت أعداد الزوار الوافدين نمواً هامشياً لم يتجاوز 0.2 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو معدل اعتبره محللون أقل بكثير من المستويات التي كانت متوقعة قبل انطلاق البطولة.
وأظهرت البيانات تراجع أعداد الزوار القادمين من أوروبا بنسبة 1.2 %، ومن آسيا بنسبة 5.6 %، في حين ارتفعت أعداد الزوار من أفريقيا وأمريكا الجنوبية، إلا أن هذه الزيادة لم تكن كافية لتعويض الانخفاض في الأسواق الرئيسية.
كما كشفت بيانات التضخم تراجع أسعار الفنادق بنسبة 2.8 % خلال يونيو، وهو ما يتعارض مع التوقعات التي رجحت ارتفاع أسعار الإقامة نتيجة زيادة الطلب، فيما بقيت أسعار تذاكر الطيران مستقرة إلى حد كبير، بينما ارتفعت أسعار خدمات الترفيه بنسبة محدودة بلغت 0.5 % فقط.
الفيفا الرابح الأكبر
رغم محدودية الأثر على الاقتصاد الأمريكي، فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم كان من أبرز المستفيدين مالياً من البطولة، بعدما حقق إيرادات قياسية من مختلف مصادر الدخل.
وبحسب تقديرات بلومبرغ إنتليجنس، بلغت إيرادات الفيفا من بيع التذاكر نحو 9 مليارات دولار، كما حصل على نحو 1.1 مليار دولار إضافية من حقوق البث التلفزيوني داخل الولايات المتحدة عبر شبكتي فوكس وتيليموندو.
وفي المقابل، بلغت التكلفة الإجمالية لتنظيم البطولة نحو 13.9 مليار دولار، تحملت الولايات المتحدة منها نحو 11.1 مليار دولار، بينما كان الفيفا يتوقع أن تحقق الاستضافة فوائد اقتصادية تصل إلى 30.5 مليار دولار، وهي تقديرات لم تؤكدها البيانات الاقتصادية حتى الآن.
ومع ذلك، سجلت المدن المستضيفة أداءً أفضل من المتوسط الوطني، إذ ارتفعت مبيعات الشركات الصغيرة فيها بنسبة 4.1 %، مقارنة بنحو 1.8 % في المدن الأخرى، ما يشير إلى أن المكاسب الاقتصادية تركزت على المستوى المحلي أكثر من انعكاسها على الاقتصـاد الأمريكي بأكمله.
كما لعبت الظروف الخارجية دوراً في الحد من العوائد، إذ تزامنت البطولة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف السفر والاستهلاك، الأمر الذي أضعف جانباً من المكاسب المحتملة.