ميراث التريليونات يصل بعد فوات الفرصة
يشهد العالم أكبر عملية انتقال للثروات في التاريخ، مع توقعات بانتقال أكثر من 80 تريليون دولار بين الأجيال خلال العقدين أو الثلاثة المقبلة، إلا أن الأثر الاقتصادي لهذه الأموال لم يعد مرتبطًا بحجمها فقط، بل أصبح يتوقف بدرجة كبيرة على توقيت انتقالها. فمع ارتفاع متوسط الأعمار حول العالم، بات الأبناء يرثون آباءهم في أعمار متقدمة، بعدما يكون كثير منهم قد أنهى بالفعل أهم قراراته المالية، مثل شراء المنزل أو تأسيس مشروع أو تربية الأبناء، ما يحد من قدرة هذه الثروات على تحفيز النمو الاقتصادي.
أعمار أطول
ارتفع متوسط العمر المتوقع عالمياً من نحو 46 عاماً في خمسينيات القرن الماضي إلى أكثر من 73 عاماً حالياً، بينما يتجاوز 80 عاماً في عدد من الاقتصادات المتقدمة. هذا التحول الديموغرافي غيّر طبيعة انتقال الثروة، إذ أصبح كثير من الورثة يتلقون الميراث بعد تجاوزهم سن الخمسين، مقارنة بعقود سابقة كان انتقال الأموال يحدث خلالها في الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات من العمر.
ويعني ذلك أن الأموال تصل إلى أصحابها في مرحلة تختلف فيها الأولويات الاقتصاديـة؛ فبدلاً مـن توجيههـا نحو الاستهلاك أو الاستثمار في مشاريع جديدة، تميل إلى الادخار أو سداد الالتزامات المالية أو الاستثمار في أدوات منخفضة المخاطر استعدادًا للتقاعد أو لنقلها إلى الجيل التالي.
تأثير اقتصادي
تشير تقديرات تقرير الثروة العالمية الصادر عن «يو بي إس» إلى انتقال أكثر من 80 تريليون دولار من الأصول بين الأجيال خلال السنوات المقبلة، بينما تذهب نحو 9 تريليونات دولار منها بين الأزواج، ويتجه الجزء الأكبر إلى الأبناء والأحفاد، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وأستراليا.
لكن اقتصاديين يرون أن القيمة الاقتصادية لهذه الأموال تتراجع مع تقدم أعمار الورثة، إذ إن الشخص الذي يحصل على الميراث في منتصف الثلاثينيات غالبًا ما يستخدمه في شراء منزل أو تأسيس شركة أو الاستثمار في التعليم، وهي قرارات تخلق نشاطًا اقتصاديًا يمتد لسنوات. أما من يتلقى الثروة بعد الخامسة والخمسين، فيميل إلى الحفاظ عليها بدلًا من ضخها في الاقتصاد.
كما أظهرت دراسات لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن الثروات المفاجئة الناتجة عن الميراث بعد سن 55 لا تؤدي عادة إلى تغيرات كبيرة في أنماط الاستهلاك أو أسلوب الحياة، ما يقلل من أثرها في تحريك النشاط الاقتصادي.
الإسكان أولًا
يبرز سوق الإسكان كأحد أكثر القطاعات تأثراً بتأخر انتقال الثروة. ففي الماضي، كان الميراث يساعد الأبناء على توفير الدفعة الأولى لشراء منزل مع بداية حياتهم العملية، أما اليوم فيحصل كثيرون على هذه الأموال بعد أن يكونوا قد اشتروا مساكنهم بالفعل أو أصبحوا ملتزمين بقروض عقارية طويلة الأجل.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت أسعار المساكن في معظم الاقتصادات المتقدمة بوتيرة تفوق نمو دخول الأسر، ما جعل امتلاك المنزل الأول أكثر صعوبة بالنسبة للأجيال الشابة، وزاد الاعتماد على الدعم العائلي والميراث.
وأدى ذلك إلى ارتفاع متوسط عمر مشتري المنازل لأول مرة إلى نحو 36 عامًا في العديد من الاقتصادات الكبرى، مقارنة بأواخر العشرينيات في ثمانينيات القرن الماضي، بينما تشير تقديرات في المملكة المتحدة إلى أن مساهمات الآباء والأجداد في تمويل شراء المنازل الأولى أصبحت تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات الإسترلينية سنويًا.
استثمارات حذرة
لا يقتصر تأثير تأخر الميراث على سوق العقارات، بل يمتد إلى طبيعة الاستثمارات أيضاً. فالأشخاص الأصغر سنًا يكونون أكثر استعداداً للمخاطرة عبر تأسيس الشركات الناشئة أو الاستثمار في الأسهم أو توسيع أعمالهم الخاصة، بينما يفضل المتقدمون في العمر حماية رأس المال والاعتماد على السندات والودائع والصناديق منخفضة المخاطر والعقارات المدرة للدخل.
وتؤكد تقارير شركات إدارة الأصول العالمية أن المحافظ الاستثمارية تصبح أكثر تحفظًا مع التقدم في العمر، ما يعني أن توقيت انتقال الثروة أصبح عاملًا مؤثراً في وجهة الأموال، وليس فقط في هوية مالكيها.
كما برزت ظاهرة تعرف بـ«حلقة الميراث المزدوجة»، حيث يتلقى أشخاص في الستينيات ميراث آبائهم، ثم يعيدون تحويل جزء كبير منه مباشرة إلى أبنائهم عبر صناديق الأمانات أو الهبات، متجاوزين عمليًا الدورة الاستهلاكية لجيلهم.
وفي المقابل، بدأت بعض العائلات تعيد النظر في أسلوب نقل الثروة، من خلال تقديم هبات مالية للأبناء خلال حياة الآباء، لمساعدتهم على شراء منزل أو تأسيس مشروع أو تمويل التعليم، بما يمنح هذه الأموال أثرًا اقتصادياً أكبر في مرحلة تكون فيها أكثر قدرة على تغيير المسار المالي للمستفيدين.
وتكشف هذه التحولات أن القضية لم تعد مرتبطة بحجم الثروات المتداولة عالميًا، بل بسرعة انتقالها بين الأجيال. فكلما تأخر انتقال الأموال، تراجعت مساهمتها في دعم الاستهلاك وريادة الأعمال وتحفيز الاستثمار، واتسعت الفجوة بين القيمة الضخمة للثروات المسجلة في الميزانيات العمومية وأثرها الحقيقي في الاقتصاد. ومع استمرار ارتفاع متوسط الأعمار، قد يصبح توقيت انتقال الثروة أحد أهم العوامل المؤثرة في رسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.