ناسداك يغلق فوق 27 ألف نقطة للمرة الأولى
واصلت الأسهم الأميركية مسارها الصاعد مع بداية تداولات شهر يونيو، بعدما سجلت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت مستويات تاريخية جديدة مدعومة بمكاسب قوية لأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تحسن معنويات المستثمرين نتيجة استمرار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوترات في الشرق الأوسط.
وعكست جلسة الاثنين مزيجاً من التفاؤل التكنولوجي والحذر الجيوسياسي، إذ تمكن المستثمرون من تجاهل جانب كبير من المخاطر المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة والتركيز على الزخم القوي الذي تواصل شركات التكنولوجيا الكبرى تحقيقه، خاصة في القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبرمجيات.
وأدى هذا التوازن بين العوامل السياسية والاقتصادية إلى استمرار موجة الصعود التي دفعت مؤشري ناسداك وستاندرد آند بورز 500 إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة، في وقت يترقب فيه المستثمرون إشارات إضافية بشأن السياسة النقدية الأميركية ومسار الاقتصاد العالمي خلال النصف الثاني من العام.
مستويات قياسية
أنهى مؤشر S&P 500 الجلسة مرتفعاً بنحو 20.2 نقطة أو 0.27 % ليغلق عند مستوى 7600 نقطة تقريباً، مسجلاً بذلك مستوى قياسياً جديداً يعكس استمرار قوة السوق الأميركية رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية.
كما ارتفع مؤشر «ناسداك» بنحو 114.8 نقطة أو 0.43 % ليصل إلى 27087 نقطة، متجاوزاً حاجز 27 ألف نقطة للمرة الأولى، وهو إنجاز جديد يؤكد استمرار هيمنة شركات التكنولوجيا على أداء الأسواق الأميركية.
أما مؤشر داو جونز فقد سجل مكاسب أكثر تواضعاً بلغت نحو 45 نقطة أو 0.09 % ليغلق فوق مستوى 51 ألف نقطة، مستفيداً من تحسن شهية المستثمرين تجاه الأسهم الكبرى.
وتشير هذه النتائج إلى استمرار الزخم الإيجابي الذي بدأ منذ عدة أشهر، مدعوماً بتحسن الأرباح وتوقعات النمو واستمرار الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
رهان التكنولوجيا
ظل قطاع التكنولوجيا المحرك الرئيسي للأسواق خلال الجلسة، حيث استقطب الجزء الأكبر من السيولة الاستثمارية الباحثة عن فرص النمو المرتفع.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمثل المحرك الأساسي لاستراتيجيات الشركات الأميركية الكبرى، سواء من خلال تطوير الرقائق المتقدمة أو البرمجيات أو البنية التحتية الرقمية اللازمة لدعم هذه الثورة التقنية.
ويرى محللون أن المستثمرين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكبر فرصة نمو في الأسواق العالمية خلال العقد المقبل، وهو ما يفسر استمرار التدفقات المالية الضخمة نحو الشركات المرتبطة بهذا القطاع.
دفعة إنفيديا
كانت أسهم إنفيديا من أبرز الرابحين خلال الجلسة بعدما كشفت الشركة عن شريحة حاسوبية جديدة مصممة لإدخال قدرات الذكاء الاصطناعي مباشرة إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية.
ويمثل هذا الإعلان خطوة جديدة في استراتيجية الشركة الرامية إلى توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خارج مراكز البيانات العملاقة لتشمل أجهزة المستخدمين الأفراد والشركات.
واعتبر المستثمرون أن المنتج الجديد يفتح سوقاً ضخمة أمام الشركة ويمنحها فرصة إضافية لتعزيز مكانتها باعتبارها المستفيد الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية.
كما ساهم الإعلان في تعزيز التفاؤل بشأن آفاق قطاع الرقائق الإلكترونية ككل، ما انعكس على أداء العديد من الشركات العاملة في هذا المجال.
شراكة مع مايكروسوفت
كشف الرئيس التنفيذي للشركة جنسن هوانغ أن تطوير الشريحة الجديدة جاء ثمرة تعاون استمر ثلاث سنوات مع مايكروسوف بهدف إعادة تصميم الحاسوب الشخصي بما يتناسب مع متطلبات عصر الذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا التعاون حجم الاستثمارات التي تضخها الشركات التكنولوجية الكبرى لتطوير بنية تحتية قادرة على استيعاب التطبيقات الجديدة للذكاء الاصطناعي.
كما يؤكد أن المنافسة لم تعد تقتصر على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تشمل أيضاً الأجهزة والأنظمة التشغيلية والمنصات التي ستعتمد عليها هذه التقنيات مستقبلاً.
واستفادت أسهم مايكروسوفت من هذه الأجواء الإيجابية، حيث واصل المستثمرون الرهان على قدرة الشركة على تحقيق مكاسب إضافية من خلال استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
أداء متباين
رغم الأداء القوي للقطاع بصورة عامة، شهدت بعض شركات أشباه الموصلات تبايناً في نتائجها خلال الجلسة.
فقد تعرضت أسهم Qualcomm لضغوط بيعية محدودة، كما تراجعت أسهم Intel وسط استمرار المخاوف بشأن المنافسة المتزايدة في سوق الرقائق المتقدمة.
في المقابل، حققت أسهم Micron Technology مكاسب قوية دفعتها إلى مستويات تاريخية جديدة، مستفيدة من الطلب المتزايد على الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
كما واصل مؤشر شركات أشباه الموصلات تحقيق مكاسب إضافية، ما يؤكد استمرار الثقة في مستقبل القطاع رغم التباين بين الشركات المختلفة.
عودة البرمجيات
شهد قطاع البرمجيات انتعاشاً ملحوظاً خلال الجلسة بعدما تعرض في وقت سابق من العام لموجة بيع واسعة نتيجة مخاوف المستثمرين من تأثير التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي على نماذج الأعمال التقليدية.
إلا أن نتائج الشركات الأخيرة أعادت الثقة تدريجياً إلى القطاع، حيث بدأت الأسواق تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة لتعزيز الإيرادات بدلاً من اعتباره تهديداً لأعمال البرمجيات القائمة.
وسجلت أسهم ServiceNow وIBM مكاسب قوية، ما ساهم في دفع مؤشر خدمات البرمجيات إلى الارتفاع.
ويرى محللون أن هذا التحول في النظرة الاستثمارية قد يفتح المجال أمام موجة جديدة من المكاسب في أسهم البرمجيات خلال الفترة المقبلة.
تأثير الشرق الأوسط
رغم تركيز المستثمرين على التكنولوجيا، ظلت التطورات السياسية في الشرق الأوسط حاضرة بقوة في خلفية المشهد الاستثماري.
فالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال تمثل عاملاً مؤثراً في اتجاهات الأسواق العالمية، خاصة بسبب انعكاساتها المحتملة على أسعار النفط والتضخم والنمو الاقتصادي.
وقد ساهمت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن استمرار المحادثات مع إيران في تهدئة جزء من المخاوف، رغم استمرار حالة عدم اليقين بشأن فرص التوصل إلى اتفاق نهائي.
كما رحبت الأسواق بتصريحات أشارت إلى عدم وجود خطط لتوسيع العمليات العسكرية إلى مناطق جديدة، وهو ما عزز شهية المستثمرين للمخاطرة.
النفط والتضخم
تدرك الأسواق أن أي تصعيد إضافي في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بصورة أكبر، الأمر الذي قد ينعكس على معدلات التضخم العالمية.
وتبقى هذه المسألة ذات أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين لأنها ترتبط مباشرة بقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة.
فإذا ارتفعت الضغوط التضخمية نتيجة صعود أسعار الطاقة، فقد يضطر البنك المركزي الأميركي إلى الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول، وهو ما قد يؤثر سلباً على تقييمات الأسهم مستقبلاً.
أما في حال نجاح الجهود الدبلوماسية وعودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، فقد تحصل الأسواق على دعم إضافي من خلال تراجع المخاوف التضخمية وتحسن توقعات النمو.