نزع الملكية يعيد رسم العقارات السعودية
ينظم نظام نزع الملكية للعقارات في السعودية واحدة من أكثر المسائل حساسية في السوق، إذ يحدد الإطار الذي تستطيع من خلاله الجهات المختصة استملاك العقارات المملوكة للأفراد عندما تقتضي المصلحة العامة تنفيذ مشروعات كالطرق والمرافق والبنية التحتية، مقابل تعويض عادل يحدد وفق الإجراءات النظامية.
وتتزايد أهمية النظام مع اتساع المشروعات التنموية والعمرانية التي تشهدها المملكة، بالتزامن مع سوق عقارية نشطة تتغير فيها الأسعار وقيم الصفقات بصورة متواصلة، وهو ما يجعل آلية تقييم العقار والتعويض عنه عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن بين احتياجات التنمية وحقوق الملكية الخاصة.
وتظهر أحدث أرقام السوق حجم النشاط الذي تجري في ظله عمليات التقييم العقاري، إذ بلغت قيمة الصفقات المنفذة خلال أسبوع نحو 2.7 مليار ريال، بزيادة تقارب 600 مليون ريال عن الأسبوع السابق، رغم بقاء عدد العمليات شبه مستقر.
منفعة عامة
يقوم النظام على مبدأ واضح يتمثل في عدم جواز نزع ملكية العقارات أو وضع اليد عليها بصورة مؤقتة إلا عندما تكون هناك مصلحة عامة تبرر ذلك، مع استحقاق المالك تعويضاً عادلاً.
وتبرز أهمية هذا المبدأ في أن نزع الملكية لا يمثل عملية بيع عقارية تقليدية يقرر فيها المالك توقيت البيع والسعر الذي يقبله، وإنما إجراء يرتبط بحاجة جهة مختصة إلى العقار لتنفيذ مشروع يخدم المصلحة العامة.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إطار نظامي ينظم العملية منذ تحديد الحاجة إلى العقار مروراً بإجراءات النزع والتقييم، وصولاً إلى التعويض وحفظ الحقوق المرتبطة بالملكية.
وتشمل الحالات التي يمكن أن تستدعي مثل هذه الإجراءات مشروعات الطرق والمرافق العامة والبنية التحتية وغيرها من المشروعات التي تتطلب استخدام أراضٍ أو عقارات مملوكة لأفراد.
كما يوفر النظام أساساً لتنظيم وضع اليد المؤقت على العقارات عند الحاجة، بحيث لا تصبح متطلبات تنفيذ المشروعات العامة سبباً في تجاوز حقوق أصحاب الأملاك.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع النمو العمراني الكبير الذي تشهده المدن السعودية، وما يصاحبه من توسع في شبكات الطرق والنقل والمرافق والخدمات ومشروعات التطوير الحضري.
فكلما توسعت المشروعات العامة، ازدادت الحاجة إلى قواعد واضحة تحدد متى يمكن اللجوء إلى نزع الملكية، وكيف يتم التعامل مع العقارات المتأثرة، وما الضمانات التي يحصل عليها أصحابها.
تقييم متغير
تظهر أهمية التعويض العادل بصورة أوضح عند النظر إلى التفاوت الكبير في أسعار العقارات بين المدن، بل والتغير الملحوظ في الأسعار داخل المدينة نفسها من أسبوع إلى آخر.
وبحسب بيانات البورصة العقارية، بلغت قيمة الصفقات السعودية خلال الأسبوع الماضي نحو 2.7 مليار ريال، مقابل مستوى يقل بنحو 600 مليون ريال في الأسبوع السابق.
لكن اللافت أن هذه القفزة لم تنتج عن زيادة عدد العمليات؛ فقد بلغ عدد الصفقات 3536 صفقة مقابل 3541 صفقة في الأسبوع السابق، أي إن السوق سجلت خمس صفقات أقل، رغم الزيادة الكبيرة في القيمة.
كما ارتفع متوسط سعر البيع للمتر من 106 ريالات إلى 113 ريالاً، بزيادة تقارب 6.6 %، بما يعكس طبيعة متحركة للأسعار والقيم العقارية.
وتظهر جدة مثالاً واضحاً على ذلك، إذ ارتفع عدد الصفقات فيها إلى 585 صفقة مقابل 497 صفقة، فيما تجاوزت قيمتها 623 مليون ريال مقارنة بنحو 599 مليوناً في الأسبوع السابق.
وفي الوقت نفسه، ارتفع متوسط سعر المتر في جدة إلى 2784 ريالاً من 2260 ريالاً، وهو تغير يعكس أهمية الاستناد إلى تقييمات تراعي ظروف السوق وموقع العقار وخصائصه عند تحديد قيمته.
وكان التحول أكثر وضوحاً في المدينة المنورة، التي سجلت 180 صفقة بقيمة قاربت 820 مليون ريال، مقابل 187 صفقة فقط بقيمة نحو 137 مليون ريال في الأسبوع السابق.
وصعد متوسط السعر فيها إلى 3137 ريالاً للمتر مقارنة بـ908 ريالات، وهي أرقام تظهر مدى قدرة صفقات معينة على تغيير متوسطات السوق خلال فترة قصيرة.
سوق متباينة
لا تتحرك العقارات السعودية في اتجاه واحد، وهو عامل يزيد أهمية وجود إجراءات دقيقة للتقييم عند نزع الملكية، إذ سجلت بعض المدن ارتفاعات قوية، بينما شهدت مدن أخرى انخفاضاً في النشاط والقيمة.
ففي مكة المكرمة، تراجع عدد الصفقات إلى 138 صفقة بقيمة قاربت 117 مليون ريال، مقارنة بـ144 صفقة بقيمة نحو 298 مليون ريال في الأسبوع السابق.
وفي الدمام، حدث العكس جزئياً؛ إذ تراجع عدد العمليات من 123 إلى 116 صفقة، لكن قيمتها ارتفعت من نحو 119 مليون ريال إلى أكثر من 144 مليوناً.
وسجلت أبها 66 صفقة بقيمة قاربت 40 مليون ريال، مقارنة بـ63 صفقة بنحو 38 مليوناً، فيما ارتفع عدد صفقات تبوك إلى 57 صفقة بقيمة تقارب 28 مليون ريال.
وعلى مستوى الأحياء، تصدر حي الغدير بمدينة سلطان النشاط بـ119 صفقة، بينما جاءت أربعة أحياء في جدة ضمن المراكز الخمسة الأولى، هي الصواري بـ99 صفقة، والصفا بـ37، والنزهة والريان بـ24 صفقة لكل منهما.
وتكشف هذه الاختلافات أن القيمة العقارية ترتبط بمجموعة كبيرة من العوامل، بدءاً من المدينة والحي والموقع، وصولاً إلى طبيعة العقار ومستوى الطلب والنشاط المحيط به.
كما لا تزال صفقات مدينة الرياض غائبة عن بيانات البورصة العقارية بالتزامن مع انتقال توثيق صفقات معظم أحياء العاصمة إلى السجل العقاري، وهو ما ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة إجماليات النشاط الأسبوعي.
التعويض العادل يحمي حقوق الملاك
تأتي أهمية نظام نزع الملكية من محاولته الجمع بين مسارين متوازيين: تمكين الجهات المختصة من الحصول على العقارات الضرورية لتنفيذ مشروعات المنفعة العامة، وفي الوقت نفسه حماية أصحابها من خلال التعويض العادل والإجراءات المنظمة. وتزداد حساسية هذه المعادلة في سوق سجلت 2.7 مليار ريال من الصفقات خلال أسبوع واحد، وتظهر فيها تحركات كبيرة في الأسعار بين مدينة وأخرى، ما يجعل دقة التقييم عنصراً محورياً في تحقيق التوازن بين تسريع التنمية وحفظ الحقوق العقارية.