نزوح 4.1 مليار دولار من صناديق «بيتكوين»
دخلت سوق العملات المشفرة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ بداية العام، بعدما تعرضت صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بعملة بيتكوين لأكبر موجة سحب شهرية منذ إطلاقها قبل عامين، في تطور يعكس تحولاً واضحاً في سلوك المستثمرين المؤسساتيين، الذين فضلوا تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر مع تزايد حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
وأظهرت البيانات أن التدفقات الخارجة من صناديق بيتكوين الفورية تجاوزت 4.1 مليار دولار خلال يونيو، وهو أكبر نزوح شهري للأموال منذ بدء تداول هذه الصناديق، في وقت تراجعت فيه العملة المشفرة الأكبر في العالم بنحو 18% خلال الشهر لتقترب من مستوى 60 ألف دولار، مسجلة أسوأ أداء شهري لها منذ عام 2022.
ويشير هذا التطور إلى أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى بيتكوين باعتبارها مجرد أصل عالي النمو، بل أصبحوا أكثر حساسية تجاه المتغيرات الاقتصادية وأسعار الفائدة ومستويات السيولة العالمية، وهو ما انعكس في موجة بيع واسعة شملت أيضاً أسهم الشركات المرتبطة بقطاع الأصول الرقمية.
أكبر نزوح منذ إطلاق الصناديق
شكل إطلاق صناديق بيتكوين الفورية قبل نحو عامين نقطة تحول في تاريخ سوق العملات المشفرة، إذ فتحت الباب أمام المؤسسات المالية الكبرى للدخول إلى هذا القطاع من خلال أدوات استثمارية منظمة، وأسهمت في جذب عشرات المليارات من الدولارات خلال الأشهر الأولى.
إلا أن الصورة تغيرت بصورة كبيرة خلال يونيو، بعدما سجلت هذه الصناديق أكبر تدفقات خارجة في تاريخها، الأمر الذي يعكس تغيراً في توجهات المستثمرين، الذين فضلوا تقليص المخاطر والاحتفاظ بسيولة أكبر في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية.
ويرى محللون أن حجم التدفقات الخارجة لا يعكس فقط عمليات جني أرباح، وإنما يعبر أيضاً عن إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية بعيداً عن الأصول الأكثر تقلباً، مع ارتفاع التوقعات باستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
«بلاك روك» في صدارة الخسائر
كان صندوق «بلاك روك» الأكثر تأثراً بموجة السحوبات، بعدما استحوذ وحده على نحو ثلاثة مليارات دولار من إجمالي التدفقات الخارجة، وهو ما يعكس حجم الاستثمارات الضخمة التي كانت قد تدفقت إليه خلال الأشهر السابقة.
ورغم أن خروج الأموال من الصندوق لا يعني بالضرورة تراجع الثقة في الشركة نفسها، فإنه يشير إلى أن المستثمرين فضلوا تقليص تعرضهم لسوق العملات المشفرة بصورة عامة، بغض النظر عن الجهة المديرة للاستثمار.
ويؤكد خبراء أن صناديق بيتكوين أصبحت مرآة مباشرة لمعنويات المستثمرين، إذ تتأثر التدفقات الداخلة والخارجة بسرعة مع أي تغير في توقعات السياسة النقدية أو مستويات شهية المخاطرة.
بيتكوين تحت ضغط
تراجع بيتكوين بنحو 18% خلال يونيو، ليتداول بالقرب من مستوى 60 ألف دولار، وهو مستوى يعد محورياً بالنسبة للمستثمرين، إذ ينظر إليه باعتباره منطقة دعم نفسية وفنية قد تحدد الاتجاه المقبل للعملة. ويعود هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها عمليات البيع المكثفة من المستثمرين المؤسساتيين، إضافة إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية، وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة، فضلاً عن توجه المستثمرين نحو الأصول الأقل تقلباً.
ويرى محللون أن استمرار التداول دون مستويات الدعم الرئيسية قد يدفع إلى مزيد من الضغوط البيعية، بينما قد يؤدي استقرار الأسعار فوق مستوى 60 ألف دولار إلى إعادة بناء الثقة تدريجياً.
انعكاسات على الشركات المرتبطة بالقطاع
لم تقتصر الضغوط على العملات المشفرة، بل امتدت إلى الشركات المرتبطة بها، وفي مقدمتها شركة «مايكرو ستراتيجي»، التي فقد سهمها أكثر من 24% خلال الأسبوع الماضي.
ويعكس هذا التراجع المخاوف المتزايدة بشأن قدرة بعض الشركات التي تمتلك كميات ضخمة من بيتكوين على تحمل استمرار انخفاض الأسعار، خصوصاً إذا اضطرت إلى بيع جزء من حيازاتها لتلبية التزاماتها المالية أو تحسين أوضاعها النقدية.
كما تعرضت أسهم شركات التعدين ومنصات التداول لضغوط مماثلة، في ظل انخفاض أحجام التداول وتراجع الإيرادات المرتبطة بالنشاط الاستثماري.
المستثمرون يعيدون ترتيب المحافظ
تشير التطورات الأخيرة إلى أن المؤسسات الاستثمارية أصبحت أكثر ميلاً إلى إعادة موازنة محافظها، عبر تقليل الانكشاف على الأصول الرقمية مؤقتاً، وانتظار وضوح أكبر بشأن اتجاه السياسة النقدية العالمية.
ويعتقد محللون أن المستثمرين يفضلون في المرحلة الحالية الاحتفاظ بجزء أكبر من السيولة، أو توجيه الاستثمارات نحو أدوات تحقق عوائد مستقرة، إلى حين اتضاح مسار أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي.
ماذا بعد؟
ستبقى تحركات بيتكوين خلال الأسابيع المقبلة مرتبطة بعدة عوامل رئيسية، أبرزها قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، واتجاه عوائد السندات، وحجم التدفقات إلى صناديق الاستثمار المتداولة، إضافة إلى شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
وفي حال استقرت الأسواق المالية العالمية وظهرت مؤشرات على اقتراب دورة خفض أسعار الفائدة، فقد تعود التدفقات الإيجابية إلى صناديق بيتكوين تدريجياً، وهو ما قد يمنح العملة المشفرة فرصة لاستعادة جزء من خسائرها.
أما إذا استمرت الضغوط على السيولة العالمية وواصل المستثمرون الابتعاد عن الأصول مرتفعة المخاطر، فمن المرجح أن تبقى بيتكوين تحت ضغط خلال الفترة المقبلة، مع استمرار التقلبات الحادة في الأسعار، حتى تتضح الصورة الاقتصادية بصورة أكبر.
لماذا خرجت السيولة بهذه السرعة؟
يرى محللون أن موجة السحوبات الأخيرة لم تكن ناتجة عن عامل واحد، وإنما جاءت نتيجة تداخل عدة متغيرات اقتصادية ومالية دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في مراكزهم داخل سوق الأصول الرقمية.
في مقدمة هذه العوامل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، وهو ما يزيد جاذبية السندات الحكومية وأدوات الدخل الثابت مقارنة بالأصول التي لا تحقق عائداً دورياً مثل بيتكوين. كما ساهمت حالة عدم اليقين بشأن توقيت خفض الفائدة الأميركية في تعزيز توجه المستثمرين نحو الأصول الدفاعية.
إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع التقلبات في الأسواق العالمية، سواء في الأسهم أو السلع أو العملات، دفع كثيراً من مديري المحافظ إلى تقليص الأصول ذات المخاطر المرتفعة، بهدف الحفاظ على مستويات السيولة وتقليل التذبذب في الأداء.
هل تراجعت جاذبية بيتكوين؟
رغم موجة البيع الحالية، يؤكد عدد من المحللين أن بيتكوين لم تفقد مكانتها كأكبر أصل رقمي في العالم، إلا أن السوق تمر بمرحلة إعادة تقييم عادلة بعد المكاسب الكبيرة التي سجلتها خلال الفترة الماضية.
فالارتفاعات القوية التي شهدتها العملة جذبت شريحة واسعة من المستثمرين الباحثين عن أرباح سريعة، وهو ما جعل عمليات جني الأرباح أمراً طبيعياً عند ظهور مؤشرات على تباطؤ السيولة العالمية.
كما أن التراجعات الحالية لا تعني بالضرورة تغير الأساسيات التي تدعم بيتكوين على المدى الطويل، مثل محدودية المعروض، وارتفاع الاهتمام المؤسسي، وتوسع البنية التنظيمية للأسواق.
التأثير على سوق العملات المشفرة
لم تقتصر الخسائر على بيتكوين وحدها، بل امتدت إلى معظم العملات الرقمية الرئيسية، التي شهدت انخفاضات متفاوتة نتيجة تراجع السيولة وارتفاع عمليات البيع.
كما انخفضت القيمة السوقية الإجمالية لسوق العملات المشفرة بصورة ملحوظة، وسط تراجع أحجام التداول اليومية وانخفاض نشاط المستثمرين الأفراد.
ويرى مراقبون أن استمرار ضعف السيولة قد يؤدي إلى زيادة التقلبات خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت التدفقات الخارجة من الصناديق الاستثمارية بوتيرتها الحالية.
وفي المقابل، قد يسهم استقرار الأسواق التقليدية وتحسن شهية المخاطرة في إعادة جزء من الأموال إلى القطاع، خصوصاً إذا استقرت بيتكوين فوق مستويات الدعم الرئيسية.