تخطي إلى المحتوى الرئيسي

‬نظرية‭ ‬مارادونا‮‬‭ ‬توجه‭ ‬قرارات‭ ‬الفائدة

CVB31

تستند‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬مارادونا‮»‬‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬معقدة‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭: ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالتحرك‭ ‬نحو‭ ‬مكان‭ ‬الكرة‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬نحو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬ستصل‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬لحظات‭. ‬هذا‭ ‬التشبيه،‭ ‬المستوحى‭ ‬من‭ ‬أسطورة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬دييغو‭ ‬مارادونا،‭ ‬أصبح‭ ‬مدخلًا‭ ‬لشرح‭ ‬معضلة‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتغير‭ ‬بسرعة‭ ‬وتفرض‭ ‬على‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬التحرك‭ ‬استباقياً‭ ‬لا‭ ‬تفاعلياً‭.‬

قراءة‭ ‬المستقبل

في‭ ‬جوهر‭ ‬هذه‭ ‬النظرية،‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬التضخم‭ ‬الحالي‭ ‬أو‭ ‬النمو‭ ‬الراهن،‭ ‬بل‭ ‬تحاول‭ ‬قراءة‭ ‬الاتجاه‭ ‬المقبل‭ ‬للاقتصاد‭: ‬هل‭ ‬الأسعار‭ ‬ستواصل‭ ‬الارتفاع؟‭ ‬هل‭ ‬الطلب‭ ‬سيتراجع؟‭ ‬وهل‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قوياً‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتحمل‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التشديد؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬تجعل‭ ‬قرار‭ ‬الفائدة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬توقع‭ ‬مسار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتضح‭ ‬الصورة‭ ‬بالكامل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬صعوبة‭ ‬المهمة‭ ‬وحساسية‭ ‬التوقيت‭.‬

مأزق‭ ‬الفائدة

المشكلة‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬بشكل‭ ‬فوري‭. ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬برفع‭ ‬الفائدة‭ ‬أو‭ ‬تثبيتها‭ ‬أو‭ ‬خفضها‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬حتى‭ ‬تظهر‭ ‬آثاره‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وسوق‭ ‬الإسكان،‭ ‬والائتمان،‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عموماً‭. ‬لذلك،‭ ‬إذا‭ ‬انتظرت‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬حتى‭ ‬تتأكد‭ ‬المؤشرات‭ ‬تماماً،‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬تأخرت‭ ‬بالفعل،‭ ‬وإذا‭ ‬تحركت‭ ‬مبكراً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬فقد‭ ‬تدفع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬تباطؤ‭ ‬غير‭ ‬ضروري،‭ ‬وهنا‭ ‬تحديداً‭ ‬تكمن‭ ‬‮«‬معضلة‭ ‬مارادونا‮»‬‭.‬

بين‭ ‬خطرين

الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬ليست‭ ‬مريحة‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬التضخم‭ ‬يمثل‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬للاستقرار‭ ‬السعري،‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬المعيشة،‭ ‬ويقوّض‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬نقدية‭ ‬متشددة‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬النمو،‭ ‬ويكبح‭ ‬الاقتراض،‭ ‬ويضعف‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاستهلاك‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬القرار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يدور‭ ‬فقط‭ ‬حول‭ ‬‮«‬مكافحة‭ ‬التضخم‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬كبح‭ ‬الأسعار‭ ‬وتفادي‭ ‬إلحاق‭ ‬ضرر‭ ‬أوسع‭ ‬بالنشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

الأسواق‭ ‬تترقب

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئات،‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬الأسواق‭ ‬دائمًا‭ ‬القرار‭ ‬الرسمي،‭ ‬بل‭ ‬تراقب‭ ‬لهجة‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬وتعيد‭ ‬تسعير‭ ‬توقعاتها‭ ‬بسرعة،‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬تشدد‭ ‬أطول،‭ ‬أو‭ ‬تلميح‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬مؤجل،‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬السندات،‭ ‬والتمويل،‭ ‬وتكلفة‭ ‬الاقتراض،‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬شهية‭ ‬المستثمرين‭ ‬للمخاطر،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬مارادونا‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تطبقها‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬الأسواق‭ ‬أيضاً،‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬بدورها‭ ‬استباق‭ ‬المسار‭ ‬المقبل‭ ‬للفائدة‭.‬

صعوبة‭ ‬التقدير

لكن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬مضموناً‭. ‬فالمؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬قد‭ ‬تعطي‭ ‬إشارات‭ ‬متضاربة‭: ‬تباطؤ‭ ‬في‭ ‬قطاع،‭ ‬ومرونة‭ ‬في‭ ‬آخر،‭ ‬وضغوط‭ ‬تضخمية‭ ‬تنحسر‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬وتبقى‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬نقدي‭ ‬معرضاً‭ ‬لاحتمال‭ ‬الخطأ،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التشدد‭ ‬الزائد‭ ‬أو‭ ‬التيسير‭ ‬المبكر‭. ‬وفي‭ ‬الحالتين،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الكلفة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مصداقية‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬نفسه‭.‬

قرار‭ ‬استباقي

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬رفاهية‭ ‬الانتظار‭ ‬الطويل،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬المجازفة‭ ‬بلا‭ ‬حساب‭. ‬لذلك‭ ‬تبدو‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬مارادونا‮»‬‭ ‬وصفاً‭ ‬مناسباً‭ ‬للمرحلة‭ ‬الحالية‭: ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬قراءة‭ ‬البيانات،‭ ‬بل‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬عن‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة،‭ ‬والتحرك‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفوت‭ ‬الأوان،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الجرأة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬دقة‭ ‬التقدير‭ ‬وحسن‭ ‬توقيت‭ ‬الحركة‭.‬

رجوع لأعلى