نهاية عصر الأموال الرخيصة
شهدت الأسواق العالمية خلال العقود الثلاثة الماضية اعتماداً واسعاً على اليابان باعتبارها أكبر مصدر للأموال منخفضة التكلفة في العالم. فبفضل أسعار الفائدة القريبة من الصفر، تمكن المستثمرون من الاقتراض بالين الياباني وتوجيه تلك الأموال إلى أسواق الأسهم والسندات والعقارات والأصول عالية العائد في مختلف أنحاء العالم. غير أن هذا النموذج الذي ظل قائماً لعقود بدأ يواجه تحولاً مهماً بعد قرار بنك اليابان رفع أسعار الفائدة إلى 1 %، وهو أعلى مستوى تصل إليه الفائدة اليابانية منذ أكثر من ثلاثة عقود.
تحول نقدي
قرار بنك اليابان رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس جاء متوافقاً مع توقعات الأسواق، لكنه يحمل دلالات تتجاوز مجرد الزيادة المحدودة في تكلفة الاقتراض. فالخطوة تعكس توجهًا متزايدًا لدى البنك المركزي نحو إنهاء الحقبة الاستثنائية من التيسير النقدي التي طبعت السياسة الاقتصادية اليابانية منذ تسعينيات القرن الماضي.
ويحاول صناع السياسة النقدية في طوكيو التعامل مع مجموعة من التحديات المتزايدة، أبرزها الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، إضافة إلى زيادة تكلفة الواردات بسبب ضعف العملة اليابانية. ورغم أن معدل التضخم لا يزال دون المستوى المستهدف البالغ 2 %، فإن السلطات النقدية ترى أن استمرار السياسة فائقة التيسير قد يفاقم الاختلالات الاقتصادية ويزيد الضغوط على الين.
الين تحت المجهر
أحد أبرز أسباب التحول الحالي يتمثل في استمرار ضعف الين الياباني أمام الدولار الأمريكي. فالعملة اليابانية ما زالت تتداول قرب مستوى 160 ينًا للدولار، وهو مستوى يعتبر ضعيفاً تاريخياً ويؤثر بشكل مباشر في تكاليف الاستيراد وأسعار السلع داخل اليابان.
وقد دفعت هذه التطورات السلطات اليابانية خلال الأشهر الماضية إلى التدخل في أسواق الصرف الأجنبي، حيث ضخت نحو 73.5 مليار دولار لدعم العملة المحلية والحد من تراجعها. لكن استمرار الضغوط على الين دفع البنك المركزي إلى استخدام أداة أكثر استدامة تتمثل في رفع أسعار الفائدة بهدف تقليص الفجوة مع العوائد المرتفعة في الاقتصادات الكبرى الأخرى.
وقود الأسواق
تكمن أهمية القرار الياباني في ارتباطه باستراتيجية استثمارية واسعة الانتشار تعرف باسم «الكاري تريد» أو «تجارة الفائدة». وتعتمد هذه الاستراتيجية على الاقتراض بعملة منخفضة الفائدة مثل الين، ثم استثمار الأموال في أصول توفر عوائد أعلى في دول أخرى، ما يسمح للمستثمرين بتحقيق أرباح من فارق أسعار الفائدة.
وعلى مدار سنوات طويلة، تحولت اليابان إلى مركز التمويل الأهم لهذه العمليات بسبب تكاليف الاقتراض المتدنية للغاية، ونتيجة لذلك تدفقت تريليونات الدولارات إلى الأسواق العالمية، وأسهمت تلك السيولة في دعم أسعار الأسهم والسندات والأصول المالية المختلفة.
وتشير تقديرات صادرة عن «دويتشه بنك» إلى أن حجم صفقات «الكاري تريد» المرتبطة بالحكومة اليابانية ومؤسساتها يتجاوز 20 تريليون دولار، وهو رقم يعكس مدى اعتماد النظام المالي العالمي على الأموال اليابانية منخفضة التكلفة.
ذاكرة الأسواق
ورغم أن قرار رفع الفائدة كان متوقعًا على نطاق واسع، فإن المستثمرين لا يزالون يتذكرون ما حدث خلال صيف 2024 عندما أدى تشديد السياسة النقدية اليابانية إلى ارتفاع سريع في قيمة الين، الأمر الذي دفع العديد من المستثمرين إلى إغلاق مراكز «الكاري تريد» بصورة متسارعة.
وتسبب ذلك آنذاك في موجات بيع واسعة في عدد من الأسواق العالمية نتيجة اضطرار المستثمرين إلى إعادة الأموال المقترضة وسداد التزاماتهم، وهو ما أثار مخاوف من انتقال العدوى المالية بين الأسواق المختلفة.
لكن الصورة الحالية تبدو أكثر هدوءاً، إذ إن الأسواق استوعبت إلى حد كبير احتمالات رفع الفائدة، كما أن مراكز المضاربة ضد الين لا تزال عند مستويات مرتفعة تُعد الأعلى منذ نحو تسع سنوات، ما يشير إلى استمرار ثقة المستثمرين بإمكانية الاستفادة من فروق العوائد.
رسالة عالمية
وفي الوقت ذاته، تحظى خطوات بنك اليابان بمتابعة وثيقة من الولايات المتحدة. فقد أبدى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دعمه لتوجه البنك المركزي الياباني نحو رفع أسعار الفائدة، معتبراً أن الاقتصاد الياباني بات قادراً على تحمل المزيد من التشديد النقدي.
وتفضل واشنطن رؤية الين أكثر قوة، لأن استمرار ضعفه قد يدفع طوكيو إلى تكثيف تدخلاتها في سوق الصرف عبر بيع جزء من احتياطاتها وحيازاتها الضخمة من السندات الأمريكية، وهو ما قد يخلق ضغوطاً إضافية على أسواق الدين العالمية.
ورغم أن رفع الفائدة إلى 1 % قد لا يكون كافيًا لإنهاء عصر «الكاري تريد» بشكل كامل، فإنه يمثل إشارة واضحة إلى أن أكبر مصدر للأموال الرخيصة في العالم بدأ يتغير، ومع استمرار تطبيع السياسة النقدية اليابانية، قد يجد المستثمرون أنفسهم أمام واقع جديد يتطلب إعادة تقييم استراتيجياتهم الاستثمارية، خصوصاً تلك التي اعتمدت لعقود على الاقتراض شبه المجاني من اليابان لتمويل رهاناتهم في الأسواق العالمية.